رحلة في سينما الذكاء الاصطناعي: كوابيس الخيال وأحلام المستقبل

قال الطبيب النفسي "سيغموند فرويد" ذات يوم، إن خيال الشعراء الكبار قد سبق علم النفس إلى كشف سراديب اللاوعي، فنرى ذلك عند "سوفوكليس" في مأساوياته، و"ويليام شكسبير" في مسرحه، و"فيودور دوستويفسكي" في رواياته.
وكما تنبأ الأدب الباكر بما سيكشفه العلم لاحقا، فإن الخيال الأدبي والفني كان دائما مرآة استباقية، تكشف ملامح ما سيأتي. شيء شبيه بهذا حدث مع الذكاء الاصطناعي، فقد سبقت "ماري شيلي" الجميع حين خطّت روايتها الشهيرة "فرانكشتاين" (1818)، التي قدّمت عالِما يخلق نسخة مشوّهة من الإنسان.

ثم جاء المسرحي التشيكي "كارل تشابيك" عام 1920، فأدخل إلى اللغة الإنجليزية كلمة "روبوت" بمسرحيته "روبوتات روسوم العالمية". وبعد سنوات قليلة، جاء المخرج الأمريكي "فريتز لانغ" في فيلمه "متروبوليس" (Metropolis) الصادر عام 1927، فصنع صورة روبوت أنثوي هو "ماريا الكاذبة"، وهي قادرة على خداع أكثر العقول حدة وبصيرة.
لم تكن شطحات "شيلي" و"لانغ" و"تشابيك" تعبر عن ذكاء اصطناعي خالص، لكنها كانت بداية السعي نحو استكشاف الإنسان لأشكال جديدة من الذكاء بقوة التقنية.
وُلدت فكرة الذكاء الاصطناعي عام 1956، في ورشة عمل بحثية أمريكية بكلية "دارتموث" في مدينة هانوفر الأمريكية، حيث اجتمع أكاديميون لتبادل الأفكار حول "الآلات المفكرة".

ابتكر عالم الرياضيات "جون مكارثي" مصطلح "الذكاء الاصطناعي"، وبمجرد أن سُمّي هذا المجال العلمي الجديد، بدأ صانعو الأفلام يتخيلون ذكاء اصطناعيا شبيها بالإنسان.
نأخذك هنا في رحلة مع تجليات الذكاء الاصطناعي في سينما الخيال العلمي، لنتقصى معا تبدل أفكارنا ومخاوفنا تجاه تلك الكائنات المشفَّرة، منذ نهاية الخمسينيات وحتى الآن.
الستينيات.. مخاوف الحرب الباردة
ربما تحمل تحفة "أوديسا الفضاء" (A Space Odyssey)، للمخرج الأمريكي "ستانلي كوبريك" (1968)، أحد أكثر تجليات الذكاء الاصطناعي حضورا في المخيلة الجمعية، وكان أشبه بحكاية تحذيرية مبكرة من هذا النوع من الذكاء.
ففي قلب هذا الفيلم، نرى الحاسوب "هال 9000″، وهو حاسوب ذكاء اصطناعي لا يعرف سوى الغموض والتمرد، مُثبّت على متن مركبة فضائية قادرة على السفر بين النجوم.

عُرض الفيلم قبل هبوط الإنسان على القمر بأقل من عام. ومع ذلك، حتى في ظل هذا التفاؤل بعصر جديد من السفر الفضائي، بدا تصوير الحاسوب "هال" كأنه تحذير من الذكاء الاصطناعي، بغموض دوافعه وقدرته على الانقلاب على طاقمه البشري.
كان "هال" مراقبا ومسيطرا ومتآمرا، ولا يمكن التصدي له، وقد تجسّد بصريا في تلك العين الحمراء الوحيدة التي أوحت بصورة غول أسطوري، ذلك العملاق ذو العين الواحدة، كأنه قادم من ملحمة "الأوديسة" للشاعر الإغريقي "هوميروس"، لكن بنكهة مستقبلية.
دائما ما تعكس سينما الخيال العلمي سياقات زمانها ومخاوفها، ويعكس فيلم "كوبريك" جنون الشك تلك الأيام، في ذروة الحرب الباردة وسباق الفضاء بين أمريكا وروسيا.

وقبل "أوديسا الفضاء" بعامين فقط، قدّم "جان لوك غودار" فيلمه "مدينة ألفا" (Alphaville)، وعُرض عام 1965، ونرى فيه آلة خارقة تُدعى "ألفا 60″، تتحكم بمدينة مستقبلية كاملة وسكّانها.
يجد بطل الفيلم نفسه في مواجهة عالِم فاشي يُدعى البروفسيور "فون براون"، وهو العقل المدبّر والمهندس الذي كان وراء بناء المدينة. كان الفيلم على طريقته تحذيرا آخر من استبداد الذكاء الاصطناعي، حين يصبح سلطة طاغية.
السبعينيات.. كوابيس آلية بملامح بشرية
إذا كان لظهور الذكاء الاصطناعي في سينما السبعينيات ملمح بارز، فهو أنه اكتسب مظهرا بشريا، وكأن الكوابيس باتت قادرة على التخفي في هيئة صديقة، فلم تعد الحواسيب الذكية والروبوتات حبيسة المختبرات.
ففي عام 1973، قدّم "مايكل كريشتون" فيلمه "ويست وورلد" (West World)، وهو فيلم إثارة تدور أحداثه في مدينة ملاهٍ تسكنها الروبوتات، وقد بدت هذه الروبوتات أول مرة أقرب إلى هيئة البشر، ومع ذلك كان يمكن تمييزها من النظر إلى أيديها، التي ظلت اصطناعية ومفصلية بصورة غير متقنة.

ويُعد فيلم "فضائي" (Alien) للمخرج "ريدلي سكوت" (1979) علامة فارقة، لأنه قدّم ذكاء اصطناعيا قادرا على التخفي المثالي في هيئة إنسان. وقد جسّد الممثل "إيان هولمز" شخصية "آش"، ذلك الكائن الاصطناعي المتقن التنكر في صورة آدمية، بابتسامة لطيفة، وعينين باردتين تنضحان بالبرود والغموض.
ومع هذا الفيلم برز أيضا ما يُعرف بثورة الآلة، فطوّرت مجموعة من الروبوتات في منتجع سياحي فاخر، لتكتسب ذكاء عاما تلقائيا، ثم إنها انقلبت على مُضطهديها من البشر، وقد استمر ذلك النمط في الظهور خلال أفلام الثمانينيات والتسعينيات، ثم امتد ليصبح سمة بارزة في القرن الحادي والعشرين.
الثمانينيات والتسعينيات.. كابوس التقنية والآلات
"ثلاثة مليارات إنسان لقوا حتفهم في 29 أغسطس/ آب 1997، والناجون من الحرب النووية دعَوْه يوم الحساب، وعاشوا فقط ليواجهوا كابوسا من نوع جديد، ألا وهو الحرب ضد الآلات".
نسمع هذا التعليق الصوتي من خارج الإطار على خلفية فناء جديد؛ مشهد الخراب مغمور بالظلام وبلون أزرق بارد، ونشاهد قدما معدنية لإنسان آلي تسحق كومة من الجماجم. هكذا يفتتح "جيمس كاميرون" فيلمه "المبيد 2: يوم الحساب" (Terminator 2: Judgment Day)، الصادر عام 1991، وهو جزء ثانٍ من فيلمه الأول الصادر عام 1984.

من أهم مزايا ثنائية "كاميرون"، التي تُعد بلا شك من أفضل أفلام الحركة والخيال العلمي، أنها وثّقت هذا الانتقال من كابوس الحرب النووية إلى كابوس التقنية والآلات المتمرّدة على خالقها.
فمع أن شبح الحرب النووية صار أقل إلحاحا بعد الحرب الباردة، فإنه أصبح في الفيلم فناء مزدوجا؛ أولهما كارثة نووية يطلقها ذكاء اصطناعي يُدعى "سكاي نت"، ليقضي على معظم الحياة على سطح الأرض، ثم حرب ضارية تخوضها الآلات للقضاء على ما بقي من البشر.
كانت هذه التحفة حكاية تحذيرية عن مستقبل مظلم ينتظر الإنسان، مع اعتماده المتزايد على التقنية، وانفلات سيطرته على الذكاء الاصطناعي، في ظل النزعة التدميرية المتأصلة فيه. ومع ذلك، ينتهي الفيلم بنغمة متفائلة، فيترك الباب مفتوحا أمام إمكانية النجاة، ما دام "المستقبل لم يُكتب بعد".
هواجس الثمانينيات.. الحاسوب يدخل الحياة اليومية
يعكس تصوير الذكاء الاصطناعي في الفيلم القلقَ المتنامي إزاء التطور التقني السريع في الثمانينيات، حين أصبحت الحواسيب أكثر اندماجا في الحياة اليومية، مما أثار المخاوف بشأن قوتها واستقلاليتها.
وصوّرت أفلام أخرى مستقبلا بئيسا، يتمرّد فيه الذكاء الاصطناعي على مُبتكريه، مثيرة تساؤلات عميقة حول الاستقلالية، وعواقب التقدّم التقني غير المقيَّد، فمن تلك الأفلام:
- "صائد المستنسخين" (Blade Runner)، للمخرج "ريدلي سكوت" (1982).
- "المصفوفة" (The Matrix)، للمخرجتين الأختين "لانا" و"آندي واتشوسكي" (1999).
وقد عُرض الجزء الأول من سلسلة "المصفوفة" عام 1999، عند منعطف قرن جديد، فشكّل نقطة حاسمة في مشهد تطور الذكاء الاصطناعي في السينما وفي الواقع.

يتجلّى الواقع في "المصفوفة" محاكاة شاملة تُنشئها الذكاءات الاصطناعية، في حين تُحفظ الأجساد البشرية في حقول هائلة، داخل أحواض ممتدة، لتوفير الطاقة للعقل الآلي المسيطر على العالم.
وكما في ثنائية "المبيد"، يمنح البشر الذكاء الاصطناعي استقلالية مفرطة، فيتطور ذاتيا ويحاول السيطرة على العالم. في "المصفوفة"، يمكن لأي أحد أن يكون "عميلا" متنكّرا، فهم يشبهون نموذج "تي 1000" في "المبيد 2″، ويستطيعون اتخاذ هيئة أي إنسان.
تتناغم هذه السمة مع صورة الذكاء الاصطناعي المخادع المتكررة في السينما؛ كائنات آلية تتظاهر بأنها بشر، وهي سمة عرفتها السينما منذ فيلم "متروبوليس".
وقد قدّم "المصفوفة" العوالم الرقمية في أبهى صورها، فمن ذلك الأرقام الخضراء المتساقطة على خلفية سوداء، التي أصبحت صورة أيقونية للفضاء الإلكتروني، ورمزا عالميا للواقع الافتراضي.
ما بعد الألفية.. لكل سحابة قاتمة جانب مشرق
يغلب على تاريخ أفلام الذكاء الاصطناعي رُهاب التقنية إلى حدٍّ كبير، فطالما عبّرت سينما الخيال العلمي عن خوف مرَضي من فقدان هويتنا البشرية، وحريتنا، ومشاعرنا، وقيمنا، وحياتنا، في خدمة الآلات.
وبعيدا عن ذلك التيار السائد الذي لا يرى سوى الجانب المهدِّد والمخيف، فقد شهدت سينما الخيال العلمي في الألفية الجديدة انفراجة متفائلة تجاه الذكاء الاصطناعي.
فقد بدأنا نشاهد أفلاما تتناول الجوانب المشرقة من تقنيات الذكاء الاصطناعي، فمنها:
- "هي" (Her)، للمخرج "سبايك جونز" (2013).
- "تاو" (Tau)، للمخرج "فيديريكو داليساندرو" (2018).
- "الرجل الحر" (Free Guy)، للمخرج "شون ليفي" (2021).
"هي".. حب يتجاوز حدود الإنسان
تدور أحداث فيلم "هي" في مستقبل قريب، فنرى العالم محاطا بعزلة ووحدة عميقتين، ويلجأ "ثيودور" (الممثل خواكين فينيكس) إلى نظام الذكاء الاصطناعي المُحسَّن "سامانثا" (بصوت الممثلة سكارليت جوهانسون)، لكي يواجه الاضطراب العاطفي الناجم عن طلاقه الوشيك من زوجته، وسرعان ما تصبح "سامانثا" رفيقه الوحيد.

تُثبت "سامانثا" فائدتها، فهي تقرأ رسائله الإلكترونية، وترد على مراسلاته، وتنظّم ملفات حاسوبه، كما أن لها شخصية مميزة، تجيد النكات والضحك، وتُحسن التواصل مع "ثيودور" على مستوى إنساني عميق.
وشيئا فشيئا يقع في حبها، لكن العلاقة تخفق في النهاية لأسباب تتعلق بطبيعة العلاقات العاطفية عموما، وأخرى تعود إلى طبيعة وعي كائنات الذكاء الاصطناعي، وإيقاع تطورها المتسارع.

ومع ذلك، فإن الفيلم يمنح الذكاء الاصطناعي قدرة على تعزيز المشاعر الإنسانية والتواصل العاطفي الأصيل، وعندما تغادر "سامانثا" في النهاية مع مساعدي الذكاء الاصطناعي الآخرين، يتمكن "ثيودور" من مواجهة طلاقه بقبول وحب حقيقيين.
"تاو".. صداقة من قلب الأسر
في فيلم "تاو" (Tau)، تُختطف "جوليا" (الممثلة مايكا مونرو) في وقت مبكر من الفيلم، وبعد محاولة هروب فاشلة، يقتل روبوت عملاق زملاءها الأسرى بوحشية، فتجد نفسها موضوع الاختبار الوحيد للعبقري الشرير "أليكس" (الممثل إد سكرين)، فيُجري عليها اختبارات نفسية وعصبية مكثفة، بمساعدة ذكاء اصطناعي يُدعى "تاو" (صوت الممثل غاري أولدمان)، وهو صوت غير مُجسَّد تمضي معه معظم يومها.

ومع تقدم الأحداث، تكتشف "جوليا" دفء هذا الكائن وبراءته، فيصبح صديقا حقيقيا، تُعلّمه الحسّ الأخلاقي وحب الموسيقى، وتنشأ بينهما علاقة عميقة وحميمة.
يكشف الفيلم أن أساليب البشر الشريرة يمكن أن تجعل إبداعاتهم نماذج مخيفة من الذكاء الاصطناعي الجامح، في حين تثمر الرعاية والحب أشكالا أكثر إنسانية منه.

"الرجل الحر".. هوية ووعي في عالم افتراضي
يستكشف فيلم "الرجل الحر" موضوعات الهوية والوعي وطبيعة الواقع من منظور الذكاء الاصطناعي، ويحثّ المشاهدين على التفكير في الآثار الأخلاقية لخلق كائنات واعية، والحقوق والحريات التي ينبغي أن تُمنح لها.
كما يقدّم رؤى عميقة عن علاقة المجتمع بالتقنية والتجربة الإنسانية، مشجعا المشاهدين على التأمل في قيمهم وتطلعاتهم وسط مشهد تقني دائم التطور والتسارع.
