"فتى نهر درينا".. صدمة الحرب والبحث عن الجذور في البوسنة

بعض الأفلام الوثائقية تستقر في ذاكرة المتلقين، ولا تغادرها بيسر لأكثر من سبب. ولعل فيلم "فتى نهر درينا" (Il ragazzo della Drina) للمخرج البوسني زياد إبراهيموڤيتش هو من هذا النمط، الذي يتشبث بذاكرة المتلقين الفردية والجماعية.

ولو بحثنا عن سبب هذا التشبث، لوجدناه يتمثل في السمات التي عالجها المخرج وكتاب السيناريو، وأبرزها صدمة الحرب، والهوية، والبحث عن الجذور، والخلاص، وفهم ما حدث، وما قد يحدث مستقبلا.

إعلان فيلم "فتى نهر درينا"

اشترك في كتابة الفيلم 3 كتاب، منهم المخرج، وهم "زياد إبراهيموفيتش" و"مارزيو ميان" و"نيكولا سكيفولا"، وقد كتبوه بعد التصوير، كما يحدث عادة في الأفلام الوثائقية.

ومع ذلك فإن السارد الأساسي هو "إرفين مويتشيتش"، الذي كان يروي قصصه بالفطرة بسلاسة وصراحة قل نظيرهما، حتى أن المخرج صرح ذات مرة بأنهم لم يكتبوا الحوار، لأن الراوي "يتحدث هكذا بطبيعته"، بلا اعتماد على لغة مقعرة يكتنفها اللف والدوران.

فالكائن السردي يروي قصة أبيه الذي انقطعت أخباره فجأة في يوليو/ تموز 1995، بعد أن قرر البقاء مثل آخرين غيره في "سرِبرنيتسا"، وكانت تعد آمنة يومئذ، يحميها الجنود الهولنديون من ذوي القبعات الزرق.

لم تقتصر تقنية السرد على "إرفين" وحسب، بل تعدتها إلى شخصية الفارس "أمين بكتيتش" الذي يعده بمنزلة الأب، ويقيم معه علاقة متينة، فينقل إليه ذكريات المكان الذي غادره مضطرا في الحافلة الأخيرة.

استدعاء ذاكرة الزمان والمكان

يستدعي الراوي ذاكرة الزمان والمكان في آن واحد، ففي ربيع عام 1992 اندلعت الحرب التي شنها الصربيون على البوسنة والهرسك، وشهد "وادي درينا" مجازر وإبادات جماعية، قُتل فيها نحو 9 آلاف مواطن من المسلمين البوشناق العزل، أكثرهم من الأطفال والشيوخ.

في الفيلم نوع من صورة السيرة الذاتية لـ"إرفين مويتشيتش"، وكان عمره يومئذ 5 سنوات، فقد اضطر إلى الفرار خارج البلاد مع أمه وأخيه وأخته، وكان يفضل البقاء مع أبيه على وحشية الظروف وقساوتها، لكنه اضطر في اللحظات الأخيرة الحاسمة إلى مغادرة المكان واللجوء إلى إيطاليا.

ملصق الفيلم وفيه "إرفين" يتأمل النهر المقدس الذي كان ملاذ البوسنيين

وبعد 20 عاما، قرر "إرفين" العودة إلى وطنه الأم، ليتصالح مع الأشرار الذين عذبوه، وسببوا له ولأهله وأبناء وطنه كثيرا من الآلام والأوجاع، لا يمكن أن يمحوها الزمن، حتى وإن أبدى كثيرا من العفو واللين والتسامح مع من عاقبوه بلا ذنب، ونكلوا به وقتلوا أباه وأقاربه ومعارفه المقربين.

إعلان

ترى، أيستطيع "إرفين" أن يعيد الكرامة إلى قريته تحديدا، وبقية القرى والبلدات المجاورة التي أصابتها الإبادة الجماعية؟

وإذا استطاع، فهل ينجح في مداواة جراح الثكالى، اللواتي فقدنَ ألوفا مؤلفة من الآباء والأزواج والإخوة، ممن ابتلعتهم المجازر الجماعية على طول نهر درينا، الذي يتدفق عبر البوسنة والهرسك مسافة تمتد لـ350 كيلومترا.

يعد هذا النهر أكثر من مجرد مجرى مائي، فهو "رمز ونهر مقدس"، تلوثت مياهه بالدماء، وأصبح مقبرة جماعية ضخمة، كما يصفه بعض سكان هذا الوادي الذي يستقر في ذاكرة الناس الجماعية، وهم يصفونه غالبا بالأم الواهبة للحياة، وقد صبغته الحروب باللون الأحمر، وأصبح خزانة للقصص المقاومة، التي تجسد أحلامهم على مر العصور والأزمنة.

"الوطن دائما في مكان لا أكون فيه"

ينطوي هذا الفيلم الوثائقي المكثف على كثير من الأفكار المهمة، يصلح بعضها أن يكون سمة رئيسية أو ثانوية في أضعف الأحوال، فمنها "الوطن دائما في مكان لا أكون فيه"، وهو يقصد وطنه البوسنة والهرسك، ولو شئنا الدقة لقلنا نهر درينا أو وادي درينا عموما، الذي شهد أبشع الفظائع، حتى احمرّ النهر وأصبح مقبرة جماعية.

لا يقتصر الفيلم على رصد الضحايا البشرية، بل يرصد الطبيعة بما تنطوي عليه من حيوانات وأشجار وسواقٍ وينابيع. ومن يتتبع أحداث الفيلم سيرى فيه حضور الجياد والقطط والكلاب والخراف البيض والطيور، التي تكتظ بها غابات وادي ومجراه المائي العتيد، الذي يعيد للحياة البوسنية بهجتها المفقودة.

ركوب الخيل نوع من الاسترخاء بعد أوقات العمل الطويلة

ربما ينطوي الفيلم على قسوة واضحة، نلحظها في طريقة التعامل مع الجياد وهي تسحب جذوع الأشجار الثقيلة، التي يستعملها الراوي في بناء بيته أو قريته، التي كان فيها نحو 200 نسمة.

لم يعد من أولئك السكان إلا أربعة، منهم الفارس أمين والراوي، واثنان آخران كانا يرممان منازل أكلتها الرطوبة والعفن، وتقوض بعضها الآخر، بسبب الهجر وتقادم الأعوام. فالبيوت الخالية تقتلها العزلة والوحدة وغياب الأرواح البشرية.

لقد شعر الراوي بالصدمة النفسية حينما كان طفلا في البوسنة، فثمة شيء كان يخاف منه، ويسبب له المعاناة والألم العميقين.

إيطاليا ملاذ للأمان لا الخلاص

لم يرِد الطفل "إرفين" الهروب إلى إيطاليا، بل كان يفضل البقاء في البوسنة، على ما فيها من أخطار جمة، أما إيطاليا فكانت مجرد ملاذ، لا للخلاص بل للأمان.

يستذكر الراوي مع أخيه لحظات مخيفة، حين كانا يسمعان أصوات الحوامات والطائرات المقاتلة، التي تبعث فيهم الخوف والهلع، فيختبئان تحت المناضد، بسبب الصدمات النفسية.

ومع ذلك فهو الآن يستمد قوته مما مر به من تجارب على هذه الأرض المعطاء، التي عاش فيها أجداده حياة بدائية بسيطة، لكنها جميلة، فكانوا يحرثون الأرض بالثيران، ويجمعون الأخشاب بالجياد، ويبثون الحياة في الغابات التي تحتضن نهر درينا برمته.

التقاط الأنفاس بعد ساعات العمل الكثيرة في بناء القرية المخربة

لم يتوقف "إرفين" عن الحلم ذات يوم، مع قساوة الظروف التي كان يمر بها، فذات مرة حلم أن يمتلك حصانا، وها هو الآن يحقق حلما جديدا بأن يبني قرية خشبية في الغابة، تأخذه بعيدا عن الطفولة وعن الحرب التي استقرت في ذاكرته المبهمة، التي ضببتها سنوات الغربة الممتدة عقدين من الزمان.

إعلان

تزدحم حياته بالكوابيس والأحلام الغريبة، فذات مرة حلم بأنه كان وحده في داره بسرِبرنيتسا، وسمع طارقا يطرق على الباب بقوة بعد منتصف الليل، فحسبه جاره الذي يطلب مساعدة ما، وحين فتح الباب رأى شبحين مسلحين أطلقا عليه النار.

أما "أمين" الراوي الثاني، فإن حياته تقترن دائما بالجياد التي يربيها ويعتني بها ليل نهار، ولعل حياته اليومية لا تخرج عن إطار الفروسية وعزف الموسيقى على آلة محلية تشبه "البزق".

يقتنص أمين فرصته، ليروي لنا حكايته وحكاية أهله، ولا ينسى الإشارة إلى قرية مسلمة أبيدت جماعيا، مثل بقية القرى المبثوثة على جانبي الوادي الكبير.

وسنعرف بأن "أمين بيكتيش" قد خسر خسائر فادحة في الأهل والأولاد والأحفاد، وقد بلغ من العزلة أن صار يكلم جياده، أو يدندن بعض الأغاني الرومانسية عن امرأة جميلة، ذات عينين جذابتين كلون السماء.

الطبيعة ترمم نفسها من الخراب

تأخذ الأمكنة القروية حصتها في الفيلم، وربما تكون مطحنة "سوسيسكا" مثالا لذلك، فيتوقف الراوي عند تفاصيل كثيرة منها، ولا سيما صخرة المطحنة التي كانوا يختبئون تحتها حين تغير الطائرات المعادية، وتقصف كل مكان بلا رحمة.

كما توقف عند الفانوس الذي كانوا يتخذونه دليلا لهم في ظلمة الليالي الحالكة، وسقف المطحنة الذي تداعى بسبب كميات الثلج الكبيرة، التي كانت تتساقط طوال أيام الشتاءات المريرة.

ومع أن الراوي قد بذل جهودا كبيرة في بناء بيته، فإن الطبيعة تسهم في ترميم نفسها من الخراب، فسوف نشاهد لاحقا حقلا من الذرة يغطي مقبرة جماعية، فلا غرابة أن يصف الطبيعة بالأم، التي تحميهم وتوفر لهم الأمن والماء والغذاء وما إلى ذلك.

العازف أمين يجسد حياة أبناء البوسنة والهرسك الفنية

لا يكف الراوي عن العودة الدائمة إلى قصة أبيه، الذي رفض مغادرة القرية، وكان يتواصل معهم عبر الرسائل التي توصلها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، كما اعتاد أن يتحدث معهم بالمذياع، عندما عمِل مترجما للهولنديين أصحاب القبعات الزرق.

فكان لديه موعد صباحي محدد، يروي لهم نكتا عن سربرنيتسا المحاصرة، التي تفتقر إلى الغذاء والماء والكهرباء، ومع أن الموت كان مهيمنا على تلك القرية المفجوعة، فإن نكات الوالد كانت تخفف عنهم غلواء المعاناة، وتزرع الابتسامة على وجوههم القلقة على أبيهم، أو من بقي لهم من أهل وأقارب وأصدقاء.

لم يستمر التواصل الإذاعي إلى الأبد، ففي 11 يوليو/ تموز 1995، انقطعت الرسائل، وتوقفت الأخبار، وتلاشى الأمل، ولم يجد الراوي أباه حتى اليوم، ويبدو أن مصيره لا يختلف عن مصير الألوف المؤلفة، الذين غابوا أو فقدوا أو دفنوا في مقابر جماعية، على كتفي وادي درينا.

غالبية الضحايا هم من المسلمين البوشناق حصرا

كان الأطفال والنساء والشيوخ يحتمون بقاعدة عسكرية هولندية، هي المكان الوحيد الذين لا يستطيع الجيش الصربي انتهاكه، ومع ذلك فقد اختُرق هذا المكان وانتهك انتهاكا صارخا، فاغتُصبت النساء، وقُتل الأطفال والشيوخ، وأصبح كثير من البوسنيين أثرا بعد عين.

وقد رأينا رأي العين مئات من شواهد القبور، كتبت عليها كلمة "الفاتحة" باللغة العربية، فذلك يدل أن الضحايا هم من المسلمين البوشناق حصرا. لم يجد الراوي جثة أبيه قط، وإنما وجد رفات عمه موزعا في 5 قبور جماعية، ولم يجد جمجمته ويده اليمنى.

المخرج "زياد إبراهيموفيتش"

ينتهي الفيلم نهاية معبرة جدا، حين يضع الراوي اللمسات الأخيرة على بيته الخشبي، وعلى سائر بيوت القرية، التي استردت أنفاسها من جديد، وأصبحت مكانا مثاليا صالحا للعيش، تؤازرها الطبيعة التي تبعث الحياة، لا في سربرنيتسا وحدها بل كل القرى التي تطوق نهر درينا من منبعه إلى مصبه.

وفي الختام لا بد من الإشارة إلى أن المخرج "زياد إبراهيموڤيتش" وُلد عام 1978 في لوزنيكا (يوغسلافيا سابقا)، وقد هرب من بلاده مع أهله عام 1992 عند اندلاع الحرب، ومنذ يومئذ وهو يعيش ويعمل في جنوب سويسرا.

إعلان

بدأ مسيرته الفنية مخرج أفلام، بعد تخرجه من معهد السينما في لوغانو عام 2007، ويمارس التصوير الفوتوغرافي والرسم والنحت. وقد أنجز حتى الآن 5 أفلام وثائقية، وهي:

  • "حتى الزهور أحيانا" (Anche fiori a volte) عام 2007.
  • "حراس الحرب" (Custodi di guerra) عام 2009.
  • "هامش العدم" (Periferia del nulla) عام 2016.
  • "آريا" (Aria) عام 2020.
  • "فتى من نهر درينا" (Il ragazzo della Drina) عام 2025.
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان