"إد سوليفان".. المذيع الأبيض الذي هدم جدار الفصل العنصري على شاشة التلفزيون الأمريكي

إد سوليفان يستقبل أعضاء فرقة "ذا جاكسون فايف" خلال ظهورهم كضيوف في برنامجه " في ديسمبر/كانون الأول 1969. ويصافح سوليفان الأخوين مايكل جاكسون (يمين الصورة) ومرلون جاكسون (الثاني من اليمين)، فيما يتابع المشهد أشقاؤهما الأكبر: جاكي جاكسون ، وتيتو جاكسون، وجيرماين جاكسون

لم يكن "إد سوليفان" رجلا أمريكيا عاديا، مر مرورا عابرا على صفحات التاريخ، ولم يكن أيضا مذيعا نشطا فقط، أسهم في توسيع دائرة الترفيه على التلفزيون في بداياته، بل كان أكثر من ذلك بكثير، مهنيا وإنسانيا وروحيا.

كان ذلك في وقت تجرد فيه معظم البيض من تلك الصفات، فكانوا يعاملون السود بعنصرية مقيتة، ولا يرونهم بشرا مثلهم يساوونهم، لكن "سولفيان" خرج من كومة الكره تلك، رافضا التمييز البشري على أساس العرق واللون، ووضع كل فرد في مكانه الصحيح.

بذلك أصبح من أهم الشخصيات وأكثرها تقديرا، لا من طرف السود فقط، بل من كل شرائح المجتمع، لأنه ميز الصواب حين كان الخطأ منتشرا، فمن يكون هذا المذيع الذي قلب المفاهيم والموازين؟

الملصق الدعائي لفيلم نتفليكس "أفضل ما في الأحد" عن برنامج إد سوليفان

أفلام التمييز العنصري.. سينما تسعى للتكفير عن خطاياها

شكّلت مواضيع التمييز العنصري في السنوات الماضية مادة خصبة لأفلام كثيرة، أكثرها تنتجه شركات الإنتاج الكبرى في هوليود، لا سيما الأفلام المستندة على وقائع تاريخية حقيقية.

ومع الوقت توسعت دائرة الإنتاج أكثر، بعد ظهور منصّات العرض على شبكة الإنترنت، التي أصبحت تقصد هذه المواضيع، ولا سيما جنس الفيلم الوثائقي، مثل منصتي "أمازون برايم" و"نتفليكس" وغيرهما.

كأن السينما الأمريكية تعتذر بذلك للسود والملونين بطريقتها، وكانت قد أسهمت في إعلاء جدار الفصل العنصري، وزرع الكراهية، والانتصار لرؤى الرجل الأبيض، على مدار عقود من الزمن.

الوثائقي يكشف كيف ساهم برنامج إد سوليفان في تغيير وجه أمريكا، عبر كسر الحواجز ومنح الفنانين السود نافذة إلى ملايين المنازل، في زمنٍ لم يجرؤ فيه سوى القليلين على ذلك

لذلك باتت مواضيع الحقوق المدنية والظلم والتمييز وجرائم الكراهية، وما اتصل بهذه المواضيع، حاضرة بقوة في كل موسم تقريبا وبكل الأشكال، وقد عكس ذلك هذا الفيلم الوثائقي "أبهى حلّة.. قصة إد سوليفان غير المحكية" (Sunday Best: The Untold Story of Ed Sullivan).

المذيع الأمريكي لبرامج المنوعات إد سوليفان (1901-1974) يدخل من الظلال إلى خشبة مسرح برنامجه على قناة "سي بي إس" في نيويورك، 26 سبتمبر/أيلول 1965. استمر عرض البرنامج على القناة من عام 1948 حتى 1971

يعد هذا الفيلم من أهم وثائقيات السيرة الذاتية سنة 2025، وهو عمل من إخراج "ساشا جينكنز"، وإنتاج "كيري غوردي" و"مارغو سبيشيالي" (حفيدة إد سوليفان).ومتاح للعرض عبر منصة نتفلكيس.

إعلان

يرى فريق الفيلم حسب العرض التشويقي المصاحب له، أن  "إد سوليفان" يحطّم "الحواجز باستضافة فنانين سود في برنامجه كل أحد، ويلقي هذا الوثائقي الضوء على الإرث المناصر للمساواة، الذي صنعه هذا الرائد في عالم التلفزيون".

نشأة المودة والاختلاط في حي هارلم الفقير

مع أن الوثائقي يتناول سيرة المذيع الشهير الأبيض "إد سوليفان"، فإن سياقات سيرته ومساره المهني والإنساني، يقود إلى جرائم الكراهية، التي كان يرتكبها البيض ضد السود من أبناء الوطن الواحد، لأن اسمه ارتبط دائما بكسر القاعدة الإعلامية، التي كانت سائدة بتلك الحقبة السوداء.

لم يكن يحق للسود يومئذ أن يدخلوا أماكن البيض وفضاءاتهم، ولا يختلطون معهم، لأنهم أقل قيمة وقدرا، وذلك سلوك فج كان يمقته "سوليفان"، وكان قد وُلد سنة 1901، ونشأ في حي هارلم الشهير بمدينة نيويورك، وهو حي فقير، لكنه معروف بموسيقى الجاز والثقافة الأفريقية التي ينتجها السود بكل أشكالها وأنواعها.

ثم إنه تعلم من أبيه حب الآخر، وأن لا ينظر للبشر على أساس العرق واللون، وأن لا يكون عنصريا، لهذا نشأ طبيعيا، يحب للآخر ما يحب لنفسه.

المقدم الذي أدخل السود عوالم التلفزيون

في النصف الأول من القرن العشرين، كان المذياع سيّد المشهد الإخباري والثقافي ومجالات الترفيه، وكانت فيه نافذة يتنفس بها السود، لأن الجمهور لا يرى وجوههم، وقد أتيحت لهم تلك الفرصة من منطلق تجاري بحت.

إد سوليفان (في الوسط) مع أعضاء فرقة "ذا تمبتايشنز" Temptations، ومن اليسار: إيدي كندريكس، دينيس إدواردز، أوتيس ويليامز، وميلفن فرانكلين

مع بداية ظهور التلفزيون، كان "إد سوليفان" يعمل في الصحافة المكتوبة، ومحللا رياضيا، وعندما عرضت عليه فرصة الظهور على شاشة التلفزيون لم يمانع، لا سيما وقد تعود على تقديم الفنانين والحفلات على مسرح "برودواي".

أراد المنتجون الكبار في قناة "سي بي أس" يومئذ وجها غير متكلف، يقدم البرنامج بتلقائية، فوجدوا ضالتهم في "سوليفان"، وقد بدأ يوم 20 حزيران/ يونيو 1948، ففشل فشلا ذريعا في أول حلقة، لكنه عاد بقوة ولم ييأس.

المذيع إد سوليفان (يسار المقدمة) مع أعضاء فرقة الروك البريطانية "البيتلز"، خلال حلقة من برنامجه في نيويورك، 9 فبراير/شباط 1964.

ثم أصبح مع الوقت مقدم البرنامج الأول في أمريكا، بعد أن فتح المجالات للضيوف بيضا وسودا على السواء، برغم قوة ضغوط السلطات والمتطرفين والإعلاميين وشرائح واسعة من المجتمع.

كان ذلك بهدف منع الفنانين السود الموهوبين من المجال، أو حصرهم في أدوار ثانوية، وعدم التقرب منهم أو مصافحتهم، والابتعاد عنهم مسافة معينة، لكنه لم يستمع لهم، واختار قلبه ومهنيته وتربيته، وبذلك تجاوزوا المذياع الذي كانوا محصورين فيه، وأصبحت صورة الفنان الأسود حاضرة على الشاشة بفضله.

"لولا هؤلاء لكان التلفاز مملا في بداياته"

كان يوم الأحد مقدسا لدى العائلات الأمريكية، لأنه اليوم الذي يعرض فيه برنامج "إد سوليفان شو" على "سي بي أس"، ويجدون فصلا مهما من الترفيه والمتعة والإثارة، لا سيما من طرف الفنانين والفرق الموسيقية السوداء، وهم من دفعوا البرنامج إلى المقدمة. وفي هذا السياق قال عنهم في أحد حواراته لولا هؤلاء لكان التلفاز مملا جدا في بداياته.

فرقة الآر أند بي الأمريكية "ذا سوبريمز" (من اليسار إلى اليمين: سيندي بيردسونغ، ماري ويلسون، وديانا روس) مع المذيع إد سوليفان على خشبة المسرح في برنامج "ذا إد سوليفان شو"، نيويورك، 20 ديسمبر/كانون الأول 1969. Getty Images

لقد كانوا ذوي حس فني وثقافي عالٍ، ولم يكن "سوليفان" يستقبل إلا المواهب، ممن رأى لديهم مرجعية فنية قوية، وقد كان الظهور الأول لمعظم الفنانين السود في برنامجه يصنع مستقبلا مشرقا، وأصبح لهم صوتا فنيا يرعد في كل أنحاء أمريكا، حتى في الولايات الجنوبية التي يكثر فيها التطرف والعنصرية.

إعلان

ومن تلك الأسماء الفنان "هاري بيلافونتي"، وكان معارضا شرسا منعت السلطة ظهوره، لكن "سوليفان" استضافه رغما عنها. وكذلك الأسطورة "جيمس براون"، و"سامي دايفس جونيور"، و"وديان كارول"، و"نات كينغ كول"، و"بيري جوردي"، وفرقة "إنك سبوتس" و"لينا هورن"، حتى أن "مايكل جاكسون" ظهر في برنامجه وهو ابن 10 سنين مع إخوته، وكانوا فرقة تحمل اسم "جاكسون 5".

كما استضاف أسماء فنية كبيرة من البيض، منهم فرقة "البيتلز" الشهيرة، والفنان "ألفيس برسلي"، والقائمة طويلة لا يمكن حصرها.

كانت لتلك الأسماء -لا سيما السود- فرصة الظهور في برنامجه، ثم الشهرة وإبراز الموهبة، ولم ينسوا قط في مسارهم الفني فضله عليهم، حتى أنه نسج صداقة مع كثير منهم، وأصبح دائم التواصل معهم، فمنهم "بيري غوردي" مؤسس شركة "موتاون" للتسجيلات.

مسار مضيء ومسيرة خصبة

كان مما غيّر حياة "إد سوليفان" وترك فيه ندوبا غائرة، موت صديقه الفنان والممثل والراقص الذي يصفه بالعظيم "بيل روبينسون"، وشهرته "بوجانكلز"، وكان يومئذ الأعلى أجرا، لكنه توفي سنة 1949 فقيرا جدا، لأنه كان يرعى أهله وفرقته والفقراء، ولم يبقِ لنفسه شيئا.

لذلك أسهم "سوليفان" في تنظيم جنازة مهيبة له عند وفاته، وقد خرج الآلاف في توديعه، حتى أن الطلاب مُنحوا عطلة يوم دفنه.

لقد كان "سوليفان" ثورة ثقافية حقيقية حسب تعبير أصدقائه، فقد عاش حياة مليئة بالإثارة والإنجازات، وصنع الفرق، وقدم التأثير المطلوب لدى شريحة كبيرة من المجتمع الأمريكي.

جنازة الراقص والمغني الأمريكي بيل روبنسون، ملفوفًا بالعلم الأمريكي، نيويورك، ٢٨ نوفمبر ١٩٤٩. كان روبنسون، الملقب ببوجانجلز، أعلى فنان أمريكي من أصل أفريقي أجرًا في النصف الأول من القرن العشرين

كما أنه ساعد في تقليص دائرة التمييز العنصري، لا سيما وبرنامجه كان يشاهده 35-50 مليون مواطن أمريكي، وقد قدّمه 23 عاما، اختار فيها ضيوفه بنفسه، وقد بلغ عددهم أكثر من 10 آلاف فنان، في 1100 حلقة.

توقف البرنامج سنة 1971، ثم توفي "سوليفان" بعده بثلاث سنوات، لكن رحيله لم يطفئ شمعة اسمه المحفوظ في سجل الخلود، فقد كان رجلا محوريا مهما.

جماليات اكتشاف العادي.. فيلم يشبه بطله

كان تعدد المستويات الجمالية في الفيلم الوثائقي (أبهى حلّة: قصة إد سوليفان غير المحكيّة) واضحا، لا سيما في ضبط الإيقاع الشامل للعمل، وقد تجلى ذلك في معرفة المخرج "ساشا جينكنز" بموضوعه وتفاصيله، والاعتماد على الأشياء العادية، مثل الاستعانة بضيوف رافقوا البطل وتعاملوا معه، وتوظيف الإرث السمعي والبصري.

إد سوليفان على غلاف عدد مجلة تايم الصادر في 17 أكتوبر/تشرين الأول 1955، بريشة الفنان بوريس آرتزيباشيف

جعل ذلك المخرج يتخلى عن التعقيدات، التي كان يمكن أن تقتل الفيلم وتدفن الموضوع، لكنه عكس البساطة والعادية في العمل، وهو انسجام واضح مع بساطة الشخصية التي تناولها، فولّد الجماليات بما هو عادي.

وقد تجلت قيمة الفيلم فنيا في سلاسته، فقد استطاع المخرج أن يخلق تناغما واضحا، وتدرج في إعطاء المعلومات، ونسج الأحداث، وصنع الإثارة والتشويق، فقط عن طريق الضيوف والمادة البصرية السمعية.

لكنه أحسن توظيفها وتنسيقها، وقدّمها للجمهور تقديما جزلا مفهوما، وضعه في سياق الموضوع، الذي يظهر سهام العنصرية الواضحة المسمومة، وفي نفس الوقت يعرّف بشخصية محورية من تاريخ الشخصيات، التي صنعت الفرق بمسيرتها ومسارها وتأثيرها.

وبذلك يكون الفيلم عملا سينمائيا وثائقيا مهما، نفض الغبار عن رجل مميز في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، وسيكون وثيقة مهمة تجابه النسيان، وترد الجميل لمن أحسن للفنانين السود وقدّمهم، في زمن مليء بالكره والحقد والعنصرية المجحفة.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان