لوكارنو 2025.. فلسطين تفتتح المهرجان بفيلم "مع حسن في غزة"

المدخل الرئيسي إلى ساحة بيازا غراندي، القلب النابض لمدينة لوكارنو، حيث تُقام فعاليات الدورة الـ78 من مهرجان لوكارنو السينمائي بإطلالتها الساحرة على بحيرة ماجّوري

في مدينة لوكارنو السويسرية، وعلى ضفاف بحيرتها التي اعتادت أن تعكس ملامح التجريب والجرأة في السينما العالمية، أُسدل الستار قبل أيام على الدورة 78 من المهرجان، التي حملت في طياتها حضورا عربيا لافتا.

من فلسطين ولبنان والسودان وتونس والعراق، جاءت الأفلام محملة بالذاكرة والوجع، متنقلة بين الروائي والوثائقي، وبين القصير والطويل، لترسم صورة مكثفة عن واقع عربي مثقل بالصراعات.

ساحة الميدان الكبير في قلب لوكارنو تتلألأ بجمهور يملأ أرجاءها، فتصبح في ليالي الصيف مسرحا مفتوحا يحتفي بسحر السينما في الدورة 78 من مهرجان لوكارنو الدولي

لكن اللحظة الأشد وقعا هي افتتاح المهرجان بالفيلم الفلسطيني "مع حسن في غزة" للمخرج كمال الجعفري، الذي جعل الشاشة مرآة دامية، تكشف ملامح الحياة الفلسطينية قبل الإبادة الراهنة، واضعا المأساة في صدارة الخطاب السينمائي العالمي، لتكون صرخة إدانة لا يمكن تجاهلها.

من غزة إلى بيروت.. ذاكرة واحدة ودمار مشترك

لم يكن فيلم الافتتاح الفلسطيني "مع حسن في غزة" وحده الذي حمل همّ السياسة إلى شاشة لوكارنو؛ فقد جاءت الدورة 78 عامرة بالأفلام التي تعالج جراح المنطقة.

المخرج عباس فاضل وزوجته المنتجة نور بالوك مع ابنتهما، خلال فعاليات الدورة 78 من مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي

فمن تلك الأفلام الفيلم الوثائقي "حكايات الأرض الجريحة "للمخرج العراقي عباس فاضل وزوجته المنتجة نور بالوك، وقد شارك في المسابقة الرسمية، ونال جائزة أفضل إخراج.

في هذا الفيلم، تتقاطع السيرة الذاتية مع الذاكرة الجماعية، فيوثّق معاناة اللبنانيين تحت وطأة الحرب، في مشاهد إنسانية تكشف الألم والقتل، وهو امتداد لثلاثية بدأت منذ عام 2022.

المخرج العراقي عباس فاضل يتسلم جائزة "الفهد لأفضل إخراج" خلال فعاليات الدورة 78 من مهرجان لوكارنو السينمائي، في 16 أغسطس 2025 بمدينة لوكارنو، سويسرا. (تصوير: أليساندرو ليفاتي/ Getty Images)

كما قدم المخرج عباس فاضل أيضا فيلما آخر بعنوان "حكايات البيت الأرجواني"، عاد فيه إلى أجواء وباء كورونا، مسجلا 3 ساعات كاملة من تفاصيل الحياة اليومية داخل بيته في لبنان، بينه وبين أسرته الصغيرة، فحول العزلة العائلية إلى مادة سينمائية حميمة.

إعلان

اللافت أن المأساة اللبنانية التي عالجها "حكايات الأرض الجريحة"، قد تقاطعت في الجوهر مع الأزمة الفلسطينية، التي عرضها فيلم الافتتاح "مع حسن في غزة"؛ فكلاهما يكشف أن مصدر الكارثة واحد، ألا وهو الاحتلال الإسرائيلي، الذي يواصل تدمير الأوطان بذرائع واهية من "الدفاع عن النفس"، أو "المساعدة".

الملصق الدعائي للفيلم الوثائقي "حكايات الأرض الجريحة"، المصور أثناء الاعتداء الإسرائيلي على لبنان في خريف 2023، وتحديدا في الجنوب، وقد وثق لحظة بلحظة مشاهد الدمار من الانهيارات المادية إلى الفواجع الإنسانية، ملتقطا في الوقت نفسه إصرار اللبنانيين على الحياة، وتمسكهم بالأمل وسط الخراب

وفي السياق ذاته، حضر المخرج السوداني ياسر فايز بفيلمه "جهنمية"، الذي يرصد إلى جراح السودان النازف، من حروب ومجاعات ودمار، مع أنه لم يسلط الضوء عليها بالكامل، بل اكتفى بتمرير إشارات موجعة إلى واقع بلد غارق في مآسيه.

 جلجامش في العراق واغتراب العمّال في تونس

شهدت المسابقة الرسمية أيضا حضور فيلم المخرج التونسي عبد اللطيف كشيش "مكتوب حبي" (Mektoub, My Love: Canto Due)، كما عرض ضمن البرنامج نفسه فيلم "إركالا – حلم جلجامش" للعراقي محمد الدراجي.

الملصق الدعائي لفيلم "إركالا: حلم جلجامش" للمخرج العراقي محمد الدراجي، الذي يقدم رحلة طفل وسط الفوضى السياسية والاجتماعية في العراق المعاصر، مستلهما أسطورة جلجامش لطرح رؤية رمزية عن الطفولة والمصير

قدم هذا الفيلم قراءة معاصرة لملحمة جلجامش، بحكاية صبي مشرد في ربيعه الثامن، وهو مصاب بالسكري، ويحاول إقناع صديقه بمرافقته إلى عالم "إركالا" السفلي هروبا من واقع مضطرب، في رحلة رمزية وجودية تستدعي ملامح الأسطورة الأصلية. و"إركالا" مصطلح يعني موطن الأموات في الأساطير السومرية والبابلية.

وفي برنامج "فوري كونكورسو" المخصص للأعمال المعروضة خارج إطار المسابقة الرسمية، قدم المخرج التونسي مهدي هميلي فيلمه "اغتراب"، كاشفا فيه المأساة العمالية في أكثر صورها قتامة، على نحو يذكّر بالفيلم الحديث "المستعمرة".

الملصق الدعائي للفيلم التونسي "اغتراب" وهو عمل يستحضر حياة العمال عبر قصة عامل يقتل في حادث مأساوي داخل مصنع صلب، وزميله محمد الذي يخوض رحلة بحث عن الحقيقة والعدالة، بينما تتحول ندبته الجسدية والنفسية إلى رمز لحالة اغتراب الإنسان في بيئة مهنية قاسية

يطرح العمل أسئلة متصلة بالواقع العالمي الراهن، حيث تتشابك السياسات النيوليبرالية (تحرير السوق وتقليص دور الدولة) القاسية مع الأزمات الاجتماعية والسياسية، فتضاعف معاناة الطبقات الفقيرة، في مقابل رفاهية قلة من الأثرياء.

فيلم "اغتراب" للمخرج التونسي مهدي هميلي يطل في عرضه العالمي الأول ضمن مهرجان لوكارنو، أمام جمهور المهرجان، حاملا معه ملامح الرحلة المتجددة للسينما التونسية

لكن هذه الأعمال -على تنوعها- لم تحجب الأثر الأعمق، الذي أحدثه الفيلم الفلسطيني "مع حسن في غزة"، العائد إلى جراح فلسطين المفتوحة، وهو ما يستدعي التوقف عند خطابه بتفصيل أكبر.

"مع حسن في غزة".. فيلم يوثق حياة القطاع قبل الإبادة

الفيلم الفلسطيني "مع حسن في غزة" للمخرج كمال الجعفري، هو العمل الذي شكل لحظة الافتتاح في مهرجان لوكارنو هذا العام، وسط تأييد دولي متزايد لمناهضة الاحتلال الإسرائيلي. يحمل الفيلم صورة نابضة عن الحياة الفلسطينية في مطلع الألفية، حياةٌ تبدو اليوم كأنها وثيقة بعيدة تطويها الإبادة الراهنة.

يقدّم المخرج الفلسطيني كمال الجعفري فيلمه الجديد "مع حسن في غزة"، ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان لوكارنو السينمائي في دورته الـ78، ويصفه قائلا "إنه فيلمي الأول، الذي لم أصنعه قط"، ويشكل انعكاسا على المأساة الفلسطينية، والذاكرة التي تقاوم النسيان

يستند الفيلم إلى رحلة برية صورت عام 2001، حين جاب مخرج الفيلم مع مرشده المحلي حسن قطاع غزة من شماله إلى جنوبه، بحثا عن عبد الرحيم، وهو صديق قديم لقيه الجعفري عام 1989، عندما كانا معا في سجن النقب الصحراوي الإسرائيلي للأحداث.

إعلان

ومن هنا يكتسب العنوان رمزيته، إذ يشير إلى تيهٍ أبدي تعيشه المدينة، ويعكس في الوقت نفسه ضياع أبنائها وغربائها تحت وطأة الدمار الإسرائيلي.

هذا الفيلم إنتاج مشترك بين فلسطين وألمانيا وفرنسا وقطر، ويمزج بين المشاهد اليومية واللقطات الشخصية، في سرد حميمي يربط الماضي بالحاضر، ويطرح السينما أداةً لمقاومة النسيان، بعيدا عن الشعارات المباشرة.

سيكون فيلم "مع حسن في غزة" للمخرج الفلسطيني كمال الجعفري لدى كثيرين رحلة بصرية مؤثرة عبر غزة، كما كانت عام ٢٠٠١

ولد كمال الجعفري في الرملة عام 1972، وهو يقيم في ألمانيا منذ سنوات، وكان قد قدم أعمالا بارزة، منها "الفيلم عمل فدائي" الفائز بجائزة في مهرجان الإسماعيلية السينمائي الدولي.

وله أفلام أخرى منها:

  • تحت الأرض.
  • باراديسو 31-108.
  • صيف غير عادي.
  • طريق طويل من أمفيوكسوس.
  • ذكريات.
  • ميناء الذاكرة.
  • شرفات.
  • السطح.
  • استعادة.

لكن فيلمه "مع حسن في غزة" يستعيد أول مرة لقطات قديمة، كان قد سجلها قبل ربع قرن، فيحولها إلى فيلم يراه بمنزلة بدايته الحقيقية.

الملصق الدعائي لفيلم "مع حسن في غزة" للمخرج كمال الجعفري، تحية سينمائية إلى غزة وأهلها، وذاكرة بصرية تستعيد الحياة وسط الركام

وعلى بساطة العنوان، فإن الفيلم (106 دقائق) يستمد بوصلة سرده من شخصية حسن، لا من المخرج نفسه، فحسن يقود المشاهد عبر المدينة، كأنه الدليل الذي يعرف ملامحها أكثر من أي سردية خارجية.

وعلى هامش العرض الأول، قال الجعفري: زرتُ غزة قبل 24 عاما، وكان ذلك أول فيلم لي. وجدت حديثا 3 أشرطة "ميني دي في" صوّرتها عام 2000، ذكّرني هذا الاكتشاف برحلة بحثت فيها عن صديق قديم من زمن السجن، لم أجده لكنني وجدت نفسي، ووجدت مدينة لم تعد موجودة. هذه الأشرطة صارت وثيقة لحياة ضاعت وسط الدمار.

دوائر الصمت في غزة.. حين تدور الكاميرا حول الفراغ

يمكن التعمق في قراءة فيلم "مع حسن في غزة" بدءا من مشاهده الافتتاحية، فالمشهد الأول طويل ومهتز، فنرى المخرج يمسك بالكاميرا في فضاء أسفلتي واسع يمتد بلا نهاية. لا بشر في الصورة، فقط طرق ممتدة وسيارات مصطفّة لا يركبها أحد.

تدور الكاميرا بزاوية 360 درجة حول المكان، فلا تجد غير الفراغ. مشهد يؤسس منذ البداية لإيقاع بصري يرمز إلى الأسوار الإسرائيلية، التي تخنق الحياة في غزة، وتتركها معلّقة في عزلة قاسية.

بين هذا المشهد وما يليه، حين ينطلق السائق حسن إلى قلب المدينة بحثا عن صديق المخرج، تتكشف أمام المشاهد حياة يومية مسروقة من أهل غزة. وعلى امتداد الفيلم يتردد إيقاع متوازٍ: دمار وصمت يفرضه الاحتلال في الخارج، مقابل بقايا حياة صغيرة تتجلى في المقاهي والبيوت، حيث يعيد الفلسطينيون بناء ذواتهم المسلوبة بقوة السلاح.

بعض المشاهد التي التقطتها عدسة المخرج خلال رحلته في غزة عام 2001؛ أطفال يقتربون من الكاميرا بضحكات بريئة، كأنهم يسرقون لحظة فرح وسط حصار الدمار

يفتتح الفيلم قصته بقصيدة مكتوبة ترافقها موسيقى حالمة، موسيقى لا تنسجم مع قسوة الكلمات التي تحكي عن مقتل أبناء المدينة، كأنها مفارقة بين الجمال والخراب. هنا يظهر المخرج طبيعته الفنية التي تمزج السينما بالشعر والموسيقى، ورؤيته للقضية الفلسطينية، بوصفها حكاية مسروقة يشاهدها العالم في صمت مطبق.

حنين إلى القبح القديم تحت وطأة القبح المعاصر

لا يهدأ القلق الذي يغلف المشاهد إلا بالموسيقى المصاحبة، التي يسمعها حسن طوال الرحلة، فتنبعث أغنيات عربية حميمية، من أم كلثوم وعبد الوهاب وأسمهان، ثم أصوات أحدث، منها محمد فؤاد في شبابه.

هذه الأغنيات التي كان يبثها المذياع قبل ربع قرن، تلطف قسوة المشهد، وتضع لمسة إنسانية وسط الخراب، لا سيما حين يختتم الفيلم بقصة طفولة، يكتبها المخرج على إيقاع أغنية رومانسية لنجاة الصغيرة، هي "آه لو تعرف".

لكن الأكثر إيلاما في الفيلم هو أن الدمار الذي صور قبل 25 عاما، يحمل اليوم ضربا من الحنين، إذ يبدو أقل فداحة إذا ما قورن بالإبادة الراهنة، التي حصدت حتى اليوم أكثر من 60 ألف شهيد، معظمهم من النساء والأطفال، ودمرت المدينة بالكامل. تحمل الصورة هنا حنينا حزينا، وإدانة مزدوجة؛ للقديم بما حمله من قبح، وللأحدث بما بلغ من قبح أشد.

نازحون فلسطينيون يسيرون بين أنقاض مخيم جباليا شمال غزة، وسط الدمار الذي خلّفه جيش الاحتلال الإسرائيلي

الحوارات في الفيلم نادرة وقصيرة، فقد كان المخرج يفضل أن تترك الكاميرا أثرها وحدها، تمر على الوجوه والمباني بصمت وتأمل. وهو على عادته لا يبحث عن السرد المعتاد، ولا عن حبكة مشوقة أو مونتاج مبهر، بل يختار الغوص في الأرشيف المنسي، يمسح الغبار عنه، ويعيد عرضه في مواجهة الحاضر.

إعلان

هكذا يصبح الفيلم شهادة مضاعفة: عن مدينة تغرق يوميا، وعن عالم يراقب في صمت مخجل.

كمال الجعفري.. مشروع سينمائي لتكذيب الخطاب الإسرائيلي

لا يقدم كمال الجعفري أفلاما عابرة، بل ينسج مشروعا متكاملا، هدفه تكذيب الرواية الإسرائيلية بالأرشيف والصورة السينمائية.

فقبل فيلم"مع حسن في غزة" مباشرة، أنجز فيلمه "الفيلم عمل فدائي"، وقد وثق فيه جريمة الجيش الإسرائيلي عام 1982، عندما استهدف مركز الأبحاث الفلسطينية في بيروت، واستولى على أرشيف يضم وثائق وصورا ثابتة ومتحركة، ثم فجرها لاحقا عام 1983، بحسب روايات كثيرة.

بذلك أصبح الفيلم سجلا مضادا لجرائم الاحتلال التي لا تنتهي، وسلاحا سينمائيا يوازي أهمية أي مواجهة سياسية أو تاريخية. وعلى خط تلك الرؤية، يأتي فيلم "مع حسن في غزة"، ليطرح السؤال ذاته لكن بوسيلة مختلفة، أكثر تأملا وبُعدا عن المباشرة.

فالفيلم يضع حياة الفلسطيني المسالم في مواجهة آلة القتل والإبادة الإسرائيلية، ويجبر المشاهد على التفاعل مع المفارقة القاسية؛ وجود طبيعي يُسحق بلا سياق.

ومع أن المكتبة البصرية المستخدمة محدودة، فإن الفيلم يبقى وثيقة نادرة، وسط القنص الإسرائيلي المستمر لكل من يحاول التصوير في فلسطين، وملهما لصنّاع السينما الوثائقية، الذين يصرّون على مقاومة النسيان بالصورة.

كتابة التاريخ البصري سلاح مقاومة

تكمن جرأة المخرج كمال الجعفري في توقيت عرض أفلامه وسياقها، فهي تخرج إلى العالم في لحظة تخاذل دولي، وصمت أمام انتهاكات متواصلة، في ظل دعم أمريكي معلن لليمين المتطرف في إسرائيل وأماكن أخرى.

فيلم "استعادة" عمل صامت، استخرج مادته من أفلام إسرائيلية وأمريكية، صورت في يافا بين الستينيات والثمانينيات، وقد استخدم المخرج تقنيات لمحو الممثلين الإسرائيليين من الصورة، معيدا الفلسطينيين إلى الواجهة، أولئك الذين كانوا في هامش المشهد من المارين أو الواقفين على الشرفات

في هذا المناخ، يجعل الجعفري التأريخ سلاحا مضادا، فالمحتل الذي يعيد صياغة التاريخ بروايته لا يُكذَّب إلا بالعودة إلى القديم، إلى الصورة الأصلية والوثيقة الأولى.

لذلك يقدم "الفيلم عمل فدائي" تاريخا معاكسا للتاريخ الاستعماري، مثلما فعل في فيلمه السابق "استعادة" (2015)، حين طرح سؤالا جذريا: كيف ننهي الاحتلال؟

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان