المخرج محمد ملص في الثمانين.. شغف لا يشيخ وكاميرا لا تتعب

لم يسأم محمد ملص وقد بلغ الثمانين من السينما، بل كان على العكس تماما، فهو ما انفك يحلم بتنفيذ جزء من مشاريعه المؤجلة، فأدراج مكتبه تحتشد بالأفكار والسيناريوهات الموءودة، قبل أن يخزّنها في حاسوبه خشية الضياع أو الإهمال، وإذا به يختزل مكتبته السينمائية في ذاكرة رقمية بانتظار معجزة ما.

لكن هذا الضيق وصعوبة التمويل ومتطلبات الرقابة، لم يمنعه من مراوغة الأفق المسدود. فأنجز فيلما وثائقيا بعنوان "أنا يوسف يا أبي"، مستلهما تجربة التشكيلي السوري يوسف عبدلكي، في شهادة حارّة تعمل على نبش مخزون أحد أصدقائه القدامى، أولئك الذين وشموا حقبة السبعينيات وما تلاها، بتوقيع مضاد.
على الأرجح، رغب صاحب "أحلام المدينة" أن يؤرخ لهموم جيله في المقام الأول، وأن يقبض على آخر حفنة جمر في الموقد، قبل أن تذروه الرياح، ثم يصوغ بورتريه بصريا لإحدى علاماته المتفردة.
كأن دماغ محمد ملص أصبح بكرة فيلم، لا تتوقف عن الدوران! فهو في كل أحاديثه و سجالاته وتأملاته غارق في ضجيج تلك البكرة الضخمة، يولف مما يدور في محيطه أفلاما تحت الكتابة، أو مشاهد تحتاج إلى تركيب، أو لقطات مبعثرة، قد ينسفها في التصوير بارتجالات تفرضها اللحظة المعاشة، فالنص الذي كان مقدّسا قبل التصوير، لم يعد كذلك لعين المخرج، وما كان مقدسا في التصوير، يفقد قداسته أمام جهاز العرض.

لعلها مأساة "سينما المؤلف"، التي أسسها محمد ملص في سوريا، منذ فيلمه الروائي الأول "أحلام المدينة" (1983)، الذي بات اليوم من بين أفضل 10 أفلام في تاريخ السينما العربية، وفقا لاستطلاعات أكاديمية رصينة.
سينما الظل
ينبغي أن لا ننسى الجانب الآخر من شخصية محمد ملص الفكرية، ذلك الذي نجده في كتابة مفكرات أفلامه، ومخطوطاته الروائية، وقدرته العالية على صوغ التفاصيل، في يوميات تحتشد بوقائع لافتة، قد يهملها آخرون ببساطة، لكنها ستبقى لديه "سينما الظل"، تلك التي لم تبصر النور، ولا إثم الذاكرة، وذلك بتدوينها مرّة إثر مرّة خشية فقدانها.
فهذا الرجل له وطن واحد مقدّس هو السينما "السينا.. ماء"، حسب وصفه لحالة جريان الصور، وتدفّق الأفكار، وحالة الارتواء، وذلك بتأصيل معجم سينمائي يراهن على "الخصوبة التعبيرية والوجدانية التي تتحرك على حواف التاريخ والواقع والذاكرة".

لكأنّ الكتابة فائض المادة البصرية، أو لعل السينما كانت خلاصة المادة السردية، من دون أن يتخلّى عن مزاجه التأملي والتعبيري في قراءة أعماله وتنفيذها. إنه مزاج يُبطئ حركة الواقع، أو يستبدلها بظلال شعرية، تملأ الإطار البصري بالألوان والضوء والتفاصيل.
إذا ترك محمد ملص صناعة الأفلام أو الكتابة لسبب ما، فلديه صنعة نادرة، هي التأمل والغرق في زمن الهوينى، ذلك الذي كتب عنه "ميلان كونديرا" في روايته " البطء"، فضاء التأمل والغرق والمعاينة في تكوين الصورة العصية والمشتهاة.
ولن نهمل مفردة أخرى لا تقل شأنا، ألا وهي الإصغاء إلى الآخرين بعمق نادر، وكأنه يمتصّ كل ما يدور في فلكه بشغف ورحابة وحب، ربما لإعادة تقليب التربة، وحراثتها على نحو آخر، في مراياه الشخصية المتعدّدة.
مهن جانبية على هامش الحلم السينمائي
طوال سنوات الحرب، كان المخرج السوري المحزون يمضغ الوقت المرّ في دمشق على دفعات، كأن عجلة سينماه تعطّلت إلى الأبد، فلا أفق واضح لمشاريع أفلامه المؤجلة في الأدراج.
خمسة أفلام تراكمت سنة وراء الأخرى، منذ أن عطّلت الرقابة وضغينة أصدقاء الأمس سيناريو فيلمه "سينما الدنيا" (1992)، مرورا بمشاريع أخرى لم يجد لها جهة إنتاجية، تتبنى واحدا منها، فما كان مناما سينمائيا أصبح كوابيس مرئية، تعبر من خلف زجاج المقهى، حيث اعتدنا الجلوس معا على كؤوس الشاي والقهوة المرّة وسحابات التبغ، نقتسم الضجر وفكرة اليأس وهي تنمو بأنياب وحش حول مائدة الرخام.

ومع أن اليأس قد تمكن منه، فإنه لم يتوقّف عن اختراع مهن جانبية، لطالما كانت لديه نوعا من العزاء في استعادة الزمن المنهوب، منها كتابة يومياته، ونفض الغبار عن مفكّرات سينمائية أنجزها في زمن الحماسة، وإعادة إحياء سيناريوهات مجهضة بطباعتها في كتب، كي تكون شهادة على بسالة أيام ذهبت مع الرياح، ولم ترتطم بعين العدسة.
تنطوي تلك الشهادة على حساسية رهيفة في تربية الأسى عن أفكار وتأملات وخيبات، تعتمل بالفقدان والخسارة واللحظات الوجدانية المؤثرة، لترميم المشهد بصورة مغايرة ومشتهاة.
يقول بيأس وأسى: أشعر أني في قفص يلتفُّ من حولي، وأني أحمل قفصي وأتجوّل في الشوارع، وأتشرّب صور الصمت والتوجس والحذر المغمّسة في التفاصيل.
تدشين سينما المؤلف
تكمن خصوصية تجربة المخرج الخلّاق محمد ملص بتدشينه "سينما المؤلف" سوريا، وذلك في فيلمه الروائي الأول "أحلام المدينة" (1983)، استجابة لفكرة كان أطلقها سينمائيان فرنسيان هما "ألكسندر أستروك"، و"أندريه بازان" في خمسينيات القرن العشرين.

فقد أشار "أستروك" إلى مولد سينما طليعية تحت بند "الكاميرا قلم"، وكان يرى السينما لغة مثل الأدب، وقد تلقّف الفكرة "فرانسوا تروفو" في مقالات تأصيلية بمجلة "كراسات السينما" الباريسية، التي بشّرت ببزوغ "الموجة الفرنسية الجديدة". ثم دشن المخرج المصري يوسف شاهين الموجة عربيا بأفلام تستعيد سيرته الذاتية.
يقول محمد ملص موضحا فهمه لمصطلح سينما المؤلف، كان فيلمي الروائي الأول "أحلام المدينة" مغمسا بأحاسيس الحنين للزمن الذي يتناوله، وبرؤية ذاتية لحياة عائلة، فأطلق على التجربة "سينما المؤلف"، لذا مضيتُ بمشاريعي التالية نحو سينما المؤلف. كتبتُ "الليل" مطورا نفسي بعلاقة إبداعية مع الصورة ومكانتها الوجدانية، والسيطرة على الضوء بتجريد الزمن الواقعي من واقعيته، سواء كان ليلا أو نهارا، وتنويع الأشكال الداخلية للذاكرة المحكية أو المُعاشة، متخيلة أو مشتهاة، في سرد ينهض على جمالية مختلفة للحكاية، مما قادني إلى مفهوم سينما المؤلف.
القنيطرة – دمشق وبالعكس
سرعان ما اعتنى محمد ملص بصورة المدينة وتجلياتها المتعددة، على نحو مغاير لما حقّقه سواه من أفلام مهادنة وسياحية، فحضرتْ مدينة القنيطرة أولا في فيلم روائي قصير، بوصفها فضاء جغرافيا حميما.
لم تكن القنيطرة التي يرغب باستعادتها وفقا لصورتها القديمة في ذهنه طفلا، بل القنيطرة المدمّرة بأيدي الاحتلال الإسرائيلي، لكنه سيعالجها لاحقا بمناورة مختلفة، كما سيضيء شوارع دمشق القديمة بأنوار الوحدة بين سوريا ومصر في فيلمه المهم "أحلام المدينة".

لعل أفلام محمد ملص هي الأكثر تعبيرا وثراء بصريا في تأريخ المدينة سينمائيا، في عملية تناوب بين القنيطرة مسقطَ رأس، ودمشق ملاذا حياتيا ومعرفيا وبلاغيا، لذلك ستكون نموذجا اجتماعيا أصيلا، في اختبار أطياف المدينة وتحولاتها، في مواجهة مضمرة مع الرؤية العسكرية لمهمة السينما، التي أخذت تبشّر مع مطلع الثمانينيات بجماليات الريف الساحلي، الذي تنحدر منه النخبة العسكرية الحاكمة.
كان فيلم أحلام المدينة القوس الأول المفتوح على أحوال مدينة تبدّل جلدها من انقلاب عسكري إلى آخر، وذلك برفع صورة زعيم انقلابي، وخلع صورة سلفه، ثم تجلى هذا العنف لاحقا بين الأشقاء، كما سيخرج الطفل ديب بجرح في جبينه، وهو يحاول كسر باب الحظيرة التي يختبئ فيها زوج الأم، ولكنه سيستعيد صورة دمشق الخمسينيات ببهاء، وسنشمّ عبيرها بعمق، وكأن نهر بردى لم يجف بعد.
يقول الطفل ديب مدهوشا "يا الله ما أحلى الشام يا أمي"، لكن هذه البهجة المؤقتة ستتهاوى تحت وطأة القسوة بكل أطيافها، وهي تتكشف تدريجيا.
"سلاحي الوحيد هو الكاميرا"
يرصد محمد ملص في فيلم "الليل" ذاكرة مدينة القنيطرة في مجاز مختلف، فبرسم خريطة ليل الهزيمة، لا ليبقى معلقا في نكسة الخراب، بل كي يُثبّت حكاية أب وعائلة وجماعة في جمالية صورة سينمائية، تتأرجح مع الأزمنة، وتتصادم مع التاريخ والواقع، وتساجل المعاني البهيّة للاشتغال السينمائي. وإذا بالعودة في الزمن إلى أعوام ماضية تُشبه "رحلة تنقيب في الخفايا، وحفر في التواريخ والجغرافيا والروح أيضا".

تحضر أصداء هذا الفيلم، ولكن من موقع آخر، وبتحديقة مختلفة، فيقف المخرج هذه المرّة أمام الكاميرا لا خلفها في فيلم "زمن الحياة" للمخرج حميد بن عمرة.
كان على محمد ملص أن يرتجل شيئا من هواجسه الذاتية، على خلفية فيلمه "سلّم إلى دمشق"، استجابة لسؤال وجهه له المخرج: كيف تضع نفسك في هذا الفيلم مكان الشخصيات التي صورتها؟
هكذا صعد سلّما خشبيا وصرخ: أريد فيلما.

وستكون الصرخة الثانية تعبيرا عن حلم شخصي، فكان أن صرخ: أريد حريّة.
كما قرأ نصوصا من كتابه "مذاق البلح"، عن اللحظات التي سبقت الغزو الإسرائيلي لبيروت عام 1982، الذي كان مفترقا لكوارث عربية لاحقة. وسيختتم حضوره في الفيلم بعبارة حاسمة: سلاحي الوحيد هو الكاميرا.
المخرج محمد ملص روائيا
خلافا لصورته سينمائيا، نتعرّف على محمد ملص مؤلفا، فندع السينمائي جانبا لنقتفي أثر الكاتب، وكيف طرقَ باب الكتابة؟
لطالما كان محمد يلجأ إلى الكتابة حين لا يجد فرصة الوقوف وراء الكاميرا، فيسجل يومياته، وتلك مهنة تكاد تكون نادرة عربيا. إنه مؤلف في السينما وفي الكتابة معا، وليس ذلك عن نزوة عابرة، فقد أنجز إلى اليوم نحو 7 كتب، تطوف حول مجاز الصورة قبل إظهارها إلى العلن.
بصيغة أخرى، نحن إزاء "نيغاتيف" كلمات، يختزل إغواء الصورة والكلمة بقوله: لا شيء في محرق العين إلا وأمضي به ليصبح أحرفا وكلمات.

هكذا تراكمت لديه دفاتر اليوميات والسيناريوهات الأدبية، قبل أن ترى النور في كتبٍ مطبوعة على دفعات، وقد لا يعلم قرّاء كثر أنه بدأ حياته روائيا قبل أن ينجز أيا من أفلامه الروائية، وذلك أثناء دراسته السينما في موسكو أواخر الستينيات.
وقد كتب في موسكو روايته اليتيمة "إعلانات عن مدينة كانت تعيش قبل الحرب"، وظهر فيها تأثير الروائي المصري صنع الله إبراهيم، الذي كان يشاركه غرفة واحدة، وكان منهمكا طوال الوقت في الكتابة، وإذا بالعدوى تصيب شريكه.
لم يكن بحاجة إلى اختراع فكرة لروايته، فقد هطلت عليه دفعةً واحدة الصورُ التي كان يختزنها عن مدينته القنيطرة، ثم انتظمت تدريجا في وعاء روائي، يسترشد بمنجز تيار الرواية الفرنسية الجديدة، وفي طليعته "آلان روب غرييه"، لكن هذه الرواية تأخرت في الصدور نحو 10 سنوات، لرفضها رقابيا في دمشق، وصدرت في بيروت عام 1979.
في كتابه الثاني "المنام" (1990)، لم يبتعد عن السرد الروائي في توليف منامات فلسطينيين يعيشون في المخيّمات اللبنانية، فاستثمر المادة الخام الموجودة في فيلمه الوثائقي "المنام"، وأثّث منها عالما روائيا.
ثم إنه استخدم في كتابه "الليل- سيناريو سينمائي" (2003) سجادة الحكي الروائي في أربع طبقات سردية هي: "الذاكرة المشتهاة"، و"الذاكرة المحكيّة"، و"الذاكرة المعيشة"، و"الذاكرة المتخيّلة"، في كتابة تقف على تخوم الشعر وغواية المتخيّل الروائي، لمواجهة همجية محو الذاكرة.
أما في مفكرته "الكل في مكانه، وكل شيء على ما يرام سيدي الضابط" (2003)، فيستعيد مناخات فيلم تخرّجه من معهد السينما، وكان قد كتبه بالشراكة مع صنع الله إبراهيم عن المعتقلات السياسية، وزمن جمال عبد الناصر وهزيمة حزيران، من دون أن يتخلى عن نبرته الأدبية وشغفه بالمجاز.

وقد اقتطف في كتابه "مذاق البلح" (2010) نتفا من مفكّراته في موسكو وبرلين، وبورتريهات عن بعض أصدقائه، وغرفة المونتاج، ببلاغة مشهدية تنطوي على أوقات بهجة وهزائم وخيبات.
كما أفرج عن مفكرة أخرى صدرت في كتاب بعنوان "وحشة الأبيض والأسود" (2016)، وهو تأريخ لمشاريعه السينمائية المجهضة، ومكاشفات عن أحوال الرقابة، والمناوشات بين الرقباء وسينمائيي العين البصيرة والكاميرا المفقودة.
نحن إذن إزاء حالة شغف بالكتابة، وولع بالصورة، يلتقيان في فضاء واحد، كجناحي طائر يحلق عاليا.
