فيلم "الاختيار" ليوسف شاهين ..الإنسان في مواجهة نفسه وسينما لم يفهمها جمهور السبعينيات

فيلم "الاختيار" (1970) لغز جريمة قتل، أظهر الانقسامات الفكرية المتنامية في مصر بعد 3 سنوات من نكسة يونيو/ حزيران 1967. الفيلم من بطولة سعاد حسني وعزت العلايلي، وإخراج يوسف شاهين

في فيلم "الاختيار" (1970)، يطرح يوسف شاهين واحدة من أكثر تجاربه الفلسفية والنفسية نضجا وتعقيدا، فلا يكتفي بحكاية جريمة قتل غامضة، بل يُقحمنا في قلب أسئلة الوجود، ويُرينا أن النفس البشرية قد تصبح ساحة معركة بين ما نعرفه عن أنفسنا وما نجهله، بين القناع والوجه، بين الظاهر والباطن، بين ما نريد أن نكونه وما نحن عليه.

شارك في تأليف هذا الفيلم الغامض الكاتب نجيب محفوظ، ويغوص عميقا في النفس البشرية، مستكشفا ضمير مصر الاجتماعي في ضوء حرب يونيو/ حزيران 1967. في الفيلم، تظهر جثة تحمل صورة في جيبها، وهي جثة توأم مؤلف شهير ومتسلق اجتماعي، ومنذ تلك اللحظة تأخذ حياة الكاتب مسارا مختلفا تماما

منذ لحظاته الأولى، يوهمنا يوسف شاهين أننا بصدد فيلم بوليسي معتاد، فنرى جريمة قتل غامضة، ثم يُعثر على جثة "سيد" أخي البطل محمود، وسط شكوك وإشارات متناثرة.

لكن مع توالي المشاهد، يتبدد هذا الوهم، فنكتشف أن الجريمة ليست سوى مرآة، أو بوابة عبور إلى الداخل، إلى نفس الإنسان، إلى هاوية الذات، حيث يتصارع النور والظلام. وكأن يوسف شاهين يقول لنا: ليست الجريمة هي المهمة، بل دوافعها، النفس التي اقترفتها، والعالم الداخلي الذي أنتجها.

بجسده النحيل وعينيه الفضوليتين خلف نظارته السميكة، وأنفه الإغريقي البارز، قال يوسف شاهين في حديثه لمجلة "اليونسكو كورير": كنت أجد إلهامي في مراقبة الناس بعين متعاطفة، فإذا أحببت الآخرين، فكل قصة تستحق أن تُروى. كل إنسان يحمل في داخله حكاية عظيمة، وما يهم حقا هو أن تعرف كيف تصغي إليها، ثم كيف ترويها. (صور غيتي)

سؤال الحقيقة

في قلب الفيلم سؤال مزلزل: ما هي الحقيقة؟ هل هي ما نراه، وما نسمعه، وما نشعر به؟ أم هي أبعد من ذلك، وأعمق من أن تُرى أو تُقال؟

لا يمنحنا يوسف شاهين إجابة، بل يمعن في تعقيد السؤال، فيبعثر خيوطه ليكشف أن الحقيقة ليست واحدة بل متشظية، وأننا كثيرا ما نختار الحقيقة التي تريحنا، ونتحمل تبعاتها، وتُبقينا أحياء.

حين يُعثر على محمود مقتولًا، يصبح شقيقه التوأم أول مشتبه به في الجريمة، فيكشف المحققون علاقة محتملة بين البحّار القتيل وبين زوجة الكاتب، وأن نجاح روايات سيد لم يكن إلا ثمرة استلهام عميق من حياة أخيه محمود المليئة بالمغامرات

لا يبحث البطل محمود (الممثل عزت العلايلي) عن القاتل فقط، بل عن معنى لحياته، عن يقين يربط فوضى العالم ببعضها، وكلما توغل في البحث، بدا له أن الحقيقة مراوغة متغيرة، تتبدل بتبدل الزاوية التي ننظر منها، فالحقيقة في الفيلم ليست شيئا خارجنا، بل شيئا بداخلنا، ولذا فهي مهددة دائما بالخداع والتشويه والتحريف، لأن الذات نفسها مهددة.

هل نعرف أنفسنا؟

ربما يكون السؤال الجوهري الذي يطرحه الفيلم هو: هل نعرف أنفسنا حقا؟ هل نعرف دوافعنا ورغباتنا ومخاوفنا ومشاعرنا؟

إعلان

يمثل محمود نموذج الإنسان العصري المثقف الناجح الاجتماعي، لكنه في الحقيقة لا يعرف شيئا عن نفسه، بل يضع قناعا أنيقا، يملؤه الكبرياء، يخفي خلفه تمزقات حقيقية، وفي كل مشهد من الفيلم ينكشف قناع ويسقط وهم، ليظهر وجه آخر غير ذلك الذي تعودنا عليه.

هذا الفيلم من أكثر أعمال يوسف شاهين تعقيدا، فقد أجمعت التعليقات عقب عرضه على أن الجمهور لم يُحط بطبقاته الدلالية. وتدور قصته في فضاء انفصام الشخصية، فتبدأ الأحداث باكتشاف الشرطة جثة مجهولة الهوية، سرعان ما يتضح أنها جثة رجل يُدعى محمود. ومع تقدم التحقيق، تتجه ظنون رجلي المباحث المكلّفَين بالقضية نحو أخيه سيد، بوصفه المشتبه به الأول في الجريمة

لا يُدين يوسف شاهين محمود، بل يتعاطف معه، ويتأمله حالةً إنسانية شديدة العمق، ككل مشروخ لا يدري من أين يبدأ علاجه، ويبدو محمود كأنه لا يهرب من شبح أخيه فحسب، بل من نفسه أيضا، وكأن مقتل شبيهه سيد إنما هو قتل للجزء الذي لا يريد الاعتراف به، وقتل للماضي والفقر والضعف والرغبة، ولكل ما يشوه صورته التي رسمها بعناية لنفسه.

نال يوسف شاهين في مسيرته جوائز وتكريمات مهنية كثيرة، من أبرزها جائزة الإنجاز مدى الحياة في مهرجان "كان" السينمائي. لكن جاذبيته الأساسية لدى الجمهور العربي تجسدت في مرآته الإنسانية الحساسة، التي عكست أعماق النفس المصرية ورغباتها المكبوتة. (رويترز)

يتجاوز الفيلم حدود الأزمة الشخصية إلى أزمة وجودية شاملة: هل حقيقة الإنسان هي ما يظن؟ أم شيء آخر يختبئ خلف تلك الظنون؟

يرى محمود أنه مثقف وأخلاقي ومتحكم في مصيره، لكن الواقع في عقله غير الواعي يكشف أنه ضعيف ممزق، عاجز عن تقبّل ذاته الحقيقية.

ارتبط اسم عزت العلايلي بأعمال المخرج يوسف شاهين، فقد شارك في فيلم "الناس والنيل" (1964)، وأدى دورا بارزا في تحفته "الأرض" (1969) ، ثم تألق في أحد أعظم أدواره وأكثرها تعقيدا بشخصية سيد/محمود في فيلم "الاختيار" (1970)، فجسّد ببراعة مأساة الانقسام النفسي والازدواجية

من خلال ازدواج الشخصية، يرصد يوسف شاهين انقسام الذات، ويطرح إمكانية أن يكون الإنسان إنسانين في آن، أو أن يرفض جزءا من كيانه لدرجة القتل، وربما كانت شخصية سيّد الوجه الآخر المكبوت، الذي قرر محمود التخلص منه ليحافظ على صورته.

وهنا يبرز سؤال مخيف: كم منا يقتل نصفه الآخر ليعيش النصف الذي يحب؟ كم منا يخدع نفسه؟

محمود بين السينما والحياة

يمارس محمود حياته كأنها مشهد سينمائي، يحركه ويقطعه ويعيد تمثيله، ويفرض عليه إضاءته، لكنه لا يستطيع التحكم في ما يشعر به، فكل شيء يبدو مرتبا على السطح، لكن في الأعماق فوضى عارمة، ورغبات مكبوتة، ومشاعر مهددة بالانفجار.

صراع داخلي يتجسد على الشاشة، مشهد مكثف يجمع عزت العلايلي ومحمود المليجي في فيلم "الاختيار"، فتصبح المواجهة استعارة عن انقسام النفس وضغط الضمير

هذا التناقض بين الصورة الداخلية والخارجية هو جوهر أزمة محمود، وأزمة الإنسان عموما في العالم الحديث، الذي يطلب منه الاتساق، في حين أنه في جوهره كائن متناقض.

يهرب محمود من ماضيه، ومن طبقته الاجتماعية، ومن حقيقته، ومن كل ما يُشعره بأنه غير متحكم، لكن الهروب لا ينقذه، بل يدفعه إلى الحافة.

السينما لغةً تعبيرية

يدخلنا يوسف شاهين إلى نفوس شخوصه بالصورة والحوار والإضاءة، مستخدما كل ما في السينما من لغة وحروف، وتلك لفتة تحمل كل ذكاء السينما تقريبًا، حين تقف شريفة بجوار صندوق في الميناء، كُتب عليه "سهل الكسر".

إعلان

تبيّن تلك اللقطة أن البساطة والحيوية والحياة في نفس محمود، الذي يصبح بفعل الظروف قريبا من شريفة، هي لقطة التحول في حياتها، فشريفة امرأة يسيرة الكسر، والغلاف الذي تحيط نفسها به يسير الكسر، وكل شيء ينهار.

تصبح شريفة في معية محمود، بعد أن تقبل رفض حياتها المجففة، وتركب على ظهر حصانه (الدراجة البخارية)، كأنه فارسها الذي أنقذها من وحش وحدتها، وبؤس الحياة التي تعيشها.

وُلِد يوسف شاهين في 25 يناير 1926 بالإسكندرية، وبدأ تعليمه في مدرسة إرسالية فرنسية، ثم أكمل دراسته في كلية فيكتوريا، إحدى أعرق مدارس المنطقة، وقد تخرّج فيها حسين بن طلال ملك الأردن، و"سيميون الثاني" ملك بلغاريا، والأمير عبد الإله بن علي وصيّ العرش العراقي، والممثل عمر الشريف، والمخرجان توفيق صالح وشادي عبد السلام

بنفس الطريقة يستخدم يوسف شاهين أضواء إعلانات الشوارع، والانتقال من الأبيض إلى الأحمر إلى الأخضر إلى الأصفر بسرعة وتتابع، ويعكس ذلك كله على وجه سيد، ليبين مدى الصراع الدائر بداخله، حتى قبل أن يبدأ كشف أوراقه.

ومن الإضاءة تدرك أن شريفة تخفي أكثر مما تُظهر، وتدرك أن سيّد في حالة صراع محتدم، وتدرك أن طبع محمود هو الوضوح، حتى وإن بدا منفّرا.

شريفة.. الضحية والسبب

تؤدي شخصية شريفة الفنانة سعاد حسني ببراعة مذهلة، وهي تمثل نقطة التحول في حياة محمود وسيد معا، فهي ليست فتاة يحبها الأخوان فقط، بل هي رمز للرغبة المكبوتة، والحب الممنوع، والأنوثة التي تهدد استقرار الهوية الذكورية.

لا تنتمي شريفة لعالم محمود، ولهذا يريد أن يمتلكها أو يدمرها، أما هي نفسها فلا تعرف ماذا تريد، بل هي ممزقة بين الحب والتقاليد، وبين الرغبة والواجب، وكأنها تجسد الحيرة التي يتحدث عنها الفيلم كله.

ارتبط اسم عزت العلايلي بالسندريلا سعاد حسني في 6 أفلام بارزة، بدأت مع يوسف شاهين في "الاختيار" (1971)، و"الناس والنيل" (1972)، وتواصلت في "غرباء"، و"على من نطلق الرصاص"، ثم "القادسية" و"أهل القمة" عام 1981، وكان هذا التعاون من أنجح ثنائيات السينما المصرية

إن شخصية شريفة هنا هي ضحية بين الحياة وتقاليدها ورغبتها، وهي الحيرة إذا كان للحيرة شكل، وهي أصل الصراع ومنتهاه، وهي سبب صراع محمود الأساسي، وسبب موته، وسبب في تحول سيد الحقيقي، أو ظهور مرضه بوضوح.

شريفة هنا ضحية حقيقية مع كونها سببا، فلا تملك إلا أن تتعاطف معها وأن تحبها.

بهية قمر.. الحب المطلق المعطاء

في مقابل شخصية شريفة، نرى شخصية بهية قمر (الممثلة هدى سلطان)، فتجسد نوعا آخر من الحب، ذلك الذي لا ينتظر ولا يطلب، بل يعطي فقط، وهي ليست محور الصراع مثل شريفة، لكنها تمثل الحنان والعطاء والتسامح والاستمرارية، وتبدو في ذلك العالم المضطرب كأنها نجمة ثابتة في سماء فوضوية، تحب بلا شروط، وتنتظر بلا مقابل.

مشهد يجمع عزت العلايلي ومحمود المليجي وهدى سلطان وميمي شكيب، في واحدة من أكثر اللحظات كثافة داخل دراما يوسف شاهين النفسية، حيث تتقاطع الوجوه بين الصمت والتوتر والمرح، في استعارة بصرية لانقسامات المجتمع المصري بعد نكسة 1967

ليست بهية قمر امرأة فقط، بل هي رمز للأمومة المطلقة، وللحب الخالد، وللتضحية، وتمثل في بنية الفيلم الضمير الغائب، أو النور الذي لا يُطفأ في قلب الإنسان، مهما غاص في الظلام.

السياق التاريخي للفيلم

لا يمكن قراءة فيلم "الاختيار" بمعزل عن اللحظة التاريخية التي وُلد فيها، فقد جاء بعد 3 سنوات فقط من هزيمة يونيو/ حزيران 1967، تلك اللحظة التي زلزلت الوعي العربي، وكشفت انكسار المشروع القومي، وأدخلت الإنسان العربي -ولا سيما المثقف- في أزمة وجودية كبرى.

كان يوسف شاهين دائما مرآة لعصره، وقد قدّم في هذا الفيلم صورة مكبرة لهذه الأزمة. محمود ليس مجرد شخصية متخيلة، بل هو نموذج للمثقف العربي بعد النكسة، مثقف فقد يقينه، فتخلخل إيمانه بالمعنى، وأصبح يعيش انفصاما بين الصورة التي يريد أن يقدمها لنفسه، وبين الحقيقة التي يرفض مواجهتها.

واجه يوسف شاهين الهيمنة الغربية والأصولية على حد سواء، واحتفى بحرية الجسد والروح، وقدم نفسه بكل ما فيه رمزا لأمته. تاريخ مصر الحديث محفور في أعماله (صور غيتي)

إن مقتل سيد في الفيلم يمكن أن يُقرأ رمزا لموت البراءة الأولى، أو انهيار الطبقات الشعبية التي حملت المشروع القومي، أما محاولة محمود محو أخيه تشبه محاولة جيل بأكمله التخلص من ماضيه وهويته، ليعيش "نصفا" مزيفا يتوهم السيطرة والعقلانية.

إعلان

هكذا يصبح "الاختيار" أكثر من فيلم نفسي أو فلسفي، إنه تشريح وجودي لجيل ما بعد النكسة، جيل يعيش في مرآة مشروخة، يبحث عن ذاته، لكنه يصطدم دائما بشبح الهزيمة، وبالسؤال الذي لم يجد له إجابة: من نحن؟ وما حقيقتنا بعد أن سقطت كل الأقنعة السياسية والشعارات؟

ليس الفيلم في جوهره عن الجريمة، بل عن الذات بصفتها مسرحا للجريمة، والقاتل الحقيقي ليس إنسانا، بل فكرة وشعورا ورغبة مدفونة، والبحث عن القاتل بحث عن المعنى، وعن الحقيقة، وعن الذات.

كان يوسف شاهين أبرز أصوات السينما العربية على امتداد أكثر من نصف قرن، وكان غزير الإنتاج، متنوع الأسلوب، متمكنا ككثير من كبار المخرجين الغربيين الذين نالوا شهرة أوسع. لكن القيمة الكبرى التي ميّزته في مصر وخارجها، تمثلت في جرأته الصريحة في التعبير عن ضمير بلده

لقد وضع يوسف شاهين الإنسان العربي في فيلم "الاختيار" أمام المرآة القاسية بعد الهزيمة، كما وضع بطله محمود، وقال له ببلاغة الصورة لا ببلاغة الخطب: أعظم جريمة يرتكبها الإنسان هي أن يرفض أن يرى وجهه الحقيقي.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان