"المرآة".. شاعرية البوح عن ذكريات تأبى النسيان

بينما كان فنان السينما المخرج الروسي "أندريه تاركوفسكي" يتصفح صندوق رسائله الواردة، وجد رسالة من أحد المشاهدين، بعد عرض فيلم "المرآة" (The Mirror) عام 1975، وجاء فيها: بعد نصف ساعة من مشاهدة "المرآة" غادرت الصالة أيها الرفيق المخرج، هل شاهدته؟ أظن أنه يحتوي على شيء ضار وغير صحي، أتمنى لك النجاح في عملك، لكننا لا نحتاج إلى فيلم كهذا.
يقول "تاركوفسكي": ما جعلني أصمد أمام هذا الهجوم، هو اقتناعي بأن ثمة أفرادا يهتمون بأعمالي، ويترقبون رؤيتها.
وهذا العام تحتفي الأوساط السينمائية العالمية، بمناسبة مرور 50 عاما على العرض العالمي الأول لفيلم "المرآة"، وكان قد عُرض عروضا محدودة في بعض دور العرض السينمائي في ضواحي العاصمة الروسية موسكو، بداية من 7 من مارس/ آذار عام 1975.
ولما انطلقت الدورة التاسعة من مهرجان موسكو السينمائي في يوليو/ تموز من العام ذاته، أعلن رسميا عن الفيلم، لكنه لم يعرض، وكان يترقبه السينمائيون العالميون، وهكذا أصبح سلعة نادرة شحيحة، يصعب الإمساك بطيف منها.
وهنا لا بد أن يستدعى السؤال المشروع عن سبب هذه الملاحقات من قائمة الانتظار.
الحقيقة أن السبب الحقيقي لا يزال مجهولا، فقد تداولت أقاويل رغبة السلطة الحاكمة يومئذ بمعاقبة "تاركوفسكي" على إهدار أموال الحكومة في فيلم سينمائي ليس إلا سيرة ذاتية لصاحبه، وتقول أقاويل أخرى إن فيه مشاهد ساخرة من الجيش السوفياتي.
وذهب آخرون إلى تبنيه مفاهيم فرويدية (نسبة إلى عالم النفس سيغموند فرويد)، وكانت تلك المبادئ من المحرمات في الثقافة السوفياتية يومئذ. لكن هل ما ذُكر صحيح؟

الحقيقة أن "المرآة" يحتوي على سيرة مخرجه، لكن كيف تروي حكايتك ويصبح ما يراه المتفرج خليطا هجين المحتوى بين الحقيقة والخيال؟
في ظلال هذا التأرجح، تصبح تلك الأقاويل التي ذكرنا محض افتراء وتأويل في الآن ذاته.
"أنا أستطيع أن أتكلم"
قبل الدخول في عمق النسيج الفيلمي، ينبغي النظر نحو إطار السرد العام، وما تتضمنه قماشته السردية من خيوط وتشابكات، فالأحداث تدور حول رجل يواصل تذكر مسار حياته وذكرياته السابقة، التي تشتبك بطريقة ما مع الواقع والحاضر المعاش، هذا ما تطرحه حكاية الفيلم الأصلية، التي تبدو من غلافها الخارجي فارغة المحتوى، ترى ما المثير في سردية إنسان اعتيادي مكرر؟
يكمن السر في الأسلوب ذاته، ويقول الناقد الراحل سمير فريد عن "تاركوفسكي"، إن السينما قبله كانت لغة جديدة للتعبير الروائي والتسجيلي والشعري والموسيقى، أما بعده فأصبحت أيضا لغة للتعبير الفلسفي، وتلك هي الإضافة الكبرى، فالتعبير عما يؤرق الذات من هموم وذكريات، قد يحتاج إلى القول المباشر أحيانا، وإلى السرد المتواري أحيانا أخرى.

وهذا ما لجأ إليه مخرجنا، ففي المشاهد الأولى نرى شابا في جلسة علاج من التلعثم اللفظي، تمارس عليه الطبيبة أسلوبا مبتكرا، وبعد دقائق يتحرر اللسان من لجامه، وينطلق في الحديث بطلاقة ملحوظة، قائلا بنبرة مرتفعة الصدى "أنا أستطيع أن أتكلم".
في ذلك إشارة واضحة الدلالة لـ"تاركوفسكي"، الذي يزيح عن كاهل نفسه ما يثقلها من شوائب، قد تعوق سريان الأحداث والذكريات في المجرى الداخلي من الذاكرة الإنسانية، المحملة على ما يبدو بكثير من الرؤى، تستحق أن يفصح عنها.
مراوحة الواقع والخيال
هكذا اختار السرد أن تنطلق ضربة البداية، من ذلك المشهد الافتتاحي، الذي قد يبدو خارجا عن سياق الفيلم العام، لكنه وثيق الصلة والارتباط بالنسيج الكلي، الذي لا يشبه آخر، فقد خلق السيناريو أحداثه لتدور بين رحى الثنائيات المتضادة.
بداية هذه المترادفات المراوحة بين الواقع والخيال الحلمي، تلك الطبقات الذاتية، التي تزيح الستار عما خفي من ذكريات الماضي، بتدرجاته المتنوعة القريب منها أو البعيد، ثم يتداخل هذا الحكي المتشعب مع تطورات التاريخ والحاضر، فيمزج السرد بين الخاص والعام، الذي يختلط كل منهما بالآخر.
فإذا كان ما نراه على الشاشة من أحداث واقعية أو متخيلة، معبرا عن بعض من المكنون الذاتي لصاحبها، فإن تداعيات الأحداث الكبرى أيضا تلقي بظلالها على تلك الانسيابات والتدفقات القصصية.

يبدو إطار الحكي العام متطابقا بدرجة كبيرة مع نمط عمل الذاكرة البشرية، التي لا يحكم تدفق مخزونها قاعدة محددة، فأحيانا تطفو على السطح قبسات من الطفولة، وفي بعض الأحيان تتصاعد مشاهد أحدث، وهكذا بلا ترتيب مسبق، في اتكاء أساسي على مبدأ التداعي الحر، حيث الانسياب الخلاق لما يَعبر على الذاكرة.
على هامش السيرة
تتكون مساحة الفيلم السردية من 18 مقطعا طويلا، تنبثق منها مشاهد العمل ولقطاته، التي تتوزع على مدى خريطة الفيلم الزمنية (107 دقائق)، ينتقل فيها الحكي بين أروقة زمنية عدة، وإن كانت زاوية الطفولة والمراهقة هي المسيطرة على النسبة الكبرى.
وليس ذلك بدافع حنين مفاجئ، بل لرغبة مطمورة في العمق في التقاط هذا الزمن، بكل ما يحتويه من مكونات وتفاصيل، وهي في مجموعها تشكل حجر أمان -وفق التفسير النفسي- يعاد إليه تلقائيا بلا استئذان.
هكذا يختلط هذا الزمن بذاك، مع توليفات متعددة من المواقف والحكايات، التي قد تبدو مبتورة، لا يعرف سياقها السابق من اللاحق، ومن هذا الطوفان الممتد، تصعد بين حين وآخر مشاهد تشير بوضوح إلى معضلات التاريخ، أو تستدعي ما تيسر من الحوادث العامة، الوثيقة الصلة بمسار الدولة الروسية.
فمن ذلك الحرب العالمية الثانية، وصراعات الاتجاهات الشيوعية مع الرئيس الصيني "ماو تسي تونغ"، وغير ذلك من التطورات اللاحقة على المجتمع الروسي، مما دفع مسؤولين في الرقابة السوفياتية يومئذ إلى الاعتراض، حمايةً للصورة الذهنية الراسخة عن الجمهورية الكبرى.

فالواقع أن النسيج الفيلمي يتكون من مسارين، الأول ما هو إلا عبارة عن مزيج من مشاهد الحقيقة والأحلام، التي يمكن تصنيفها روائية الجنس، في حين تتخلل هذا البناء مشاهد وثائقية، تشير إلى حقب زمنية متباينة.
ثم تتوالى تلك المشاهد على خلفية من الموسيقى العتيقة، وعندها يتجمع هذا الشق مع رفيقه الآخر، ويندمج كل منهما في وحدة فنية واحدة، مع اختلاف الهوية، ويصبح الفيلم لا سيرة ذاتية لصانعه فحسب، بل أقرب إلى الوصية التاريخية.
ولا يتوقف الهيكل السردي عند تلك النقطة، بل تتسرب بين المشاهد أبيات شعرية من قصائد أبي المخرج، وهو الشاعر الروسي المرموق "آرسين تاركوفسكي"، فيلقي بعضا منها بصوته، معبرا عن الحالة الشعورية للشخصيات.
ناهيك عن الاستعانة بأم المخرج "ماريانا تاركوفسكايا"، التي جسدت دورها الحقيقي أما، وقد جسدت دورها في الشباب الممثلة الروسية "مارغريتا تيريخوفا"، وهكذا نصبح أمام فيلم عائلي الهوية ذاتي النشأة، يستعرض صاحبه فيه لمحات من ذكرياته.
أهداب الطفولة
يرى الطبيب النفسي "سيغموند فرويد" أن العودة الحلمية إلى أماكن الطفولة، تطمر بداخلها رغبة غير واعية في البحث عن هذا الزمن الضائع، والتشبث بما بقي من أهدابه، ومن ثم نرى البطل الطفل بداخل المنزل الريفي الخشبي، أو يلعب بين المساحات الخضراء الملحقة بالمنزل.
لا يظهر السرد إشارة واضحة المعالم، إلى أن هذه الشخصية هي "تاركوفسكي"، لكن الدلالات تشير بطريقة أو بأخرى إلى حقيقة الشخصيات، التي تبدو هويتها الدرامية كأنها غطاء شرعي يستتر وراءه.

ولتكتمل مصفوفة الإفصاح عن هذا الزمن السابق، بما ينطوي عليه من ذكرى، تكاد تحرق صاحبها، من فرط وهجها المشتعل، وحتى يكتمل الخلق الموازي للواقع، صُمم منزل خشبي، استُوحيت هيئته من سكن طفولة المخرج ذاته، ثم صُور في مدينة توشكوفو القريبة من موسكو، الغنية بالمقومات الطبيعية، المشابهة جغرافيا لمدينة زفراجيه، مسقط رأس المخرج.
بطولة الزمن
يرى الكاتب الفرنسي "مارسيل بروست" أن استعادة الذكريات تكشف عن المتواري من ذواتنا، فلا يقف الأمر على استدعاء موقف أو حادثة محددة، بل هي عملية إبداعية، تؤدي فيها الذاكرة دور المعماري، فتعيد بناء الأحداث وترميمها، بما يسمح بخلق واقع جديد لا يفنى ولا يندثر.
يقدم فيلمنا لمحات متناثرة من الذكريات، دون التزام بمعايير البناء الدرامية المألوفة، فالذكريات هنا تنساب برقة وهدوء، قد تفتقد إلى الترابط فيما بينها، لكن عند محاذاتها معا تكتمل لوحة الفسيفساء، التي تكشف كثيرا من حياة بطلنا المخرج، وعن البيئة الجغرافية المحيطة.

فالبطل الحقيقي في هذه السردية السينمائية هو الزمن، هذا الشريط الممتد، الذي يحتوي على ما يكفي ويفيض من المسارات الحياتية، ينقبض وينبسط، يسهب مفصحا أو ينكمش صامتا، وهكذا في متوالية لا تكاد تنتهي.
وعند ذكر البطل، لا بد من وجود حبكة وصراع درامي، لكن السيناريو يرمي هذه القواعد بعيدا، وكان قد اشترك في كتابته المخرج مع "ألكسندر ميشارين"، وهو ممثل وكاتب سيناريو.
يقول "تاركوفسكي": حين بدأنا العمل في "المرآة"، تعمدنا ألا نجعل الفيلم يتحقق ويكتمل قبل تصوير المادة، كان مهما لنا أن نرى كيف وتحت أي شروط وحالات، يمكن للفيلم أن يتشكل بذاته، وذلك بالاعتماد على اللقطات وعلى الاتصال بالممثلين.
"كانت امرأة مدهشة"
تدور النسبة الكبرى من مسار الأحداث حول الأم، التي يعبر عنها "تاركوفسكي" قائلا: عشنا حياة قاسية، وعندما بقيت أمي وحيدة، كان عمري 3 سنوات، وأختي لم يتجاوز عمرها عاما ونصفا، وقد ربّتنا وحدها، كانت امرأة مدهشة.
ثم نرى الأم في مشاهد عدة، وفي مواضع وأماكن مغايرة، فهي المحور والمركز، ومن حولها تلتف خيوط الحقيقة والخيال المتداخلة، ولا يعني ذلك أن موضوع الفيلم عن الأم، بل إنه ينطلق نحو الأعمق.
فالعلاقة بينهما ركن صريح من مضمون السرد، لكنه كذلك عن ذكريات الطفولة المؤرقة، ولا تكتمل تلك الإحداثيات إلا بحضور الأم، بكل ما يتضمنه وجودها من دلالات وإشارات كامنة بين السطور. وهل يلغي حضور الأم وجود صاحب الحكاية، ويستبعده من المشهد؟

تكمن إجابة هذا السؤال بين طيات بعض المشاهد المتناثرة، فقد صنع "تاركوفسكي" فيلمه هذا بعد بلوغ الأربعين، وأصبح كثير من حياته خلف ظهره، وهنا يكتمل الحضور بالغياب، فلا وجود مادي لشخصية المخرج البطل، لكن صوت الراوي الذي يعادله دراميا حاضر بقوة، وبذلك يضفي ظلالا شاعرية الملمس على أجواء الفيلم.
أن تخلق شعرا
لكل فنان سينمائي بصمته ورؤيته، التي يمكن بمنتهى اليسر إدراك ملامحها المتناثرة من فيلم لآخر، فقد أنجز "تاركوفسكي" 9 أفلام، اثنان قصيران وسبعة طوال، ولأغلبها وحدة أسلوبية لا تخطئها العين، فتبدو مختلفة لا تشبه غيرها، فالمعروف عن القصائد الشعرية، أنه يمكن تلقيها قراءة أو استماعا، لكن أن نشاهد تلك الأبيات بصيغة سينمائية، فهنا يكمن التجديد والابتكار.
وفي هذا الإطار يقول "تاركوفسكي" عن مفهوم السينما الشعرية: بالصلات الشعرية يُصعّد الشعور ويُعمق، ويصير المتفرج فعالا أكثر، فيصبح مشاركا في اكتشاف الحياة.
ولعل هذا تحديدا ما يجعل أفلامه مثيرة للتأمل، ومحفزة لكوامن الإحساس، وحين نتأمل فيلمنا نجد بعضا من سمات هذا النوع السينمائي الفريد الخالص.

كانت البداية مع شريط الصوت، فهو مكون من مقطوعات موسيقية عتيقة تناسب الأجواء العامة، والأكثر تأثيرا الحضور الطاغي لأصوات الطبيعة، كدفقات المياه الجرارة، أو صدى الرياح المصطدم بأوراق الشجر.
أما الجانب الآخر من العملية الإبداعية، الذي يقع بين حدود الصورة، فهو التنوع بين مشاهد الأبيض والأسود بظلالها الشاحبة، ولقطات الألوان الأقرب تدرجاتها إلى لوحات الفن التشكيلي، فيخلق بالمونتاج إيقاعا لا تضاهى جاذبيته.
ناهيك عن كسر القواعد النمطية في السرد الفيلمي، كما تعاني شخصياته من قلق وجودي، منبعه عدم الإحساس بالراحة والإصابة بالحيرة، وعدم التأقلم مع مفردات هذا العالم، وعند اجتماع هذه العناصر الأسلوبية في معية واحدة، يختلف ما نراه عن المعتاد المألوف.
"لقد ذابت هذه الذكريات"
تشكل الصِبغة الإنسانية الحساسة في التعامل مع كوامن النفس البشرية ملمحا ثابتا في رؤية مخرجنا، ففي الستينيات انتشرت موجات أفلام الفضاء الأمريكية، مما دفع "تاركوفسكي" إلى صنع فيلمه الأبرز "سولاريس" (Solaris) عام 1972، ليكون معادلا أكثر إنسانية لفيلم "أوديسا الفضاء" (A Space Odyssey)، للمخرج الأمريكي البريطاني "ستانلي كيوبريك" (1968).
يقول "أندريه تاركوفسكي": حين أنهيت تصوير فيلمي، تلاشت فجأة ذكريات الطفولة التي ظلت سنوات تقلقني، وتسلب مني الطمأنينة، لقد ذابت هذه الذكريات، ولم أعد أحلم بالبيت الذي عشت فيه قبل سنوات كثيرة.
وبناء على ذلك، شعر مخرجنا بعد إنجاز فيلمه بالتحرر من إرث ثقيل الوطأة، عاد خفيفا مثلما جاء، وهكذا تكون السينما الخالصة، تعيد تشكيل ذواتنا بملامح جديدة، وقدرة أوسع على قراءة العالم من حولنا.
من الجدير بالذكر أن "أندريه تاركوفسكي" قد وُلد في 4 أبريل/ نيسان 1932، ورحل في 29 ديسمبر/ كانون الأول 1986، جراء مضاعفات سرطان الرئة، وكان مخرجا وممثلا وكاتبا ومنظرا سينمائيا، وقد فاز بأكثر من 20 جائزة سينمائية عن أعماله.
