عاملات الطابوق .. معاناة صامتة وأحلام صغيرة تنتظر الرحمة

تجربة فريدة، مليئة بالأشواك والمعوقات، مفعمة بالألم والغصة، لكنها معزّزة بالتحدي والصبر والمثابرة، اقتحمت فيها المخرجة العراقية إيمان خضير مساكنَ العاملات في معامل الطابوق، فسجّلت معاناتهنّ وآلامهن، ووقفت على آمالهن وأحلامهنّ الصغيرة، وتحدثت عن التحديات والاعتداءات التي يلقينها.

ومن خلال مبادرة "الجزيرة الوثائقية للجميع"، أخرجت إيمان هذا الفيلم المهم، الذي عرضته الجزيرة الوثائقية على شاشتها ومنصاتها تحت عنوان "عاملات الطابوق".

معامل الطابوق.. ملاذ الهاربين من جحيم الجفاف

في ليلة من ليالي يوليو/ تموز اللاهب، حيث الحرارة في النهار تبلغ 55-60 درجة مئوية، شددنا الرحال إلى منطقة النهروان، على بعد 60 كيلومتر شرق بغداد. من بعيد بدت لنا مداخن مرتفعة في السماء، يتصاعد منها الدخان الأسود، حيث تتجمع معامل الطابوق أو طوب البناء، ويبلغ عددها في تلك المنطقة 250-300 معمل.

عند دخولنا منطقة المعامل فوجئنا بتجمعات بشرية كثيفة قرب كل معمل، في مساكن متهالكة هي أشبه بالحظائر، وسط بيئة ملوّثة بالمياه القذرة والمخلفات، إنها عوائل قادمة من شتى مناطق العراق، جاؤوا للعمل في معامل الطابوق.

في النهروان أكثر من 250 معملا للطابوق

تركوا بلداتهم وقراهم بسبب نقص الماء والجفاف الذي ضرب أراضيهم الزراعية، أو بسبب الحروب المتعاقبة، التي دفعت ثمنها المرأة العراقية بسبب فَقْد مُعيلها من الرجال، حتى بلغت معدلات الفقر 30%.

عاملات الطابوق.. القابضات على الجمر لكسب لقمة العيش

في بداية جولتنا التقينا أم سجّاد، وهي عاملة طابوق تبلغ من العمر 27 عاما، متزوجة منذ 12 عاما، وتسكن وزوجَها وأطفالها في حيّز من الطوب المكدّس فوق بعضه بلا مِلاط، تعلوه ألواح الصفيح التي لا تردّ حَرّا ولا تمنع قَرّا.

النساء يقمن بنقل وتنظيف وترتيب الطابوق تمهيدا لبيعه

تعمل أم سجّاد وزوجها ومن استطاع من أطفالها، لكسب لقمة عيشهم، فيبدأ عملها من الساعة 11 صباحا وحتى 5 مساء، وهي مدة استراحة العمّال الرئيسيين، وتكون بين وجبَتَي الطابوق الذي يشوى في الفرن صباحا وليلا، ووظيفتها تنظيف الفرن والمكان حوله من الطوب المكسَّر وغير الصالح للبيع، وإبعاد هذه المخلفات من منطقة العمل على ظهور الحمير.

إعلان

ثم تعود إلى السكن وتنظف أبناءها، وتطبخ لهم طعام العشاء وتعدّ لهم الفراش ليناموا، وتغسل الآنية والملابس قبل أن تأوي إلى فراشها البالي الرقيق. وفي الصباح تحضر لهم الإفطار وتتوجه إلى العمل، وبين هذا وذاك تخبز مرتين في اليوم، واحدة لطعام الغداء، وأخرى للعشاء والفطور القادم.

أم سجّاد، بعد العودة من العمل أقوم بكل أشغال المنزل

تقول أم سجّاد: نأكل اللحم مرة واحدة في الأسبوع، فيجلب لنا زوجي كل خميس لحما أو دجاجا أو سمكا، ونشتري الملابس لأنفسنا وللأولاد في المناسبات والأعياد، وتأتينا المياه بالصهاريج، يجلبها لنا صاحب المعمل في الصيف، ونحن ندفع تكاليفها في الشتاء.

وهذه أم كاظم (75 عاما)، أمّية فلّاحة، تعمل وحدها ويساعدها ابنها أحيانا، أما بناتها فكل واحدة مشغولة بزوجها وأبنائها. وتلك بدور جبّار، القادمة من محافظة الديوانية للعمل، وهي وأخواتها الخمس يكسبن قوتهنّ من العمل في الطابوق، وهي هنا منذ 15 عاما، ولن تبرح هذا المكان الذي فيه رزقها.

مياه غير صالحة وبيئة ملوثة

يُجمِع العاملون هنا -ومنهم أبو حمزة العياشي مراقب العمّال- أن الماء الذي يجلبه أصحاب العمل ملوث، وغير صالح للشرب أو النظافة، ويصيب العاملين وذويهم بالحساسية والأمراض الجلدية.

وتقول العاملة رِكاب حسين إن الماء ليس نظيفا، وتكثر فيه الديدان والحشرات، والبيئة هنا عموما ليست صحية، فالأتربة والغبار والحرارة ودخان المعامل الأسود، تجعل البيئة ملوثة وغير صالحة للعيش. ويقول السائق غانم شمخي إن رب العمل يكيل بمكيالين، فيجلب لنفسه ماء نظيفا مختلفا عن المياه التي يجلبها للعمّال.

خزّانات المياه الملوثة

أما أماكن السكن فأشبه بالزرائب المتهالكة أو السجون المفتوحة، لا تقي من حرّ ولا برد، ولا تتجاوز مساحة بعضها 4 أمتار مربعة، وسكانها يفترشون الأرض، وتسترهم خرقة بالية تغطي باب الغرفة.

وتضطر أم سجّاد -ومثلها باقي العاملات- لأخذ أطفالها معها إلى مكان العمل، فما من أحد يعتني بهم، وهي تخاف عليهم حوادث السيارات والسقوط في الآبار.

عمل شاقّ وأجور متواضعة

تقول صبحة علي إن العمل متعب جدا، وهي تعمل هنا وزوجها وحماها وزوجته، ويتقاضون جميعا ما يعادل 350 دولارا في الأسبوع. أما ركاب حسين فتتقاضى 120 دولارا أسبوعيا، تقسمها بين مصاريف البيت وأجور الأطباء والعلاج. وتقضي سعدية علي يومها ألما وبكاء من هذا العمل الشاق، ثم تكسب في آخر الأسبوع 60 دولارا.

ويفوق عدد العاملات الإناث الذكورَ في هذه المعامل، وأكثرهن من المناطق الجنوبية والوسطى في العراق، وهنّ غير متعلمات، ولا يجدن من يعولهن، فيلجأن للعمل في مثل هذه الأعمال الشاقة.

حنان غانم، لو ذهبت للطبيب لخفّت معاناتي، ولكن والدي لا يقدر

وعن طبيعة العمل يقول أبو حمزة العياشي: يبدأ العمل الساعة 4 فجرا، فأوزع العاملات على أماكن عملهن، ونستمر حتى 11 قبل الظهر، ثم نستريح استراحة طويلة، ونستأنف العمل من 4 عصرا إلى 10 ليلا، ولدينا اتفاق مع صاحب العمل، أنه إذا تعطلت الآلات عن العمل مدة ساعة، فنصفٌ عليه ونصفٌ على العاملات.

ثم يتحدث عن تفوق النساء قائلا: يتقاضى الرجال والنساء على حد سواء ما يعادل 60 دولارا في الأسبوع، لكن المرأة مخلصة في عملها وتتحمل أكثر من الرجال، وتتقن عملها، وتعي مسؤوليات عائلتها الملقاة عليها، ولا تكاد تجد ملاحظات على عملها، أما الشباب يأتون متأخرين ويراوغون ويتفلتون في أوقات الدوام الرسمي ولا يتقنون عملهم.

بيئة جالبة للأمراض ولا علاج فيها

تقول أم سجاد: جئت إلى المعمل ومعي رضيع عمره 40 يوما، أصيب بحساسية ربو، وكان لا ينفك يصيبه الاختناق، فبقيت أعالجه من حر مالي 7 سنوات، وقد بلغ اليوم 8 سنوات، وحالته في تحسن، وأصبح يساعدني في العمل.

إعلان

ويقول غانم: كانت ابنتي حنان جيدة الصحة عندما جئنا للعمل، أما الآن فتعاني من مرض السكّر، وبها تلف بالأمعاء والنظر والأعصاب، لم أترك طبيبا إلا وأخذتها إليه، وقد صرفت عليها ما يعادل 1600 دولار بلا نتيجة، صدقوني لا أملك سوى هذا القميص الذي أرتديه.

مساكن هي أشبه بالحظائر

تشكو حنان من أنها لا تستطيع المشي، وإذا وقفت تصاب بالدوار وتسقط أرضا، ولا تستطيع الرؤية بوضوح. أما أخوها أحمد فمصاب بمرض التيفوئيد، ويشعر بالتعب الشديد عند العمل، وقد اشتغل زمنا ثم ترك العمل. ويقول الوالدان إن كل هذا حدث بسبب التلوث، وإنهما لا يملكان مالا كافيا للعلاج.

وتقول صبحة علي إن تكاليف علاج ابنها وحماتها تبلغ نحو 230 دولارا، ولا يبقى لها سوى 80 دولارا، فماذا ستكفي؟ ناهيك عن أهلها الذين ينتظرون مساعدتها. وعاملة أخرى مصابة بالربو، وثالثة مصابة بحصى الكلى وأمراض القلب، ونصحها الطبيب بترك العمل، ولكن من سيعولها وعائلتها؟

وهذه بدور جبار تعاني أمراضا عدة، وتتقيأ باستمرار بسبب الحمل، وتقول: نصحني الطبيب بترك العمل، لكنني مضطرة للعمل رغم أنفي، لأعول نفسي وأطفالي.

ركاب حسين، الأجور بالكاد تكفي مصاريفنا وأجور الطبابة

وقد ذكر لنا أبو حمزة العياشي أن بالنهروان مستوصفا طبيا، لكنه مهجور مهمل منذ 2003، وكان فيه طبيب واحد وسيارة، وفي النهاية أُغلق تماما، وتضطر النساء للذهاب إلى مناطق أخرى، ودفع تكاليف الطبابة والعلاج بمالهنّ.

يقول محمد العلي -وهو صاحب معمل طابوق- إن استخدام النفط الأسود في معامل الطابوق ضارّ بالبيئة والإنسان، ويرجو من الدولة تطوير تقنيات أخرى للوقود، وأن تسمح لهم باستخدام الغاز، الذي هو أقل ضررا على البيئة وخطرا على البشر.

أبو حمزة العياشي، تعاني النهروان من سوء الخدمات الصحية

ويرى عارف رزّاق -وهو مدير معمل طابوق- أن النفط الأسود متوفر وأكثر نجاحا في الإنتاج، ويقول: جربنا الغاز ولم تنجح تجاربنا، وليس متوفرا مثل النفط، واضطررنا لشرائه من السوق السوداء بأسعار باهظة. ننتج في اليوم الواحد 48 ألف طابوقة، ونحو 350 ألفا بالأسبوع، و1.4 مليون بالشهر.

أطفال بعمر الزهور لا يذهبون إلى المدارس

يشارك أطفال صغار من الجنسين والديهم بالعمل في هذه المعامل، بعضهم لم يبلغ 10 سنوات، وهم لا يقرؤون ولا يكتبون ولم يذهبوا للمدارس، وتقع مسؤوليتهم على عاتق الدولة والشيوخ أصحاب العمل، وقد كانت النيّة متجهةً لبناء مدرسة على بعد كيلومتر واحد من المعامل.

أطفال لا يذهبون إلى المدارس

لكنهم لسبب ما أنشؤوها على بعد 8 كيلومترات، وطريقها ترابية غير ممهدة، وتهددها قناطر المياه والحيوانات الضالة، فلا يجرؤ الأهالي على إرسال أولادهم إليها مشيا على الأقدام، إلا بعض من يملكون سيارات منهم.

تقول بدور: كنت أتمنى الذهاب إلى المدرسة، لكن ظروف الحياة القاسية في المعامل حرمتني من التعليم.

وهذا حيدر عمره 10 سنوات، ترك المدرسة من الصف الثالث الابتدائي لمساعدة والدته في معامل الطابوق، وهو يعمل من الساعة 1 ليلا حتى 7 صباحا، لقاء 3 دولارات يوميا.

رحلة سينمائية في عالم لا يبلغه الضوء

تلقى النساء في معامل الطابوق مضايقات تبلغ حد الاعتداء على الشرف، وتأتي من الشباب العاطلين عن العمل، والعُزّاب المتسكعين حول المعامل، ويحاول أصحاب المعامل تدارك الموقف، فيطردون كل شاب يقترف هذه الأعمال، بل قد تصل الأمور إلى حدّ تدخل العشائر، للبت في هذه القضايا.

خطوط إنتاج الطابوق

كانت تجربة قاسية عاشتها المخرجة إيمان خضير، في تسليط الضوء على هذه الفئات المهمّشة من الناس، الذين تطحنهم تروس الحياة القاسية ولا يشعر بهم أحد، وقد استطاعت -بجهد المُقلّ- أن تُظهِر معاناة هؤلاء النسوة إلى العلن.

ترك المدرسة من الصف الثالث الابتدائي لمساعدة والدته في معامل الطابوق، وهو يعمل من الساعة 1 ليلا حتى 7 صباحا، لقاء 3 دولارات يوميا.

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان