"من أصدقاء فلسطين".. قصص مناضلين أجانب حملوا البندقية في سبيل القضية

"من أصدقاء فلسطين" سلسلة وثائقية من 3 حلقات، بثّتها قناة الجزيرة الوثائقية، تسلط الضوء على سلالة من المقاتلين والمناضلين الغربيين، الذين تركوا أوطانهم، وتخلّوا عن حياة الراحة والامتيازات، ليلتحقوا بالفلسطينيين في معركتهم الطويلة من أجل الحرية.
أبطال هذه الحكايات ليسوا عربا بل غرباء، ولذلك كان خيارهم أكثر إدهاشا، وأكثر إلهاما، وقد وجدوا عبر السنين في النضال الفلسطيني تجسيدا للعدالة الإنسانية، وانتماء لأفق كوني تتجاوز فيه السياسةُ حدود الجغرافيا، ويتقدّم فيه الضمير على المصالح.

أناس من بلدان بعيدة، قاتلوا مع الفدائيين الفلسطينيين، وشاركوا في عمليات نوعية، وعايشوا حياة المخيمات وقسوة الجبهات، واختاروا أن يستشهدوا من أجل قضية لم تُولد في بلدانهم، بل في وجدانهم.
هم أبطال شجعان، لا نسمع عنهم كثيرا، دفعوا أثمانا باهظة، وظلوا في الغالب منسيين. تسعى هذه السلسلة إلى إعادة الاعتبار لهم، وإحياء أرواحهم، والتعريف بتجاربهم النادرة، التي تسجل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من زاوية غير مألوفة، وهي زاوية المقاتل الأجنبي الذي جاء ليقاتل، لا متعاطفا بل شريكا في المعركة.
في كل حلقة، نقترب من شخصية فريدة، نغوص في ماضيها، ونرصد تحوّلها من متابع للصراع إلى مناضل فدائي، ونتتبّع خطاها حتى لحظة استشهادها. من بلدانهم الأصلية إلى مخيمات لبنان، ومن ساحات القتال إلى ساحات التضحية، نعيد رسم خطّ الحياة الذي أوصلهم إلى فلسطين، وإلى الخلود في ذاكرتها.
"فرانكو فونتانا".. ابن الثورة والمخيمات
أن يتحمّس العربي للقضية الفلسطينية ويناضل من أجلها، فهذا مفهوم ومتوقع، أما أن يترك إيطالي بلده وحياة الراحة، ثم يهب عمره كله للدفاع عن أرض لا يربطه بها سوى إحساس عميق بالعدالة، فهذا ما يجعل "فرانكو فونتانا" قصة استثنائية.
وُلد في مدينة بولونيا الإيطالية عام 1946، وجاء إلى لبنان عام 1969، بعد أن تأثر بالعمليات الفدائية التي كان ينفذها الفلسطينيون، وقد انضم إلى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وقاتل في جناحها العسكري سنين عددا، حتى عام 1982، وهو تاريخ خروج منظمة التحرير من بيروت.

كان معروفا بدقّته العالية في استخدام راجمات الصواريخ "كاتيوشا"، ونُسبت إليه عمليات قصف دقيقة، استهدفت مواقع إسرائيلية انطلاقا من جنوب لبنان، وبسبب انخراطه الكامل في العمل المسلح، مُنح بطاقة هوية عسكرية باسم "جوزيف إبراهيم"، وهو الاسم الذي أصبح يُعرف به في أوساط الفدائيين.
عاش "فرانكو" سنواته الذهبية في المخيمات اللبنانية، في مار إلياس وشاتيلا، وكان واحدا من أبناء الثورة الفلسطينية لا متطوعا أجنبيا فحسب، وقد بلغ به الإخلاص حده، فباع كل ما ورثه عن أبيه في إيطاليا، وتبرّع به لدعم المخيمات الفلسطينية.
"قد أموت ولا أشهد تحرير فلسطين"
بعد عقود من الغياب، عاد "جوزيف" إلى لبنان في زيارة أخيرة عام 2015، وقال يومئذ إنه جاء "ليزور الأماكن التي ترك فيها قلبه"، لكن القدر لم يمنحه إلا 20 يوما، فأصيب بجلطة دماغية أودت بحياته.
وكان وفيا لفلسطين حتى في وفاته، فقد فاجأ أهل المخيم بوصيته التي طلب فيها أن يُدفن في فلسطين، وإن تعذر ذلك، ففي أحد مخيمات الشتات، فدُفن في مقبرة شهداء مخيم شاتيلا، بين من عاش بينهم وقاتل معهم.

وقد كتب في وصيته كلمات تليق بمحارب عاش على الأمل، ومات على الوفاء، فقال: قد أموت ولا أشهد تحرير فلسطين، لكن أبنائي أو أحفادي حتما سيرون تحريرها. حينذاك، سيدركون قيمة ما قدمته لهذه الأرض الطيبة ولهذا الشعب الصلب.
"فرانسوا هنري كاستيمان".. الممرضة المقاتلة
وُلدت "فرانسوا" بمدينة نيس الفرنسية عام 1956، ونشأت في عائلة يسارية، وانضمت للحزب الشيوعي الفرنسي، ثم جاءت إلى لبنان عام 1980 لدراسة الطب الشعبي، لكنها وجدت نفسها في قلب الكفاح الفلسطيني، وعملت ممرضة في مخيم الرشيدية، قبل أن تنضم إلى صفوف حركة فتح.

شاركت في "عملية شهداء صبرا وشاتيلا" بتاريخ 22 سبتمبر 1984، التي كانت تستهدف مدينة حيفا، لكنها استُشهدت بعد اشتباك عنيف على شاطئ نهر الأولي جنوب صيدا، ثم دُفنت بمقبرة الشهداء قرب مخيم شاتيلا، وفقا لوصيتها.
وقد تركت وراءها مذكرات ورسائل نُشرت فيما بعد في كتاب بعنوان "الموت في سبيل فلسطين"، دوّنت فيه تجربتها ومشاعرها، وتحولها من ممرضة إلى مقاتلة.
"صوتها لا يزال يتناهى إلينا من وراء الموت"
كان مما كتبت "فرانسو كاستيمان": يبدو لي أنني أتجه نحو الموت المحقق، بل إنني أعلم ذلك علم اليقين، وأطلبه.. وستكون تلك أجمل ميتة.
وكما قالت، كانت حياتها وموتها شهادة حيّة على أن الإنسانية لا جنسية لها، وأن الحق قد يجد صوته في أي ضمير حيّ.

وقد كتب الفيلسوف الفرنسي المسلم "روجيه غارودي" في مقدمة كتابها: لم يعد في مقدورها أن تلوذ بالصمت، حتى عندما وضعت الدبابات كلماتها تحت المجنزرات. إن صوتها لا يزال يتناهى إلينا من وراء الموت.
"باتريك أرغيلو".. شهيد من أجل فلسطين
وُلد "باتريك أرغيلو" في سان فرانسيسكو عام 1943، وهو من أصول نيكاراغوية، ودرس بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وقد تأثر بثورات أمريكا اللاتينية، لا سيما الثورة الكوبية، وانضم إلى جبهة التحرير الوطنية الساندينية في نيكاراغوا.
في عام 1970، شارك في محاولة اختطاف طائرة الركاب الإسرائيلية "العال 219″، مع المناضلة الفلسطينية ليلى خالد، ضمن سلسلة عمليات تبنّتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، للفت انتباه العالم إلى القضية الفلسطينية. وقد أخفقت العملية، وأُطلقت عليه النار في المواجهة، فتوفي متأثرا بجراحه.

وهو يكرم بذكراه اليوم في نيكاراغوا بطلا قوميا، وقد أُطلق اسمه على محطة للطاقة الجيوحرارية في بركان موموتومبو.
وصفته المناضلة ليلى خالد بأنه "رمز للحرية"، و"شهيد من أجل تحرير فلسطين"، ويمثل اليوم أحد أبرز رموز التضامن الأممي مع نضال الشعب الفلسطيني.
من أجل ذاكرة لا تُنسى
هذه السلسلة ليست فقط توثيقا لثلاث قصص بطولية، بل هي محاولة لإعادة الاعتبار لأرواح قاتلت وقُتلت من أجل الحرية، لا لبلادها، بل من أجل الإنسانية. هؤلاء الغرباء، لم يعودوا غرباء، بل صاروا جزءا من الرواية الفلسطينية، ومن الذاكرة، ومن التاريخ.

في زمن يغلب فيه الصمت أو التواطؤ، تذكّرنا حكاياتهم بأن الضمير الحيّ لا جنسية له، وأن الحق حين يُؤمن به الغرباء، يصبح أوضح وأقوى.