المخرج "ديفيد غريفيث".. الأب الروحي للصورة السينمائية: مبدع عظيم أم خطيب عنصري؟

نحو عام 1915: المخرج الأمريكي "ديفيد ورك غريفيث" (في الوسط، جالسا يضع بدلة وربطة عنق) على منصة، يحيط به طاقم العمل في موقع تصوير أحد أفلامه، في مشهد يختزل مهابة الريادة وبدايات الفن السابع

من بين جميع رواد السينما الذين أدوا دورا أساسيا في تطوير اللغة السينمائية، لا سيما في البدايات، كان المخرج الأمريكي "دايفيد وارك غريفيث" (1875-1948) صاحب التأثير الأكبر.

فلقد استكشف بأعماله إمكانيات السينما التي لا حدود لها، وألهم بحرفيته الجيل الذي تلاه من صانعي الأفلام، كمخرجي المونتاج السوفياتي، حتى الأجيال اللاحقة وإلى يومنا هذا، لذلك من الطبيعي أن يشيد به المخرج الفرنسي "جان لوك غودار"، مع أنه أشد الناس مقتا لفكر "غريفيث".

يوثّق ملصق فيلم"ولادة أمة" لحظة اغتيال الرئيس الأمريكي "أبراهام لينكولن". وقد أُنتج بميزانية بلغت 100 ألف دولار، وبلغ ثمن تذكرته دولارين (ولم تكن التذكرة يومئذ تتجاوز 10 سنتات). وكان أول فيلم ضخم في تاريخ السينما الصامتة، وحصد 18 مليون دولار في سنواته الأولى، أي ما يعادل اليوم نحو 1.8 مليار دولار، وهو رقم لم تتخطَّه في قيمته المعاصرة سوى أعمال قليلة، منها "أفاتار" (Avatar) و"تيتانيك" (Titanic)

500 فيلم قصير

إذا رجعنا إلى ما بين عامي 1908-1914، نجد أن "غريفيث" قد أنتج نحو 500 فيلم قصير بالتعاون مع شركة "بيوغراف"، وهي شركة أمريكية حديثة التأسيس يومئذ. وفي عام 1915 حاول "غريفيث" أن يثبت بطرح فيلم "ولادة أمة" (The Birth of a Nation) أن السينما لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل يمكن أن تحل محل الأدب للجمهور العادي.

فيلم "ولادة أمة" دعاية عنصرية تمتد 3 ساعات، تبدأ بالحرب الأهلية وتنتهي بجماعة "كو كلوكس كلان" العنصرية المتطرفة وهم يهبّون لإنقاذ الجنوب من "حكم السود" في حقبة إعادة الإعمار

بل إن لها لغتها الخاصة بها، ويمكن كتابة التاريخ بالضوء والصورة، حتى لو كان بالتزوير، لأن الفيلم عُدّ أول عمل عنصري في تاريخ السينما، لكن الشركة رفضت أن تنتج أفلاما طويلة، بدعوى أنها لن تنجح، فأسس "غريفيث" مع صديق له شركة إنتاج صغيرة لإنتاج الفيلم.

"ولادة أمة": فيلم غيّر ملامح السينما

جرّب "غريفيث" في فيلمه "ولادة أمة" مجموعة متنوعة من تقنيات سرد القصص، ثم في فيلم "عدم التسامح" (Intolerance) عام 1916 أيضا، فخلع عليه هواة السينما ألقابا عدة، منها أبو التقنية في السينما، والرجل الذي ابتكر هوليود، وأول مؤلف روائي للسينما، وشكسبير السينما، نظرا لتأثره بأدب العصور القديمة.

ملصق دعائي لفيلم "ولادة أمة"، ذلك العمل الإشكالي الذي صار علامة فارقة في تاريخ السينما، بما تميز به من طول غير مسبوق، وكلفة عالية، وجرأة في الإخراج، واتساع ملحمي في الرؤية. لكنه أثار غضب السود والبيض التقدميين، لما انطوى عليه من عنصرية فجّة وتمجيد لمنظمة "كو كلوكس كلان"

ومنذ اليوم الذي أنهى فيه "غريفيث" أهم أفلامه، أصبح مكانه في تاريخ الفن موضوع جدل كثير بين المهتمين بالسينما، وكانت مصداقيته محل نقاش نقدي أكثر من أي فنان كبير في تاريخ السينما.

إعلان

كان الفيلم عنصريا، ويمكن تصنيفه عملا فاشيا، لكنه ظل شهادة على حقيقة أن السينما لا ينبغي اختزالها في موضوع أو عقيدة، بل في شكل العمل الذي يقيّمه ويديمه. فلقد أسهم "غريفيث" أكثر من غيره في إنشاء لغة سرد للسينما، بعد أن كانت من الناحية الجمالية مجرد أداة تسلية، لتصبح تعبيرا فنيا كاملا.

باب جديد للفيلم الروائي الطويل

فتح فيلم "ولادة أمة" بابا جديدا من السينما، وأصبح نقطة تحول في السينما الأمريكية والعالمية، مع أن الأفلام الروائية انتشرت في جميع أنحاء العالم قبل إنتاجه بعقدين على الأقل، لكن لم ينجز أحد على نطاق واسع هذا المستوى من الطموح المتمثل في "ولادة أمة".

المخرج "ديفيد غريفيث"، رائد اللغة السينمائية الحديثة، يجلس على مقعد خشبي في موقع تصوير أحد أفلامه، لابسا بدلته الأنيقة وقبعته المميّزة، ويمد ذراعه موجها فريقه، وإلى جواره الكاميرا الضخمة، رمز بدايات الفن السابع، ويحيط به العاملون البسطاء كأنهم شهود على ولادة أسلوب جديد يعيد تعريف الصورة السينمائية

فلم يطور أحد منهم قوة السينما، ولم يستطع أن يدرك أن مستقبل السينما هو الأفلام الروائية. كان ذلك في وقت كانت فيه معظم الأفلام لا تجاوز 20 دقيقة إلا قليلا.

الابتكارات التقنية في "ولادة أمة"

اعتمادا على إحساس سردي قوي ورؤية ملحمية، أصبح الفيلم أول فيلم ضخم في هوليود والسينما، وكانت أول مرة التي تُبتكر فيها خاصية التقريب والتجميع (Close-up)، وتستخدم بتلك الدقة والوعي، وذلك عندما أراد "غريفيث" إظهار حزن الشخصية الرئيسية، فجعل الكاميرا أقرب إلى الوجه، وبهذا استخدم التقريب أول مرة، ولم يسبقه إليه أحد.

تصوِّر لقطات الفيلم العبيد المحررين همجا لا يستحقون الحرية، غير متحضرين، لا همّ لهم إلا تمرير قوانين تسمح لهم بالزواج بالنساء البيض والتغوّل عليهن. ومع ذلك، فقد أدخل الفيلم بلقطات الحركة المبتكرة، والمونتاج المتقاطع، واللقطات القريبة، أسلوبا سرديا جديدا إلى الفن السابع، حتى في الوقت الذي أشعلت فيه رسالته موجة من السخط والاحتجاج (غيتي)

لكن لسوء الحظ، وبعيدا عن القوة التقنية، شاب الفيلم تحيز مزعج وعنصرية غير مألوفة، وكان يجب أن يكون الجمهور على دراية بمحتواه وهدفه، ولذلك أصبح من أهم الأفلام التي غيّرت المواقف تجاه السينما، لا سيما لدى أولئك الذين رأوها هواية فجة ترفيهية، فلقد أدركوا بعد صدور الفيلم أهمية الوسط السينمائي وخطورته.

"عدم التسامح": الرسالة النقيضة

بعد فيلم "ولادة أمة" بسنة، أبهر "غريفيث" العالم بفيلم روائي ثانٍ، مناقض لفيلمه "ولادة أمة"، بعد أن انتُقد بشدة ووُصم بالعنصرية، فهو يمجد أفراد أمريكا البيض ويذم السود المجرمين، ويرى أنهم السبب في الحرب الأهلية آنذاك.

ألفريد باجيت وسينا أوين في موقع تصوير القصة البابلية القديمة ضمن الفيلم الصامت "عدم التسامح" للمخرج "د. و. غريفيث" عام 1916 (غيتي)

صدر فيلم "عدم التسامح" (Intolerance) عام 1916، وربما يكون رسالة اعتذار أحس أنه مدين بتقديمها، فنراه يرصد تبعيات عدم التسامح ونبذ الحب في 4 حقب مختلفة، تمثلت في 3 أحداث فارقة في التاريخ؛ هي سقوط بابل القديمة، وصلب المسيح، ومذبحة القديس بارثولوميو خلال عصر النهضة، وكان الأول حدثا معاصرا متمثلا في شاب محكوم عليه بالإعدام بتهمة قتل رفيقه.

إعلان

ولم يكتفِ "غريفيث" بتقديم 4 أحداث فقط بشكل متواتر، بل اعتمد على تقنية جديدة كليا في السرد، وهي السرد المتقطع غير الخطي، فينتقل بسهولة بين الأزمنة، جاعلا الأحداث كأنما تدور كلها في زمن واحد، كأن التاريخ كله لحظة آنية يعاني فيها الإنسان تبعات عدم تسامحه مع الآخر، ويرصد بنفسه آثار كراهيته لكل مختلف عنه.

من أبرز المشاهد الرمزية في فيلم "عدم التسامح" (1916)، مشهد أم تهدهد المهد في صورة شعرية مهيبة، تجلس قرب المذبح وسط فضاء قاتم لا يضيئه إلا نور خافت، وكأنها شاهدة على عالم مثقل بالقسوة والظلم

كما أضاف "غريفيث" أيضا مشهدا متكررا منفصلا عن الأزمنة المذكورة، يعرض أما تهز سرير طفلها الصغير، ويقطع هذا المشهد الأحداث والأزمنة في كل مرة، فيصبح التاريخ نفسه متمثلا في أم ترعى طفلها الصغير، الذي يرمز إلى الإنسانية، فتكون الأم شاهدة على نمو طفلها، بالتوازي مع مسار التاريخ.

وقد ميز كل حقبة عن الأخرى بلون مختلف، وطوّع الألوان في خدمة سرديته، لينتقل بسلاسة بين الأزمنة، مع المحافظة على تصاعدها تدريجيا بالتوازي، لينجح في الأخير في تقديم رسالته، وهي أهمية التسامح والحب ضرورةً ليعمّ العالم السلام.

تأثير "عدم التسامح" وعبقرية السرد

يُشهد لـ"غريفيث" بقدرته الفذة في محافظته على وحدة موضوعه، لكن ما يعيب فيلم "عدم التسامح" هو وعظيته المباشرة ومثاليته المبالغ فيها، أما على المستوى التقني فقد بلغ حدا رائعا من الإتقان.

ونرى التأثر الواضح بعمله متمثلا في فيلم "المدرعة بوتمكين" (Battleship Potemkin) للمخرج "سيرغي آيزنشتاين"، لا سيما مشهد سلالم أوديسا، وتقريب الوجوه المذعورة، واللقطات الواسعة، والتحريك المتقن لمجاميع الممثلين.

إعادة تمثيل غارة من الحرب الأهلية، جنود من سلاح الفرسان الثالث التابع لقاعدة "فورت ماير" في فيرجينيا يُستَخدمون في تصوير بعض المشاهد العسكرية، ضمن الملحمة السينمائية "أمريكا" التي ينتجها "ديفيد غريفيث"، ويتناول فيها بدايات تاريخ الولايات المتحدة، واظهرت الصورة الفرسان وهم يشنّون هجوما أثناء تصوير هذا المشهد التاريخي

كل هذا كان لـ"غريفيث" السبق في رصده والتقاطه، فلقد ذهب بما قدمه في هذين الفيلمين إلى ما هو أبعد من القاموس المعتاد في عصره، مع أنه لم يكن يعرف الكثير عن ابتكاراته، على الأقل في صناعة هذه الأفلام.

فلقد كانت ابتكاراته مجرد نتائج غير مصاغة لمشكلات حلها في سياق العمل، وليست نظريات مجردة، ولطالما كانت أساليب عمله في هذه العملية بديهية وتجريبية لا ممنهجة، نظرا لكونها مبكرة.

التأثير الاجتماعي والانتشار العالمي

حظيت أفلام "غريفيث" بشعبية كبيرة لدى مشاهدي السينما يومئذ، وقلدها كثير من صانعي الأفلام الآخرين، وانطبق ذلك أيضا على أساليب الإنتاج.

ما من شك أيضا في أنه فيما يتعلق بالتاريخ الاجتماعي، فإن السمعة الجيدة أو السيئة لفيلميه "عدم التسامح" و"ولادة أمة" قد غيرت الطريقة التي ينظر بها الجميع إلى السينما، من رسامي الرسوم المتحركة إلى السياسيين الوطنيين والاقتصاديين في وول ستريت.

المخرج "ديفيد غريفيث" جالسا معتمرا قبعة قش، يوجّه الممثلة "كارول دمبستر" في أحد مشاهد فيلم غير مُحدّد، في صورة بلا تاريخ

تناقضات شخصية وفنية

لا شك أن غريفيث كان عبقريا في السينما الروائية، وكانت الرواية مصدر إلهامه، لكنه كان أيضا ريفيا ورومانسيا، فمع أنه يتظاهر بالثقافة والمعرفة، فقد كان يميل دائما إلى أن يكون عاطفيا وميلودراميا، وهو ما يتضح في سينماه. ولقد كان عنصريا متعصبا رأى التاريخ البشري في شكل ميلودراما بالأبيض والأسود من القرن التاسع عشر.

31 أكتوبر 1923: المخرج "ديفيد غريفيث" (في الوسط) أثناء تصوير أحد مشاهده، يوجّه ممثلا ممتطيا جوادا، في لقطة تجسّد شغفه بريادة الصورة السينمائية

المثير للتناقض هو أن إنسان القرن التاسع عشر ذلك، قد وضع الأساس لشكل فني من القرن العشرين، وهذا الخلط بين العصور تسبب في ارتباك في ذوقه وحكمه. ويمكن رؤية كل هذا في أفلامه.

إعلان

وكان لديه تناقض آخر أصعب قليلا في تفسيره، يعود إلى طبيعة فن السينما، فقد كانت له عبقرية تقنية سينمائية، تنافت مع ضحالة عمق أعماله، ويرجع ذلك إلى أنه لم يكن مفكرا كبيرا، بقدر ما كان بارعا في خلق التقنية.

جنون العظمة وأفول المكانة

كانت شهرة "غريفيث" بعد "ولادة أمة" كبيرة جدا، لدرجة أنها خلقت نوعا من جنون العظمة الذي شوّه حكمته، فعندما وجد نفسه في منصب نبي وفيلسوف سينمائي، لم يعد يرى نفسه فنانا عظيما فحسب.

المخرج والمنتج السينمائي الأمريكي "ديفيد ورك غريفيث" (1875-1948) يلهو مع تمساحه الأليف. (غيتي)

الإرث السينمائي والخلود

من ناحية أخرى، حقق إنجازا كبيرا في وقت قصير جدا، ولأنه لم يكن لديه الكثير من الثروة العلمية، فلم يستطع تحقيق التوازن مع تأثيرات أعماله أو شخصيته، وهذه الخسائر -على خطورتها- إنما كانت بسبب قدرته المحدودة. المفارقة هي أن أعظم إنجازاته، كانت قادرة على تجاوز تأثيرات إلهاماته وأحكامه وأذواقه، فأصبح أحد أعظم فناني القرن العشرين والسينما.

المخرج "ديفيد و. غريفيث" (1875-1948) جالس بمكتبه في مقر شركة ميوتوال فيلمز، في صورة تؤرخ لهيبة المخرج داخل عرينه الفني

لذلك يمكن القول إنه أظهر عبقرية متفردة في تلك الحقبة من تاريخ السينما، فهو الرجل الذي اكتشف وطوّع واستخدم لغة السينما السردية، ولا يزال يُحتفظ بهيبتها، ولا تزال الحلول التي وجدها للهيكل السينمائي مستخدمة لدى معظم المخرجين.

ومع ذلك، لم تكن إنجازاته ممنهجة وتحليلية أساسا، بل كانت مبتكرة وبديهية، وعندما بلغ عصر الابتكار نهايته، ولم يعد الحدس والارتجال يؤديان دورا حيويا في صناعة الأفلام، أُلقي بـ"غريفيث" في عالم الماضي، وأصبح مجرد مرجع لزمنه.

وفي زمانه مع المثقفين، لم تكن له مكانة قوية، عندما ظهرت مثلا عبقرية الألمان، مستخدمين سلاح حركتهم التعبيرية، التي انطلقت آنذاك من الرسم والتصوير وفن المعمار، ونقلت كل ذلك إلى عالم السينما.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان