فيلم "خط التماس".. قصة دمية اكتوت بنيران الحرب الأهلية اللبنانية

في عام 1990، وُقعت "اتفاقية الطائف" في السعودية، فأنهت الحرب الأهلية اللبنانية بعد أن اشتعلت 15 عاما، لكن لم ينتهِ هاجس الحرب في المجتمع، لأن الاتفاقية لم تستطع إنهاء الصراع الطائفي من جذوره، ووازنت بين أطراف النزاع في مراكز السلطة.
انتقلت مساحات النزاع من الحرب المُباشرة إلى حرب أخرى مبّطنة بالعمل السياسي، وظل خطر الحرب والاقتتال محدقا في لبنان، حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية، وظل الناس يشعرون بأن الحرب يُمكن أن تعود في أي لحظة.
حين ننظر إلى الحروب الأهلية سينمائيا، يظهر لنا سؤال حول قدرتها في أن تعكس حالة الحرب بواقعية، وهل تستطيع استعادة زمن الحرب، بما فيه من لحظات استثنائية، تجعل ما قبلها مُختلفا تمامًا عن ما بعدها؟
يُمكن تعريف الحرب الأهلية بأنها لحظة غياب لمنطق العيش الآمن، وتكوين منطق جديد بحياة جديدة مُكثّفة بأوقات كارثية، تمتلئ بالعداء والموت، وتفسد المفاهيم البشرية المتعلقة بالجيرة والصداقة والمؤاخاة، فتتخذها أدوات للعداء والاقتتال.

وحينما تُحاول السينما أن تُعالج زمن حرب أهلية، فإنها تقف أمام تحدّي التعبير عن صوت الضحايا. هل تستطيع المادة السينمائية أن تتحدث نيابة عن موتى الحرب؟ وهل تستطيع أن تحكى بصوتهم لتكتشف معنى ما لموتهم؟ أم أن موتهم كان مجانيا بلا معنى؟
يأخذنا إلى زمن الحرب الأهلية الوثائقي اللبناني "خط التماس"، وهو من إخراج "سيلفي بايّو"، وبطولة اللبنانية "فدى بزري وتأليفها مشاركةً مع المخرجة، فنمسك طرفًا من الحرب يفتتح السرد، وهي "فدى" التي ولدت بعد بداية الحرب الأهلية بعدّة أيام، وتشكّلت طفولتها ومراهقتها في خضم هذه الحرب.

ينطلق الفيلم من حكايات ذاتية، لكنه يحاول استعادتها برؤى متعددة، تتفهم صعوبة أن تستعيد مناخ الحرب وتحاول كشفه، لذلك يلجأ الفيلم إلى النبش في ذاكرة "فدى"، لنعايش الحرب أكثر بعدّة مشاهد ملتصقة بذاكرتها، ولا تغيب أبدا.
دمية تعيش زمن الحرب
يفتتح فيلم "خط التماس" بمشاهد تحريك، تظهر دمية صغيرة تقف في مجسمات تُحاكي الحرب الأهلية، تتدافع الحجارة بسبب الرصاص حولها، ويخترق شريط الصوت الواقعي الفضاء الحكائي ليُغطيه بالكامل، وينذرنا بأن المشهد الحاصل أمامنا، وإن كان مُعالجا بوسيط فنّي غير بشري، فإننا نعود بالضرورة إلى خوف بشري كبير من ما يحدث، كأن هذه الدمية الصغيرة مفعمة بحضور إنساني، وجديرة بالخوف من أن تصيبها إحدى الطلقات المنثورة في شريط الصوت.

تعجز الطفلة فدى عن فهم ما يحدث حولها، فتستعين بجدّتها وردود أفعالها الفزعة، لاستيعاب ماهية ما تراه، تنظر إلى حدث الحرب، وتنبش في ذاكرتها لتقرأ هذا الزمن عبر مشهدين.
كان المشهد الأول حينما ذهبت مع جدتها من بيروت الغربية إلى الشرقية ليلا، للاطمئنان على منزلها، وفي رحلتهما الخطرة ترى جثة في الشارع، لا تعرف أهي ميّتة أم نائمة؟ وهل الدماء حولها بنّية أم حمراء؟. تدرك شعور الخطر حينما تفزع جدّتها من الأمر.
المشهد الثاني حين اصطدمت بأحد المقاتلين، ووجدت نفسها طفلةً تنظر في عين قاتلها المُحتمل، مع أنه من مقاتلي منطقتها، ويفترض أنه مُكلف بحمايتها، مع ذلك نظرا إلى بعضهما بخوف مُتبادل، خوف المُسلّح من أن يقتل طفلة وخوف الطفلة من أن تُقتل.
ظلّ هذا المشهد في ذاكرة فدى حاضرا على امتداد الفيلم، دليلا على عدم منطقية الاقتتال الأهلي، أيا كانت مُسبّباته عندها.
استعانة الفيلم بالتحريك
استعان الفيلم بصريا بنوع أفلام التحريك، لمحاكاة الحرب بالنبش في الذاكرة، فلا يُمكن أن نثق في ذاكرتنا البشرية تجاه ماضٍ مُمتلئ بالقتل والضحايا، لأن ذاكرة البشر ذات طبيعة تنكّرية، تُحاول التشويش على ما يدينها وما يدفعها إلى الشعور بالأسى وتذكّر أحداث مؤسفة.
يأتي وسيط التحريك محدقا في حدث الحرب وعابرا للذاكرة، فنستعيد الشوارع وروح الاقتتال بتفاصيل وقتها، لا الوقت الحالي، كما يعزز محاولة استعادة الزمن طابع السرد الأدبي، المرتكز على كتابة بلاغية تُشبه اليوميات، التي كانت ترويها فدى.

تمثّلت البنية الحكائية في الفيلم في نوع من الحكي يُشبه الاعترافات، فينفتح التعليق الصوتي جزئيا على الحدث، فيبدأ من الموازاة بين زمن السرد الحالي وزمن الحرب، فتتكون حالة من الفهم أكثر لدى الطفلة فدى، حتى نفهم بها مُفارقة نشوء طفلة صغيرة على هاجس الموت والخوف وصوت الرصاص، وأن هذه المُفردات لدى هذه الطفلة أشياء غير قابلة للفهم.
مشاعر تلاحق الأطفال كأنها لعنة
يوسّع الفيلم دائرة قراءاته البشرية والمكانية للحدث، فننتقل من فهم فدى للتركيز على مشاهد عشوائية ومكثّفة من زمن الحرب، تتعلق بضحايا منثورين في الشارع، وخطوط حدودية خطرة، قسّمت المدينة إلى شرقية وغربية.
أمام هذه المعطيات الكبيرة، نسمع "فدى" تحكي هموما بسيطة، لكنها تتسق مع عمرها، وتنتمي إلى فظاعات الحرب أيضا. تحكي "فدى" بأسى عن البيت الذي ستنتقل منه سريعا، والأصدقاء الذين غابوا، وعن المدرسة التي ستنتقل إليها ثم إلى غيرها، ولن تستطيع أن تكتسب أي صداقات.

عند الاشتباك مع ما وراء طبيعة السرد المنطلق من وعي طفلة في الحرب الأهلية، نجد أن حدث الحرب لا ينتهي عند توقفه، بل وقتها يبدأ بصورة مختلفة في الذاكرة البشرية.
تحكي فدى بعين طفولتها مخاوف وهموما، مع أنها على هامش الحرب، لكنها تبدو جزءا أساسيا منه، وتجعلنا نتساءل عن حجم الهدر في الحيوات البشرية لدى الأطفال، الذين يكبرون بأسئلة ومشاعر تلاحقهم مثل لعنة.
مُساءلة أطراف النزاع
كوّن فيلم "خط التماس" -بجزئه الفني المرتبط بالتحريك- تصورا مغايرا لمفهوم الحرب، بوضع مساحة للمُشاهد العربي، ليُسهم بفعل المشاهدة في تكوين الحالة الاستعادية، القائمة على النبش في الذاكرة، وإجبارها إلى التوجّه ناحية ذكرى الحرب، ومسح التشويش عنها.

يتركز نوع أفلام التحريك ورمزية المُجسّمات الصغيرة في السينما على حركة الصورة، مع وجود مساحة من الفراغ التعبيري يستنتجه المشاهد. لذلك ففي حالة الاشتباك مع الحرب، تفتح الصور المُتتابعة والمشاهد الدلالية مساحات جديدة في ذاكرة من عاشوا الحرب، وتجبرهم أن ينفذوا إلى قلب المشاهد كما كانت، وأن يُعيدوا إنتاجها بتكثيف المسافة الزمنية بينهما وبين الماضي.
بعد أن ساعد هذا الجزء في تعبئة مناخ الفيلم بأحداث الحرب، انتقلت المُخرجة من رمز التحريك إلى مساحة الواقع، حيث اللحظة الراهنة بدت منفتحة أكثر على الحديث عن هذه الكارثة.

بدأت فدى تمر على أمكنة المذابح التي حدثت في خضم الحرب الأهلية في لبنان، وأفظعها مذبحة "صبرا وشاتيلا"، التي بلغ ضحاياها نحو 3 آلاف مدني فلسطيني ولبناني.
عندما مرّت فدى على رجال جالسين يحتسون القهوة في مكان المذبحة، الذي أصبح عامرا بالحركة والبشر، بدأت تقحم الجالسين شيئا فشيئا تجاه حدث الحرب، فذكّرتهم بالمذبحة، ثم واجهتهم بسؤال: ما انطباعكم عن هذا المكان الممتلئ برائحة الموت؟
يجيب أحدهم سريعا بأن النسيان وتمرير الحياة شيء ضروري كي نعيش.
مواجهة حامل البندقية
انتقل الفيلم إلى مساحة جديدة شغلت ثُلثيه، تحت قاعدة تتبّع أثر الحقيقة بدلا من استكمال مُحاولات تخيّلها، فاهتم الفيلم بمن شاركوا في الحرب مقاتلين، بدلا من اهتمامه بعوامل الحرب ومُسبّباتها.
في مكان مُهدّم، وضعت فدى مجسما تفصيليا لمدينة بيروت خلال الحرب الأهلية، وأجرت عدّة نقاشات مع أطراف شتى، منهم تابع لحزب الله، وفلسطيني حارب مع الكتائب الفلسطينية، ومسيحي شارك في الحرب مع اليمين اللبناني، وامرأة تطوعت في الصليب الأحمر أيام الحرب.
نقلت هذه الحوارات الفيلم من المساحة الناعمة الدلالية للفن، إلى التحديق التاريخي المُباشر في تفاصيل الواقع، وواجه الفيلم المُشاركين في الحرب بكافة أدوات التوريط، فبدت فدى حادة في حواراتها، وتُحاول دائما أن تُبعد المتحدث عن شعارات التطهّر والشعور بالندم.

وقد تمركز السرد حول مشهد فداء الأساسي في الحرب، إذ سألت من تحدّثت إليهم وشاركوا في القتال عن موقفهم لو كانوا مكان الجندي الذي رفع بندقيته في وجهها وهي طفلة.
بدا سؤال فدى لكافة المتحدثين أشبه بورطة تدفعهم إلى قلب ذاكرة الاقتتال مُباشرة، تنأى بهم بعيدا عن أي محاولة للمراوغة، واشترك معظمهم في دفاع آلي عن نفسه، كأن تخيّل هذا المشهد يمثل له إدانة كبيرة.
كما اعترضوا جميعا على قبول التصويب على طفلة أو امرأة، أو حتى إنسان أعزل، لكن سؤال مقتل نحو 20 ألف إنسان في الحرب، حضر في خضم الحوار في تساؤل عن من قتل هؤلاء، ما دامت أطراف الحرب كافة كانت بهذه اليقظة الأخلاقية؟
ذكريات تثقل الحس الذاتي
ركّزت فدى في كل نقاشاتها على تحديد موقعها من هذا الحدث، وهي أنّها إحدى ضحايا الحرب، وحينما تستعيد آثار الحرب على عائلتها، يبدو مبررا إصرارها ونديّتها الحوارية مع المُحاربين الذين تحدثت معهم.
نجا والد فدى من القتل أول مرة في مفارقة غريبة، خلال إحدى مذابح بيروت الشرقية، وقد أنقذ رجل غريب أباها محمد، وناداه باسم "أنطون"، فتجاهله اليمينيون ولم يطلقوا عليه النار، لكن المفارقة الأكبر كانت في إطلاق 20 رصاصة على الأب، بأيدي إحدى الكتائب الفلسطينية، ظنا منهم بأنه مسيحي.

بسبب مثل هذه الأحداث العائلية والشخصية، لم تستطع فدى أن تتجاوز حسّها الذاتي وأسئلتها المُحيّرة تجاه الحرب، وجدوى أن تحظى ذاكرتها وهي طفلة ثم مراهقة بكم كبير من الجثث والقتلى وصوت الرصاص، وقد أسهم ذلك في وجود فراغ سردي بين جزئي الفيلم، الجمالي والواقعي.
استحضار العنف في الذاكرة
توضّح حوارات فدى مع من شاركوا في الحرب غياب أرضية مشتركة للتساؤل واستعادة الذاكرة، فالمشاركون ينطلقون من مساحات وأسباب وقناعات مختلفة، أما فدى فتُصمّم على استعادة الحرب بعينها هي، بتحميلهم ما عانته من سنوات صعبة، لذلك دارت حوارات كثيرة في أفكار مُتكررة، وضاع جزء كبير من الفيلم في إصرار فدى على نزع الاعتراف بالندم من المتحدثين.
انغمست فدى في رؤيتها الذاتية للحرب، بما تتذكر من أشياء مشوّشه، وجهّلت تماما كل السياقات والمُسببّات التي أدت إليها. ولأن الذاكرة البشرية تعجز عن أن تكوّن ذاتيا استعادة كاملة لحدث ثقيل بحجم حرب أهلية، فقد افتقر الفيلم إلى مرونة الاشتباك مع شتى سياقات الحرب، وفهم دوافع من عاشوها محاربين.
يظل فيلم "خط التماس" -على طوله (150 دقيقة)- قراءة ضرورية وذكية لحدث الحرب الأهلية في لبنان، يدفع إلى التفكير في الأدوات التي يمكن استخدامها لفهم هذا الحدث، ثم مُحاولة تجنّب إعادة حدوثه. فحين نريد نسيان عنف الحرب، ودفع عنفها المُلتصق بلبنان التاريخية والمعاصرة، علينا استحضار هذا العنف في الذاكرة أولا.
بطاقة الفيلم
العنوان: خط التماس
المخرجة: سيلفي بايّو
السيناريو: فدى بزري، سيلفي بايّو
الأبطال: فدى بزري
النوع: وثائقي
سنة الإنتاج: 2024
مدة الفيلم: 150 دقيقة
اللغة: فرنسي، عربي
البلد المنتج: فرنسا، لبنان، قطر.
الشركة المنتجة: TS Productions، XBO Films
مكان التصوير: بيروت
