"إيدينغتون".. صراع على السلطة في مدينة الخوف والهلوسة الجماعية

تجاوزت جائحة كورونا كونها وباء صحيا، لتشكل تداعياتها لحظة مفصلية في تاريخنا المعاصر، فعرّت هشاشة العالم الحديث بكل مؤسساته، وأعادت تشكيل وعيِنا الفردي والجمعي في عاصفة من التداعيات، وجد فيها الفرد نفسه محاصرا بالصمت، بلا حركة ولا تواصل مباشر.

إنها لحظة فُقد فيها العالم القديم وتكوّن آخر، صارت الحياة مؤقتة، والبيت محبسا ناعما، والمشفى هوة عميقة ليس لها قرار. أُزيحت المفاهيم القديمة، وأضحى الالتباس سمة ضرورية، والشك أمرا جوهريا، نشك في الهواء والخبر والدولة والأمل، فقد أفرزت الجائحة ما يشبه كسوفا للواقع، حتى بات كل شيء معلقا، فلا حسم في السياسة، ولا يقين في العلم، ولا عودة للماضي كما كان.

إنها لحظة انكسار كوني، لا لأنها غيرت ما حولنا، بل لأنها كشفت هشاشة عالمنا، وامتزجت بحمضنا النووي، وأضحت تحولا كاملا في تصوراتنا عن معنى الزمن، وشكل العلاقات، ورؤيتنا لأنفسنا.

مسرح للانعزال الرمزي

يبدأ المخرج "آري آستر" فيلمه الجديد "إيدينغتون" (Eddington) الذي عُرض عام 2025، من لحظة الكسوف التي انكمشت فيها الحياة داخل الإجراءات الاحترازية، ولكنه لا يرضخ للواقع ومحاذيره، بل يخلق حدودا متخيلة لمدينة وهمية مهمشة يسميها إيدينغتون، وحدود المتخيل لا نهاية لها، ترفع عنه حمولة الأحكام المسبقة، والأنماط الواقعية الملموسة.

يختار "آستر" لمدينته موقعا نائيا، بعيدا عن صخب كل ما هو مدني، ليعيد خلق حقبة الكورونا، لكن في بقعة هامشية لم يمسها الوباء، فيلعب على فكرة الداخل والخارج.

فمجتمع الداخل يتابع ما يحدث في الخارج، لكنه لا يتأثر به مدنيا، لذلك فالمؤثرات الخارجية تتمظهر في حركات شبه عبثية، كونها داخل إطار قروي غير ملحق بالمدينة، إلا من الناحية الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي.

مأمور الشرطة "جو كروس" (الممثل خواكين فينيكس) يخضع لفحص الكورونا

ما يحدث مفارقة حقيقية، فأبناء المدينة لا ينقسمون حول المسافة الاحترازية والكمامات وحدها، وربما هي أقل مشاكلهم، بل يتفرقون أيضا حول مشاكل أكثر حساسية، لها علاقة بالعرق والهوية والاستثمار الذكي في البلدة، فينجم عن ذلك صراع على السلطة، يفتح المجال للعنف بشتى أشكاله.

سلطة مأزومة ومدينة على الحافة

يقود صراع السلطة في المدينة رجلان خاسران، أولهما رجل تقليدي هش، وهو مأمور الشرطة "جو كروس" (خواكين فينيكس)، الذي يرى إيدينغتون مدينة شريرة، دنستها مؤامرات وهمية مثل الكوفيد.

إعلان

أما الثاني فهو العمدة "تيد غارسيا" (الممثل بيدرو باسكال)، الذي يمسك بالعقل ويسير على نهج القواعد المدنية، ويؤدي دورا مفيدا بصفته واجهة للبلدة، فيضع الكمامة، ويأخذ مسافته الاحترازية، ويلتزم بالحظر.

اختلاف هذين الاثنين الجذري في التعامل مع الأشياء، خلق جوا مشحونا بالكراهية المنمقة، لا سيما مع قرار المأمور "جو" أن يترشح لمنصب العمدة، فيشعر العمدة "تيد غارسيا" بالخطر، ثم تبدأ سلسلة عبثية من المواقف تنتهي بعنف مضاعف ووحشية مفرطة، وسلسلة جديدة من الأحداث في حقبة ما بعد "تيد غارسيا".

مواجهة بين مأمور الشرطة "جو كروس" والعمدة "تيد غارسيا"

والحقيقة أن هذا الحشد الهائل للأفكار قد أضعف سردية الفيلم، فحتى لو تملكت الأدوات لقول كل الأشياء وتناول الكثير من المواضيع، فهذا لا يؤهلك لقولها جميعا في وقت واحد، مع الأخذ في الاعتبار أن نوعية الفيلم جديدة كليا ومغايرة لسينما "آستر" المعجونة بالغرائبية، لذلك خرج المنتج الإبداعي مشتتا ومرتبكا، لا ينطق بأي موضوع واضح، ولكنه يتحرك بين أفكار فوضوية.

تدور قصة الفيلم في أواخر مايو/ أيار 2020، فيفتح الستار على بلدة خيالية تدعى إيدينغتون في نيو مكسيكو، حيث بدأ الخوف من الجائحة يتسلل نحو الحياة اليومية، ولكن ليس بالثقل الكافي ليروع سكان البلدة القلائل، بل يلقي بظلاله على الممارسات الحيوية في البلدة، ويصدر قلقا يراه المأمور غير مبرر.

يزداد ذلك مع فرض العمدة "تيد" إجراءات صارمة في إطار تطبيق قواعد الصحة التي أصدرتها الحكومة، لكن يرفضها "جو" بدعوى أنها تقضي على الحريات الشخصية، وتعوق حركة الفرد وممارساته اليومية.

بيوت مشوهة وصراع مع العمدة

على الجانب الآخر، يعيش "جو" مع زوجته "لويس" (الممثلة إيما ستون)، التي تعاني من اضطراب نفسي واضح، وتحتاج وقتا لتتعافى تماما، لذا تعيش معها أمها "داون" (الممثلة ديردري أوكونيل) المهوسة بنظريات المؤامرة.

أضف إلى ذلك أن "جو" ذاته إنسان مضطرب، وهو متعلق بها تعلقا مريضا، ويحاول بكل الطرق إثبات أنه جدير بها، وقادر على حمايتها من العالم الخارجي.

وبناء عليه، يتبدى منزل المأمور "جو" حصيلة نوبة جنون جماعية، بين امرأة مريضة نفسيا، وأخرى مهوسة بالمؤامرات الكونية، وثالث لا يعترف بالوباء، بل يرى نفسه بمنزلة المخلّص الذي سينظم أحوال البلدة، ويردها إلى أيام مجدها القديمة.

الحياة الأسرية تتأزم بين "جو" وزوجته "لويس"

ومع تصاعد التوترات، ينقلب خلاف المأمور والعمدة إلى مواجهة مفتوحة في متجر محلي، حين يدافع "جو" عن عجوز منعه الأمن من دخول المتجر، لعدم وضعه كمامة، وقد أوغرت تلك المواجهة الناعمة صدر "جو"، لأنه يرى ذاته رمزا محليا لقاطني المدينة، فيعلن فجأة ترشحه في الانتخابات ضد العمدة.

ومع اشتعال الحملة، تتأزم الحياة الأسرية أكثر بين "جو" وزوجته "لويس"، ونفهم أنها كانت لها علاقة مع "تيد"، أدت إلى إجهاض غامض لا نعرف عنه شيئا. ثم تتصاعد الأمور عندما تربطها والدتها برجل غامض يدعى "فيرنون" (الممثل أوستن باتلر)، يروج لحركة شبيهة بالحركات الطائفية، ويؤسس خطابا يمينيا غريبا وعبثيا.

إعلان

وعلى الجانب الآخر، تصل احتجاجات منظمة "حياة السود مهمة" (Black Lives Matter) إلى البلدة، فتحفز الانقسامات الداخلية، ولكل جماعة منظور مختلف تجاه الأشياء، مما يفجر صراعا عقَديا في بلدة صغيرة. تلك الضآلة والمحدودية في البلدة تخلق صدى لكل موقف أو حركة، لتجعلها مرئية ظاهرة.

انفجار الأوضاع

يمثل "جو كروس" مأمور الشرطة سلطة متجذرة، لكنها أضحت مهمشة في عالم تحول إلى ألوان سلطوية ذات طبيعة مختلفة، ولكنه يجسد أزمة حقيقية في اللغة، أزمة تواصل مع الموجودات حوله، سواء على الناحية التقنية أو السياسية أو حتى الاجتماعية.

"جو" يخلع كمامته ويقف أسفل لوحة انتخابات العمدة "تيد غارسيا"

فالاضطراب الذي يلف "جو كروس" هو إسقاط حقيقي على سردية المخرج وكاتب السيناريو "آري آستر"، فهو يختزل العالم كله في عين بطله، الذي يتخلى فجأة عن هدوئه وسلبيته، ويصبح إرهابيا متطرفا، مما يُحدث نوعا من التضاد متعلقا بمهنته على مستوى جوهري، لكنه لا يرى هذا التناقض، بل يحفز طبيعة شرسة ووحشية، لأنها تخدم وهم الشر الذي يحوم في مخيلته.

وفجأة تخرج الأمور عن السيطرة رغم أنفه، فتهجره زوجته، وتظهر جماعات متطرفة في المدينة تلاحقه لتقتله، ولا نفهم طبيعة هذه الجماعات ولا محفزاتها الجوهرية، لكننا نفهم أنها جماعة يمينية متطرفة مهوسة بتفوق الرجل الأبيض، فنجد أنفسنا فجأة في حرب شرسة بأسلحة ثقيلة ومتفجرات، من غير فهم حقيقي للسياق.

هوس السيطرة وسقوط المعنى

ينطلق المخرج "آري آستر" من حقبة مجنونة، بلا معالم حقيقية، فتحاول كل جماعة ترسيخ عقيدتها ومبادئها بالتحكم في الخطاب العام، فتشوه الأحداث بالتضليل الإعلامي والرقمي، فلكل روايته للأحداث.

يصل "آستر" بعالمه الصغير إلى النقطة التي تنتهي عندها الحقيقة الجمعية، ولا تبقى إلا الأصوات الخاصة، فيدفع الفيلم للتصاعد في أكثر من جهة، ليحدث ما يشبه انتفاخا في الأحداث، ولكن لا يلبث أن ينتهي كأنه ظاهرة صوتية، كفرقعات الألعاب النارية.

ذلك لأن المخرج يتحرك بين الأحداث بلا هدف واضح، إلا التجريب داخل بلدته الصغيرة، المكونة من مجموعة من الفرق، كل فرقة مننها تؤمن بمؤامرة ما.

الشرطة تواجه جماعات متطرفة تظهر في المدينة

يحاول "آستر" تأطير كل خط سردي أو حدث داخل ظواهر وأحداث لها دلالة في الواقع الأمريكي، ولكنها لا تصبو لشيء معين أو نتيجة محتمة، فهي أشبه بصرخة أو محاولة للفت الانتباه فقط، بلا بوصلة حقيقية.

رائحة الغرب الأمريكي

يستكشف المخرج "آري آستر" نوعية جديدة داخل فيلمه، فيطعّم سرديته بسمات نوعية الغرب الأمريكي، من ناحية الجغرافيا والطبيعة الصحراوية، ذلك الفراغ المطلق التي تملأه الطبيعة، والفضاء الأسفلتي الذي يسده بمواجهات تشبه واجهات أفلام الغرب الأمريكي، حيث الصمت والأحاديث المباشرة، ثم العنف المفرط.

يؤطر المخرج فيلمه في ذلك الاتجاه، ليس للاستعراض، بل يستلهمه أداة رمزية لاستكشاف إشكاليات الحياة المعاصرة، ناهيك عن نزعته التهكمية التي تطبع كثيرا من الفيلم، ليحوله إلى دراما هجائية سوداء مرعبة، حتى ينكسر الإيقاع بين مشاهد كوميدية سوداوية وتوتر متأجج.

في النهاية، كان الأداء قويا والمونتاج ملهما، لكنه لا يقدم أي شيء سوى دوي الرصاصات وبعض الضحكات، فالفيلم يحمل بداخله كل الأدوات التي يمكن أن تخلق نموذجا سينمائيا مبهرا، ولكنه يفرّط فيها جميعا، لأنه يريد الإمساك بها جميعا.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان