على مدار 90 عاما.. كيف صورت السينما السورية دمشق وأهملت الأطراف؟

بنظرة مرتدة إلى الثلاثينيات، نقع على واحد من الأفلام المبكّرة التي وثّقت صورة دمشق بصريا. تجول الكاميرا في ساحة المرجة وسط دمشق، تتأمل حركة البشر والعربات التي تقودها الخيول، ثم تصعد إلى محطة القطارات في ساحة الحجاز، ثم تسلك الطريق نحو بساتين الغوطة. حمل الفيلم اسم "تحت سماء دمشق"، وأخرجه إسماعيل أنزور (1932).

كان هذا الفيلم صامتا ترافقه موسيقى مرتجلة أثناء العرض، وهو ثاني فيلم سوري بعد مغامرة أيوب بدري في فيلم "المتهم البريء" (1928). ثلاثون دقيقة بالأبيض والأسود، محمولة على قصة حب رومانسية، تنتهي بجريمة قتل.
لكن الجمهور الذي زحف إلى سينما "الكوزموغراف" وجد في هذه الفرجة ملاذا سحريا يتجاوز متعة عروض الحكواتي في مقهى "النوفرة" بمراحل.

وكان للدهشة أن تستمر زمنا أطول باقتراحات مشابهة، لولا أن حطّ فيلم" أنشودة الفؤاد" المصري في الصالة نفسها، وكان أول فيلم عربي ناطق، فنسف تلك البهجة الخاطفة.

"تحت سماء دمشق" المكرّر
غابت ساحة المرجة -التي تمثّل قاع المدينة بكل صخبها وألغازها الليلية- عن الأفلام السورية إلى اليوم، وسيستعيد المخرج طلال ديركي بمشاركة هبة خالد وعلي وجيه اسم ذلك الفيلم بدمغة جديدة.
ذلك أن فيلم "تحت سماء دمشق" (2023) في نسخته الثانية ينطوي على وقائع أخرى تخلو من رومانسية ذلك الزمن السعيد، فالمسافة بين الفيلمين خلخلت صورة المدينة جذرياً، ذلك أن هذا الوثائقي وضعنا في مهبّ مدينة تعيش تحوّلات جذرية لجهة العنف والدمار والعشوائية.

هنا لا بساتين في الغوطة يتنزّه العشّاق في ظلال أشجارها، بل ممثلات بأسمائهن الحقيقية، يحلمن بتحقيق مشروع مسرحي عن العنف ضد المرأة.
تتعالى الأصوات داخل حطام بيت دمشقي مهجور، بدا كأنه خشبة مسرح مرتجلة، وتلتقط الكاميرا تجارب نساء يعشن أوضاعا نفسية صعبة، هي محصلة ما أفرزته الحرب من قيم جديدة، أطاحت جماليات الألفة والطمأنينة التي كانت جزءا من هوية دمشق.
تجنح العدسة إلى توثيق أحوال العنف بطبقاته المتعدّدة، فتتبلور صورة المدينة على هيئة مكبّ للنفايات ومصحة للأمراض العقلية، وإطارات قاتمة من الانتهاكات الجسدية، ببوح جماعي يكشف تمزّقات ذاتية يصعب علاجها، ففي شهادات الممثلات عن معاناتهن الشخصية نجد مشكلات أخرى تخص المهنة، والنظرة المتشككة نحوها، وفضح الذكورية المهيمنة على فضاء المدينة المدمّرة حجارة وروحا.
ما بين النكبة والهزيمة غاب المكان
بتأثير نكبة فلسطين عام 1948، وهزيمة حزيران/ يونيو عام 1967، ذهبت السينما السورية إلى فضاء آخر، وذلك باستعارة مكان لا يشبه هويتها الأصلية، استجابة للواجب القومي، فكانت هذه الأفلام:
- "الجيش السوري في الميدان"، للمخرج أحمد عرفان (1948).
- "وراء الحدود"، لزهير الشوا (1948).
- "3 عمليات داخل فلسطين"، لمحمد صالح الكيالي (1949).
لكن هذه الأفلام لم تتجاوز بأطروحاتها الجانب التعبوي والنزعة الحماسية في تمجيد بطولات الفدائيين داخل الأرض المحتلة، قبل أن يقتحم المشهد مخرجون طليعيون أسسوا سينما أكثر عمقا، تعمل على تشريح القضية الفلسطينية من جهة، وأسباب الهزيمة من جهةٍ أخرى، كما في:
- "أكليل الشوك"، لنبيل المالح (1968).
- "الزيارة"، للعراقي قيس الزبيدي (1970).
- "المخدوعون"، للمصري توفيق صالح (1972).
- "كفر قاسم"، للبناني برهان علوية (1975).
سنلاحظ أن هذه السينما لم تكتفِ باستعارة أرض أخرى لعدستها، بل استعارت المخرجين أيضا. هكذا تجاهلت هذه النوعية من الأفلام ما كان يحدث في البلاد من انقلابات عسكرية متلاحقة، ألقت بثقلها على روح المدينة، وذلك باتخاذ الفضاء العام ثكنة عسكرية تعج بالمؤامرات.
"فليكن جسدي جسرا تعبر عليه السينما"
غرقت سينما القطاع الخاص في الستينيات والسبعينيات بقصص مسلّية، تدور وقائعها في الملاهي الليلية والمسابح وغرف الفنادق، والاشتغال على ما يُشعل عمل الغريزة.
لعل اللقطة التي ظهرت فيها الممثلة إغراء في فيلم "الفهد" لنبيل المالح عارية تماما، صنعت منعطفا في تاريخ السينما السورية، قبل حذفها في عروض الفيلم اللاحقة.
تقول إغراء في تبرير هذا اللقطة وما تلاها في أفلام لاحقة: لا بأس، فليكن جسدي جسرا تعبر عليه السينما السورية، وأنا لست آسفة ولا نادمة على ما أقدمت عليه، ولا يتوقّع أحد مني أن أتقدّم بعريضة، ألتمس فيها حكما بالبراءة الشخصية، وشهادة حسن سلوك.

كان هذا التصريح جزءا من دفاع عن حداثة، كانت تتلمّس طريقها إلى مدينة تتأرجح ما بين التقاليد المغلقة، والانفتاح على الآخر، بالتوازي مع مدينة هجينة، سوّقت لها أفلام تلك المرحلة، وكان على مُشاهد تلك الأفلام أن يتواطأ مع ما يشاهده على الشاشة بلا اعتراض، لجهة اختلاط اللهجات في العائلة الواحدة من دون تبرير ذلك دراميا، وذلك بعد استقطاب كوكبة من نجوم السينما المصرية حينذاك.
وكان استثمار مدينة دمشق بشوارعها وأحيائها على نحو واقعي، مما يحسب لفيلم "خياط السيدات" للمخرج المصري عاطف سالم (1969)، بصرف النظر النظر عن الخلائط العجائبية في محتوى الفيلم، كما أحيا أغنية تراثية لرائد المسرح السوري أبي خليل القباني، بصوت شادية، أثناء رحلة بالقطار إلى مدينة الزبداني، وهي أغنية "يا طيرة طيري يا حمامة".
جيل الثمانينيات وضيق العدسة
ما أهملته هذه التجارب في تأصيل سينما المكان، تكفّل به جيل الثمانينيات العائد من دراسة السينما أكاديميا، فكان فيلم "أحلام المدينة" للمخرج محمد ملص (1984) فاتحة لأفلام أخرى، في رسم تضاريس مدينة دمشق في الخمسينيات، على خلفية الوحدة السورية المصرية، بعيني طفل شهد تصدعات تلك السنوات الصاخبة بالانقلابات العسكرية والأحلام المجهضة.
لكن فضاء المدينة سيضيق إلى حدود الاختناق في فيلمه الأخير "سلّم إلى دمشق" (2016)، إذ يُختزل المكان إلى بيت شعبي قديم، به غرف مستأجرة، تحتضن شتى الهويات المحلية، التي لجأت إليه تحت ضغط ظروف الحرب، وحاجة المرء إلى الحرية كي يتنفّس هواء آخر لم يلوثه عنف السلطة.
أما نبيل المالح، فقد ضيّق فتحة العدسة في فيلمه "الكومبارس" (1993) ، بما يكفي فضاء غرفة واحدة، استعارها عامل في مرأب سيارات (الممثل بسام كوسا)، يعمل مساءً كومبارس في المسرح القومي ،كي يختلي بحبيبته (الممثلة سمر سامي)مدة ساعتين، لكنه سيقع أسيرا للخوف، حين تقتحم الشرطة المكان لملاحقة موسيقي أعمى، مما يزيد جرعة الاستلاب إلى حدودها القصوى.

وقد انهمك أسامة محمد في فيلمه "نجوم النهار" (1988) بتفكيك آلية السلطة بلا مواربة، مظهرا زواجا بالإكراه بين مدينة دمشق والعسكر المنحدرين من الريف، ومحاولة هؤلاء ترييف المدينة، وتقشير القيم المدينية المتراكمة ببهيمية واضحة، وسلوكيات عنفية تجعل المرء يرى "نجوم الظهر" في مرآة الاستبداد.
كاميرا الجحيم
حملت النسخة الأحدث في مقاربة مدينة دمشق توقيع محمد عبد العزيز تحت عنوان "الرابعة بتوقيت الفردوس" (2015)، وذلك عبر 7 حكايات متجاورة ومتناوبة، تحضر معادلا بصريا وسرديا لبوابات دمشق السبع.
إنها لعدسة شرسة في اقتحام أسئلة اللحظة الراهنة، لاختبار التمزّقات التي أصابت البشر خلال الحرب، ومحاولات تغيير الجلد، وارتفاع وتيرة الاحتجاج. مشهديات ثرية بالإحالات الأسطورية، فكاميرا غير محايدة، وحواجز أمنيّة، وشعارات، وشوارع معادية، وجريمة قتل تقع في نفق للمشاة.

فكل ما يحدث هنا يدور خلال يوم واحد، وسؤال معلّق في الهواء: الفردوس أم الجحيم؟ هكذا تصبح المدينة مستشفى كبيرا لمرضى محتضرين. كما سيعتني الفيلم بتشريح تضاريس دمشق وتنويعاتها الاجتماعية، بعدسة مفتوحة باتساع على طبقات المدينة وأسرارها وجحيمها، وكذلك جمالها النائم بين النيران.
وسيستكمل مشروعه الذي بدأه بفيلم "إلى دمشق مع حبي" بفيلم ثالث حمل عنوان "حرائق" مزج فيه مصائر 4 نساء عشن تجارب قاسية، إلى أن تتقاطع دروبهنّ في قاعة سينما مهجورة، أصبحت ملاذا آمنا لمن هُجّر من بيته.
تنشأ في القاعة حيوات موازية، فبداخل هذه البيضة العملاقة نتعرّف على بشر مخذولين، وبهجة طارئة مصدرها بكرة فيلم تدور خارج مواعيد العرض، وكأن الفيلم في جوهره تحية إلى "سحر السينما الخفي"، بوصفها عزاء روحيا وفسحة طمأنينة، وخلاصا من أثقال العنف والهمجية وزيف العلاقات خارج هذا المكان، في مزيج من التخييل واللمسة الوثائقية.
حلب على الشاشة
على المقلب الآخر تستضيف مكتبة المكان في السينما السورية مدنا أخرى، أبرزها مدينة حلب التي حضرت في فيلم "تراب الغرباء"، للمخرج سمير ذكرى (1997).

يستعيد الفيلم سيرة عبد الرحمن الكواكبي، وهو أحد أبرز تنويريي المدينة في القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى قراءة أحوال المدينة ومكابدات أهلها في ظل الحكم العثماني.
ويتناول محمد ملص في فيلمه "باب المقام" حكاية امرأة حلبية متزوجة، تُقتل على يد أخيها، بعد اكتشافه شغفها بأغاني أم كلثوم، وقد سُجلت الواقعة تحت بند "جريمة شرف".
تتساءل كاميرا محمد ملص بلوعة ومرارة: كيف لمدينة عريقة مثل حلب، اشتهرت تاريخيا بالطرب والغناء والتسامح، أن تصل إلى هذا الدرك، فيصبح الغناء وراء الأبواب المغلقة شبهة أخلاقية، وما سرّ تخلّيها عن تاريخها العريق، لتصبح موئل التطرّف والعنف الأعمى؟
عبور لا إقامة
في أفلام أخرى، تحضر المدينة نقطةَ عبور لا إقامة، بنظرة متشكّكة وعين مرتابة، لمصلحة حياة ريفية محمولة على البراءة والنقاء والبساطة، حيوات لم يلطّخها خبث المدينة، كما في معظم أفلام عبد اللطيف عبد الحميد، ومنها:
- "ليالي ابن آوى" (1988).
- "رسائل شفهية" (1991).
- "العاشق" (2015).
فهو ما انفكّ يمتح من الفضاء القروي، ويتخذه هوية مضادة لعنف المدينة.
الأطراف المنسية
الحال أن السينما السورية اعتنت بالمركز على حساب الأطراف، بنوع من الإهمال المتعمّد، فلا نكاد نلمح صورة الجنوب السوري، ولا منطقة الجزيرة في الشمال، إلا في أفلام قليلة، فمن تلك الأفلام:
- "الطحالب"، لريمون بطرس (1991).
- "صهيل الجهات"، لماهر كدو (1993).
- "اللجاة"، لرياض شيا (1995).
ثم أتى الزلزال السوري، فأطاح بالجغرافيا كاملة في أفلام ووثائقيات تؤرخ للجحيم والدمار، الذي أصاب الحجر والبشر، في المدينة والريف ومخيمات اللجوء، فوق شاشة واحدة.
هكذا يتجاور "مطر حمص" لجود سعيد (2017)، مع "ماء الفضة" لأسامة محمد (2014) من موقعين متضادين.
