قازان مدينة الألف عام تستضيف الدورة 21 لمهرجانها السينمائي الدولي لأفلام من العالم الإسلامي

ليست مصادفة أن تحتضن مدينة قازان -ذات التاريخ الممتد أكثر من ألف عام- مهرجانا سينمائيا، يتخذ التقاء الشرق والغرب منطلقا لهوية خاصة، ففي هذه المدينة الواقعة على حدود الحضارتين الإسلامية والمسيحية، تتشابك التقاليد والثقافات، لتصبح أرضا خصبة للحوار بين الأديان والشعوب.
وقد جاء حفل افتتاح الدورة الـ21 ليؤكد هذا البعد، فتوافقت كلمات المسؤولين السياسيين والدينيين على أن المهرجان ليس مجرد تظاهرة فنية، بل منصة عالمية للحوار والتعاون الثقافي.
جسر بين الشرق والغرب
منذ انطلاقة مهرجان قازان السينمائي الدولي "ألتين منبر" (المنبر الذهبي) في عاصمة تتارستان متعددة الجنسيات، وبفضل الدعم الذي يتلقاه من جهات رسمية سياسية ودينية، رسّخ المهرجان مكانته حدثا ثقافيا مرموقا، ومنصة فريدة للتواصل، وتبادل الخبرات بين المبدعين المحليين والضيوف الأجانب.

ففي كل دورة، يقدّم المهرجان أعمالا سينمائية أصلية من شتى بلدان العالم، ويكشف أسماء جديدة وطاقات واعدة، كما يحتضن عروضا للأفلام الروائية الطويلة والقصيرة والأفلام الوثائقية، ناهيك عن الورش والندوات التي تتناول قضايا السينما وصناعتها، ولم يقتصر أثر المهرجان على بُعده الدولي، بل أصبح رافعة أساسية لتطوير السينما التتارية الحديثة في روسيا الاتحادية.
وهو فضاء يلتقي فيه المحترفون والهواة، ممن تجسّد أعمالهم قيما روحية وإنسانية ما زالت حيّة في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، كما عبّر المفتي في كلمته المنشورة في كتيب المهرجان.
أما رئيس جمهورية تتارستان فقد وصفه بأنه نموذج حيّ للروح الوطنية الجامعة، وبأن أفلامه تنطق بلغة عالمية عن القيم الأصيلة، وتلامس أعمق أوتار الروح البشرية.
"من حوار الثقافات إلى ثقافة الحوار"
بعد قراءة الكلمات وسماع الخطب في حفل الافتتاح عن هوية المهرجان ودوره الروحي والقيم التي يركز عليها، يتولد فضول للتعرف على نوعية الأفلام التي تُعرض فيه، ومعرفة إن كان ثمة اختلافات مع مهرجانات أخرى.
يخطر في الذهن فورا تقارب أفلامه مع ما يُعرض في المهرجانات الإيرانية، فلا عنف، ولا مجون، ولا عُري، ولا تمييز على أساس ديني أو وطني.

يحمل المهرجان منذ سنوات شعارا ثابتا؛ ألا وهو "من حوار الثقافات إلى ثقافة الحوار"، وقد اختير لدورة هذا العام أيضا، التي انعقدت بين 5 – 9 أيلول/ سبتمبر 2025.
وتلقت إدارته نحو 1000 طلب مشاركة من أكثر من 60 دولة، انتُقيت أفلام منها تمثل قارات العالم كافة، مع حضور لافت للأفلام العربية، مما يعكس رغبة واضحة في تعميق التعاون الثقافي مع المنطقة.
وقالت رئيسة البرمجة "نينا كوتشيلييف"، إن برنامج هذه الدورة يتمحور حول استكشاف الحدود الشخصية، سواء على مستوى الجغرافيا أو الروح البشرية، حيث تُختبر الشخصيات في ظروف استثنائية تستدعي شجاعة وقوة داخلية.
استكشاف الحدود الشخصية
يمكن الإجمال بالقول إن الموضوعات ركزت على الجانب الاجتماعي، من دون أن يعني ذلك الوقوع في التكرار. فقد جاء التنوع مع كل فيلم من الأفلام الأحد عشر المشاركة في المسابقة الرسمية.
من العدالة الاجتماعية والعُرف، إلى الصراع بين الأصالة والحداثة، وتحديات تربية الأبناء، والحريات الفردية، والفلسفة، تعرّف الجمهور على عينات واسعة تمثل مجتمعات شتى.
وقد جاء بعضها منفذا بأسلوب كلاسيكي عتيق، وبعضها الآخر بلغة بصرية مبتكرة كما في الفيلم الهندي "حكاية الدمية" (The Puppet’s Tale)، للمخرج "سومان موكوبادياي".
حضور السينما العربية
كان السينما العربية حاضرة في هذا الدورة من المهرجان، فقد عُرض منها فيلمان، أحدهما المغربي "وشم الريح"، والآخر السوري "سلمى".

فيلم "وشم الريح" هو من إخراج ليلى التريكي، ويروي حكاية صوفيا، وهي مصوّرة شابة تكتشف أن والدتها الفرنسية ما تزال حية، فتصمم على كشف أسرار عائلتها المخفية، وتنطلق في رحلة محفوفة بالخطر إلى فرنسا بحثا عنها، لتواجه ماضي العائلة المأساوي، وتجد في النهاية حب حياتها.
يستلهم الفيلم قصص المهاجرين المغاربة، متجاوزا حدود الحكاية الفردية إلى طرح أسئلة أعمق، حول الهوية والاغتراب واستحالة الانفصال عن الماضي.

الفيلم السوري "سلمى" هو من إخراج جود سعيد، ويركز على إبراز دور المرأة في قرية جبلية، بتضحياتها وكفاحها لإعالة أسرتها بعد فقدان زوجها في السجون السورية قبل 10 سنوات.
ومع كل ما لقيت من تحديات بعد أن خسرت منزلها في الزلزال، تجد نفسها أمام خيار صعب، بين التمسك بمبادئها الأخلاقية، والرضوخ لقسوة رجل أعمال فاسد.

لا يذكر الفيلم أحداثا سياسية مباشرة، ولا يخوض في تفاصيل الحرب السورية، بل يكتفي بالتلميح لقضايا الفساد والرشوة والتلاعب بالانتخابات المحلية.
وبذلك تبدو الصورة مشوشة لمن يجهل الواقع السوري، وناقصة ومبتسرة لمن يعرفه. ومع ذلك يتميز الفيلم بتصوير الطبيعة الجبلية وأجواء القرية، وأنه آخر ظهور للمخرج والممثل الراحل عبد اللطيف عبد الحميد.
آسيا الوسطى وشرق آسيا: طقوس وصراعات
فيلم "أغنية سوستكسوتين" (The Song Sustxotin)، للمخرجة الأوزبكية "خسنورا روزماتوفا" (2024)، يستكشف طقوسا قديمة، ترتبط بفكرة التضحية بالأنثى للآلهة في أوقات الجفاف.
في قرية نائية تعاني قحطا شديدا، يلجأ الأهالي إلى ممارسات طقسية متنوعة أملا في الخلاص، لكن محاولاتهم تبوء بالفشل، ويظل الألم ليس له من يسمعه أو ينقله.

في تلك الأثناء، يزور القرية رجل كان مسؤولا في الدولة، يبحث عن صديقه المتهم بكشف حقيقة اعتداء على الفتاة هاجر، الفضيحة التي يحاول الجميع طمسها والهروب من مواجهتها.
يطرح الفيلم أسئلة عميقة حول التدين، والعدالة الاجتماعية، وسلطة العرف، ودور المسؤولين ورجال الدين في تشكيل واقع الناس. ومع أنه ثري بالأغاني الشعبية والأداء المتقن، فإن الإطالة أثقلت إيقاعه وأضعفت سلاسة سرده.

الفيلم الماليزي "بافان من أجل رضيع" (Pavane for an Infant)، هو من إخراج "تشونغ كيت أون" (2024)، وتدور أحداثه في مناظر ماليزيا الطبيعية الساحرة، ويطرح أسئلة جادة حول وضع النساء اللواتي يجدن أنفسهن في ظروف صعبة، بعد حمل غير مرغوب به، في مجتمع محافظ لا يزال يرى وجود الحاضنات جريمة أخلاقية.

"حكاية الدمية" (الهند، 2024): مقتبس من رواية "مانيك بانديوبادياي" (1936)، ويقدّم معالجة فلسفية وإنسانية للصراع بين الطب والتقاليد الشعبية في الريف الهندي أيام الحرب العالمية الثانية.
يدور الفيلم حول طبيب مثالي يُجبر على البحث عن سبل للتغلب على الصور النمطية في الثقافة المحلية. وبفضل طاقمه البارع وتصويره البديع، يضاهي روائع السينما البنغالية الكلاسيكية، التي صنعها المخرجان "ساتياجيت راي"، و"مرينال سين".
يناقش الفيلم مواجهة الموت والمصائر والأقدار، في عالم لا يستطيع فيه الإنسان شق مساره كما يشق النهر مجراه. وهو يتغذى على أفكار فلسفية عدة تعكس تعقيد الحياة وعمقها.
إنها يوميات طبيب ريفي يتأرجح بين الحكمة الشعبية القديمة في معالجة الأمراض والطب الحديث، وسط نفور محلي من هذا الطبيب الشاب المنبهر بالغرب الذي "أفسده". فيلم حساس وجميل، أضر به طوله (ساعتان وبضع دقائق)، ولم يحظ -مع الأسف- بأي جائزة.
الحرب العالمية الثانية على الشاشة
تناولت ثلاثة أفلام بارزة أحداث الحرب العالمية الثانية؛ أولها الفيلم الكازاخي "الإجلاء" (Evacuation)، وهو فيلم بالأبيض والأسود، للمخرج فرحات شاريبوف (2024).
استُوحي الفيلم من مذكرات سكان لينينغراد الذين أُجلوا في الحرب، ويستعرض مآسي الهجرة والذكريات القاسية، بقصة أناس عاديين يواجهون أهوال الحرب، لكنهم يحافظون على إيمانهم بالحب. وقد نال الفيلم جائزة السيناريو.

الفيلم الثاني هو الروسي الألماني "الغابة السوداء" (The Black Forest)، الذي أخرجه "راديك كودوياروف" (2024)، وهو مُهدى إلى الشاعر التتري العظيم موسى جليل.
يستند الفيلم إلى أحداث حقيقية، تروي علاقة معقدة بين قائد ألماني وشاعر محكوم عليه بالإعدام، في أحد سجون برلين.

الفيلم الثالث من الجبل الأسود، وهو فيلم "برج القوة" (Obraz)، للمخرج "نيكولا فوكيفيتش"، وقد فاز بالجائزة الكبرى أفضل فيلم.
يستكشف الفيلم حدود الروح البشرية بالتاريخ الألباني، ويغوص في أجواء الحرب العالمية الثانية في يوغوسلافيا، ويروي قصة طفل مسيحي يتيم قُتل أبواه وأُحرقت قريته على يد وحدة فاشية، ثم وجد ملجأ في بيت رجل مسلم.
في زمن الحرب، تصبح مثل هذه الظروف مسألة حياة أو موت، مما يضع رب الأسرة أمام خيار مصيري رهيب، إما إنقاذ حياة الطفل والمخاطرة بفقدان أسرته، أو التخلي عنه حفاظا عليها.
يعكس الفيلم بلغة بصرية قوية تعقيدات النفس البشرية، وقدرة السينما على إعادة قراءة التاريخ من منظور إنساني عابر للهويات والديانات.
السينما الإيرانية تفرض حضورها
تميز الفيلم الإيراني "العين اللوزية" (چشم بادومی)، للمخرج إبراهيم أميني (2025)، فقد استأثر بعدة جوائز، منها أفضل إخراج وأفضل تمثيل نسائي (الممثلة ستايش دهقان)، وجائزة "نتباك" لأفضل فيلم آسيوي.
قدّم الفيلم معالجة سينمائية بديعة لقضية صراع الأجيال في إيران المعاصرة، بقصة فتاة مراهقة تتعشق مغنيَ بوب كوريا، وتصر على السفر إلى سيول مع معارضة أهلها. جاء العمل مفعما بالتساؤلات حول الحرية الفردية، والاختيارات الشخصية، والهوة المتسعة بين جيلين في عالم متغير.

وكان للسينما الإيرانية حضور بارز ولافت في المهرجان، فقد توّجت بعدة جوائز، أضافت إلى رصيدها إشعاعا جديدا في المحافل الدولية. فقد فاز فيلم "بلا جنسية" بجائزة أفضل فيلم روائي قصير، وهو عمل يعرّي مأساة أب أفغاني، يرزح تحت معضلة البقاء غير الشرعي في إيران، في سردية إنسانية مؤلمة، تكشف قسوة الواقع، وتضع المشاهد أمام أسئلة المصير والهوية والعدالة.
أما جائزة أفضل وثائقي، فذهبت إلى فيلم "الموسم الضائع"، الذي قدّم صورة بليغة عن حياة سكان قرية إيرانية، طحنها الجفاف وأذلتها موجات الغبار، فاتخذ معاناة الأهالي مرآة لزمن قاسٍ ينهش تفاصيل الحياة اليومية، حيث يمتزج صراع البقاء بالحنين إلى ماضٍ أكثر رحمة.
ولم يتوقف تألق السينما الإيرانية عند هذا الحد، بل تواصل بفوز فيلم "كل شيء من أجل رانا" بجائزة جديدة، ويطرح قضية إنسانية بالغة التأثير لأسرة تتشبث بخيط أمل رفيع، وهي تبحث عن قلب جديد لابنتها المريضة.
في مقاربة سينمائية عاطفية وعميقة، تناول الفيلم أسئلة كبرى حول الحب والفقد، وأخلاقيات الطب، وحدود التدخل البشري في المقدر.
