"أسطورة ملكة لاغوس المتشردة".. سينما أفريقية فقيرة تحمل قيما نبيلة

أكواخ خشب وأعشاش صفيح بائسة تطفو فوق المياه، يقطنها مواطنون نيجيريون، في ظروف معيشية لا تليق ببشر. تلك مفردات المشهد العام الافتتاحي بفيلم "أسطورة ملكة لاغوس المتشردة" (The Legend of Vagabond Queen of Lagos)، وقد صُوِّر من علو، وبه يراد سينمائيا أخذ المُشاهد إلى المستوطنات العشوائية، المقامة في أجزاء من الواجهة البحرية بمدينة لاغوس النيجيرية.

اختيار مقصود يأتي في سياق النص السينمائي الواقعي، الذي كتبه مخرجون سينمائيون من "جماعة أغباجوو النيجرية"، المكونة من "إليا اتينكبو"، و"تيميتوب أوغونغباميلا"، و"تينا أدكبو"، و"أوكشوكو صومائيل"، و"بيسولا أكينمويوا"، و"ماثيو كيرف"، و"جيمس تايلر".

جاوو، المرأة الشجاعة موحدة النضال ضد الفساد

تسعى هذه الجماعة لاتخاذ فن السينما وسيلة لعرض الظلم والحيف، الذي يصيب سكان المستوطنات العشوائية العائمة في نيجيريا.

وهذا عملهم الروائي الطويل الأول، وهو معني بتحقيق توجهاتهم بنقل المشهد الحاصل في الواقع، عبر فيلم درامي موجه أساسا إلى قطاع واسع من الجمهور، ليتكامل مضمونه مع أفلام وثائقية أنجزوها حول نفس الموضوع.

سرد أحداث الواقع في مشهد روائي

يظهر في تفاصيل المنجز الروائي حس وثائقي جلي، فهو منقول عن أحداث واقعية بدأت عام 2008 في مستوطنة "موتودو غابامي" بمدينة لاغوس، ثم تصاعدت وأصبحت مواجهة واسعة بين سكانها وبين رجال السلطة الفاسدين، الذين عملوا كل ما في وسعهم لطرد الفقراء من أكواخهم، لإقامة مشاريع سياحية تدر عليهم أرباحا هائلة.

الأم المضحية في سبيل ولدها

في مقدمة المقاومين لمشاريع الفساد امرأة وحيدة تدعى "جاوو" (الممثلة تيمي آمي ويليامز)، وهي تكسب لقمة عيشها من بيع الأطعمة الشعبية في سوق قريبة من الكوخ الخشبي المهترئ، الذي تعيش فيه مع طفلها "دانييل" (الممثل لكاشي أوكاشوكو)، وتحلم بالانتقال منه إلى مكان أحسن وأنظف، بما تدخر من مال قليل.

إعلان

تنقل الكاميرا في تنقلاتها من السوق إلى الكوخ صور إعلانات كبيرة لسياسيين يروّجون لحملاتهم الانتخابية، وتسمع أيضا من المذياع أخبارا مقلقة عن نية محافظ لاغوس (الممثل ديبو أديدايو) هدم العشوائيات العائمة، وإقامة مشاريع سياحية وسكنية على أنقاضها.

أبعاد أسطورية تزخرف ثنايا القصة

يحرص مخرجو الجماعة في كتابة منجزهم الروائي الأول على تضمينه أبعادا تراثية وأساطير من الموروث الثقافي النيجيري الأفريقي، فمن ذلك الوشم المنقوش على ظهر "جاوو"، ويرمز إلى المحاربين الأشداء، المدافعين عن قبائلهم بشجاعة، ويشير إلى كونها واحدة منهم، وأنها تنتمي إلى فئة الملكات المحاربات.

ملصق الفيلم

لم تولِ المرأة الشابة اهتماما كبيرا بالوشم، فمشاغل حياتها كثيرة، وهاجسها الأول الاعتناء بولدها الوحيد وضمان مستقبله. ويظهر بجانب الوشم طائر من الجوارح، يحوم دائما بالقرب منها، يطير فوق رأسها وكأنه يرشدها إلى الطرق التي عليها السير فوقها.

يضفي البعد الأسطوري جمالا على النص السينمائي، ويقرب حكايته إلى جذورها الأفريقية وموروثاتها الثقافية، التي تظهر في أحاديث الباعة وسكان الأكواخ من الدهماء.

حملات طرد وتهجير جائرة.. حلف الشرطة والساسة

يدهم رجال الشرطة المتواطئون مع الساسة الفاسدين سكان العشوائيات، فنراهم يقتحمون عربات الباعة في الأسواق الشعبية، ويعتقلون أصحابها، بحجة التجاوز على الملكيات العامة، ويحققون مع أصحابها كأنهم مجرمون، ويخيّرونهم بين دفع إتاوة كبيرة، أو التوقيع على الإقرار بجرمهم المزعوم، وعدم تكراره مستقبلا.

خرائب مستوطنات الفقراء مهددة بالزوال بالقوة

طُردت "جاوو" من مكان عملها في السوق الشعبي، واعتُقلت زمنا في السجن، فأثار ذلك حزنا وغضبا في نفسها. وفي طريقها من السجن إلى الكوخ ليلا، ترى الطير يحوم فوق رأسها، ويرشدها إلى زاوية مظلمة من الطريق، فترى رجلا يحفر حفرة في الأرض، ويضع حقيبة مليئة بالدولارات.

ثم تسمعه يهاتف أحد أعوان المسؤول الكبير في المدينة، من غير معرفة بهويته. وبسبب إحباطها، تعود بعد مدة إلى المكان لأخذ الحقيبة.

لعوب المدينة التي ربطت أرجاء الحكاية

حين تأخذ "جاوو" الحقيبة وتخفيها في بيتها، يتصاعد السرد الدرامي، فيصبح أكثر قربا إلى أفلام الإثارة والتشويق. وللانتقام من أصحابها تقرر "جاوو" صرف بعض دولارات في الحقيبة.

فتذهب إلى المدينة لشراء ثياب جدد، وتلتقي فيها "هبينز" (الممثلة تينيولا ألاديس)، وهي امرأة لعوب تخدعها وتدفعها للذهاب معها إلى مكان مشبوه، يزوره كبار مسؤولي الحكومة ورجال عصاباتهم، الذين يعملون مع رجال الشرطة، لإنجاز ما يطلبه منهم أولياء نعمتهم.

حقيبة مليئة بالدولارات تعثر عليها "جاوو"

ظهور المرأة اللعوب يفيد دراميا في الربط بين "جاوو" وبين السياسي الحاكم، بخيط يشتد توترا عندما يتضح أن ما في الحقيبة من أموال يعود إليه، وأنه يريد أن يجعل دفعها جزءا من تكلفة بناء المشروع السياحي والسكني في جانب من واجهة لاغوس البحرية، ولا يكون ذلك إلا بطرد سكانها الفقراء، ودفع رشاوي من الأموال التي يسرقها لحكام متنفذين في الدولة.

وحين يعلم باختفاء الحقيبة، يدفعه ذلك لتكليف رجاله بالبحث عنها في كل مكان، لأن فقدانها يعني فشل خططه ومشاريعه برمتها.

عودة للرشد بعد طول إحباط

رافقت حملات طرد سكان العشوائيات حملة لمعرفة آخذ الحقيبة، وقد تصاعد جنون البحث، وأوذي الأبرياء، وكان الطفل "دانييل" من ضحاياها، فقد تلقى ضربة شديدة من هراوة شرطي سقط إثرها صريعا، وتحسب الأم أن ابنها -الذي سحبته العصابات ومنعتها من الاقتراب منه- قد مات.

إعلان

يتشعب النص السينمائي عند هذه النقطة، ويذهب ليوسع مشهد سكان المدينة العام، ويزِيد جرعات الدراما فيه. وبسبب ضياع ولدها تقرر "جاوو" الانتحار، فترمي بنفسها والحقيبة في أعماق البحر، فينقذها صدفة رجل من أرياف لاغوس، ويعتني بها.

ثم يحدثها عن الوشم المنقوش على ظهرها، ويكلفها بترجمته إلى واقع يرفض الظلم والاستسلام، كما كان المقاتلون الأشداء يفعلون في قبيلتها.

النساء في مقدمة المواجهين ضد هدم بيوتهن

وبعد طول إحباط ويأس تعود إلى رشدها، فشارك السكان مطالبهم بإيقاف التهجير، ويرافقها في هذا الطريق الصعب منقذها الرجل الطيب الشجاع "ميتونغي" (الممثل جيرارد أفلسي).

وفي الناحية الأخرى، ومن وسط رجال عصابات المحافظ يظهر "أنديانا" (الممثل أدوسو سيغن)، فنراه ضالعا في العمل معهم، لكنه يختلف عنهم بطيبته المتجذرة، وذلك أنه حين علم بأن الطفل "دانييل" ما زال حيا، وأن الضربة التي تلقاها لم تقتله، أخذه إلى بيته فعالجه وأخفاه عن عيون رجال العصابة.

طيلة مسار التطور الدرامي في الفيلم، يحاول صانعوه تجنب تنميط أبطاله بين الشرير والطيب، بل هم يسعون إلى عرض الظروف التي تدفع أحيانا بعض الطيبين إلى مواقع لا يحبونها لأنفسهم.

تنظيم الصفوف للمواجهة الكبرى

استنادا إلى الأحداث الحقيقية، تتوسع دائرة المواجهة بين الناس والسياسيين الفاسدين، فيسقط كثير منهم. وفي النص السينمائي منهم "أنديانا" الطيب، الذي كرس كل حياته لمقاومة الظلم والانتصار للحق، ولكن لسيطرة السياسيين على وسائل الإعلام الرسمية صُوِّر موته على أنه بسبب صراعات داخلية بين أهل العشوائيات، وذلك أمر ترفضه "جاوو"، وتدعو إلى عدم تصديقه.

يثير موته المأساوي حمية في نفوس الناس، فيخرجون جماعات لمواجهة الشرطة، وقد كانت قوتهم ووحدتهم تخيفها، وتدفعها للهروب من المعركة، التي تبرز فيها "جاوو" قائدة تنتمي حقا لجذور قبيلتها الشجاعة.

صف واحد ضد الظلم

معرفتها بنجاة ولدها يدفعها للعمل مع حكماء القبائل، لتنظيم حملات شعبية تدعو لإيقاف تهجير أهل المستوطنات العائمة عنوة. وبعد نضال ومقاومة منظمة يتحقق لهم ما يريدون.

يأتي ذلك بإضافة النص الروائي مَشاهِد مسجلة (فيديو)، تنقل حقيقة ما جرى على الأرض، وتشخص الأبطال الشجعان الذين وقفوا في وجه الظلم وانتصروا عليه.

منجز جماعي ملهم يجسد مفهوم "السينما الفقيرة"

إن منجز "جماعة أغباجوو النيجرية" السينمائية لرائع، لا لقوة مضمونه فحسب، بل أيضا لجماليات اشتغاله، ولا سيما تصويره (المصور ليو بيرمان)، الذي حصد جوائز عددا من مهرجانات سينمائية مهمة.

مخرجو "جماعة أغباجوو"

ربما تثير تجربة الجماعة السينمائية حماسة في نفوس سينمائيين آخرين يحملون قيمهم، فذلك ما يرجوه المرء عند الانتهاء من مشاهدة فيلم "أسطورة ملكة لاغوس المتشردة"، المعبر عن معاني مفهوم "السينما الفقيرة"، وقدرتها على إنجاز أفلام جيدة بأقل الميزانيات الإنتاجية.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان