"الأسود على نهر دجلة".. مدينة الموصل العراقية تبحث عن روحها بعد الدمار

بوابة حجرية تمثالان صغيران لأسدين من الحجر أيضا. هذا كل ما بقي من البيت الأثري بمدينة الموصل القديمة، التي مرّت عليها معارك مدمرة عام 2017، وخربت كثيرا من معالمها، وهي المدينة التي كانت حاضرة مهمة في العراق قرونا، وفي تلك المنطقة من الشرق الأوسط.

أصبح هذان الأسدان وحيدين بلا معنى، منذ غاب البيت الذي كانا يحرسانه، بيد أنهما سيكونان ملهمين لشخصيات عدة في الفيلم الوثائقي "الأسود على نهر دجلة" (The Lions by the River Tigris)، الذي أخرجه زردشت أحمد، وهو كردي عراقي يقيم في النرويج، ويتنقل بين العمل مراسلا في قنوات إخبارية غربية، وإخراج الأفلام الوثائقية.

يفاجئنا المخرج في هذا الفيلم الوثائقي الجديد عن المدينة، بنوعية الشخصيات والمناخات التي يمر عليها الفيلم، وتبدو بعيدة كثيرا عن التغطيات الإخبارية التي تابعها العالم أثناء سيطرة تنظيم داعش على المدينة عام 2014، ثم تحرير الحكومة العراقية لها عام 2017.

شخصيات ملهمة بين ركام الحرب

مع أن الحرب والدمار ماثلان محسوسان في كثير من وقت الفيلم، فإن هذا العمل الوثائقي هو في مجمله عن مدينة تحاول أن تجد روحها العريقة، وعن عراقيين يستذكرون ماضيهم وماضي مدينتهم الغابر، ويسعون بطرقهم لاستعادة هذا الماضي، ومنحه المكانة اللائقة في حياتهم، ورفعه قيمةً روحية مهمة.

أسود تزين باب الدار التي هدمت عن بكرة أبيها

يقول المخرج في حوار صحفي إنه تعثر بشخصيات فيلمه الوثائقي أثناء تجواله في الموصل قبل سنوات، فشدته بعمقها الإنساني وانشغالها بحفظ تراث المدينة المدمر، وسط إهمال السلطات العراقية، وتوجيه انتباه أهل المدينة لقضايا أخرى تتعلق بالحياة اليومية، فالحرص على ماضي المدينة الغابر يراه كثير من القوم ترفا كبيرا، لا سيما بعد معارك هي من أقسى ما شهده العراق.

موسيقى على أنقاض الماضي

يفتتح الفيلم زمنه بمشهد طويل يؤسس روح الفيلم العاطفية ومقارباته السينمائية، فترافق الكاميرا موسيقيين، يحملون آلاتهم وهم يمشون ببطء شديد على أنقاض منزل في المدينة القديمة.

إعلان

كانت الكاميرا تراقب رجالا في المنتصف، يرتدون بدلات رسمية، وهم يكادون يسقطون مرارا بسبب صعوبة المشي على الركام، وعندما بلغ العازفون وجهتهم بدأ عزفهم، فكان افتتاحية الفيلم العاطفية.

عزف موسيقي بين أنقاض المدينة المدمرة

يعرّف الفيلم سريعا بشخصياته الرئيسية، وهم يرتبطون بقلب المدينة القديمة بأشكال شتى، فأولهم العازف الموسيقي فاضل، الذي يرتبط بصداقة طويلة مع الشخصية الأخرى فخري الجوال، وكان ضابطا أيام الرئيس صدام حسين، وقد أنشأ بعد تحرير الموصل متحفا صغيرا في بيته، أما الشخصية الثالثة فهو بشار صالح، وهو صاحب البيت المدمر، وما زال بابه الحجري صامدا، مع أن البيت قد تدمر وضاعت ملامحه.

تتقاطع طرق الشخصيات الثلاث عبر مسارات الفيلم، ويعرّف الفيلم بشخصيات أخرى تمر سريعا، منها من يتحدث، ومنها من يمر خائفا أمام الشاشة، أثناء ارتكابه أفعالا يحاسب عليها القانون.

ينشأ صراع أو منافسة محببة للاستحواذ على الأسود الحجرية، التي تصبح رمزا للماضي ولروح المدينة المفقود، وتسعى شخصيات الفيلم لإيجادها، كل على طريقته.

هدوء بعد العاصفة تثقله آثار الصدمة

بدت شخصيات الفيلم كأنها ما زالت معلقة في حالة نفسية، متأثرة كثيرا بما حدث من أهوال في المدينة قبل سنوات، وهي تتلمس طريقها ببطء للخروج من هذه الحالة النفسية بنشاطات شتى.

فمن ذلك تجميع أغراض من الماضي، كما يفعل فخري الجوال، وعزف الموسيقى في الفضاء العام، كما يفعل الموسيقي فاضل، ومحاولة ترميم البيت القديم، وهو الانشغال الذي يهمين على يوميات بشار صالح.

الدواعش يحطمون التماثيل على أنها أصنام

ولهذه الأسباب، يرتبط الفيلم بالأحداث الجسيمة التي وقعت في المدينة، لكنه ليس فيلما مباشرا عن الحرب، مع أننا نتعثر بها في سياقاته ومشاهده، وهي حاضرة دائما لأن أكثر التصوير في قلب المدينة القديمة، التي ما زالت مدمرة إلى حد كبير، ولم يبدأ إعمارها جديا، وما يذكر الإعلام من مشاريع فيها ليس إلا فقاعات إعلامية، ربما تحاول أن تغطي على إهمال واضح.

توقفت الحرب والعنف في كل أنحاء المدينة، لكن أهلها ما زالوا يجدون آثار ما بعد الصدمة، ويتجلى ذلك في حوارات حميمية كاشفة، يجريها المخرج مع أبطاله، وأحيانا تظهرها لغة أجساد من يمرون أمام الكاميرا.

فقد بدا أنهم ما زالوا مثقلين بما جرى، وبعضهم يلقى تحديات جديدة، سببها الحرب والدمار الذي خلفته، سواء على صعيد المباني والبنى التحتية، وأيضا ما تركته في النفوس من أوجاع وألم.

البحث عن حياة ما قبل الحرب

يقضي الفيلم وقتا طويلا مع بشار صالح، وهو رجل مشرف على بلوغ الأربعين، وقد بدا أكثر شخصيات الفيلم تأثرا بالحرب وآثارها، ولا غرابة في ذلك فعندما يصل إليه الفيلم يجده مشغولا برفع أنقاض بيت عائلته الأثري، وحيدا لا يساعده أحد.

وقد بدا كمن يرفع حبة رمل من كثيب ضخم، لفداحة الخراب من حوله، فقد كان أحيانا يرفع أنقاضا متنوعة، وأحيانا أخرى كان يبحث بين الركام عن أشياء عائلته، وأحيانا كان يطارد لصوص الخردة الباحثين في ركام المدينة القديمة عن لُقى يمكن أن يبيعوها بأموال زهيدة.

الملصق الدعائي للفيلم

تتضح قيمة ما يفعله بشار، عندما منح الفيلم صورا من البيت الأثري الذي كان يسكنه مع والده المسن، الذي لجأ مع من بقي من العائلة إلى حي خارجي من الموصل.

إعلان

تظهر الصور جمال البيت العربي الأخاذ، الذي تميز بنقوشه وساحته الداخلية المفتوحة، وأبوابه المطرزة بالنقوش. وقد منحت تلك الصور طبقة من العاطفية والحزن على مشاهد بشار، بل على الفيلم كله، فالحزن البادي عليه وعلى كل شخصيات الفيلم له ما يبرره، فمدينتهم الجميلة القديمة لم تعد موجودة، وهم الآن يحاولون أن يرمموا صورا مبعثرة مدمرة منها.

بشار صالح يرفع أنقاض بيت عائلته الأثري ويجد بعض المقتنيات

لا نعرف كثيرا عن ماضي فخري الجوال، عدا أنه كان ضابطا قبل الحرب الأمريكية على العراق في 2003، ولديه صورة في زيه العسكري، ومع أن بيته لم يتدمر، فقد وجد نفسه يخصص جزءا منه لعرض مقتنيات قديمة من تراث المدينة.

بدا المتحف ردة فعل عفوية على ما وقع من تدمير للمدينة، فالحفظ نقيض الدمار، وعرض مقتنيات قديمة هو في مقابل إهمال المدينة القديمة، الذي شاهدنا جزءا منه في الفيلم.

فقد كان بعض المباني آئلا للسقوط، ولم يدفع ذلك الحال الجهات المسؤولة لمحاولة إنقاذها لقيمتها التاريخية، ولما يمكن أن يسبب سقوطها من أخطار على جيرانها.

الصراع على الأسود الحجرية

رأى المخرج زردشت أحمد في رغبة فخري الجوال بشراء الباب الحجري المزين بنقوش الأسود لحظة درامية منحت الفيلم تحولا مميزا، خففت حدة الطابع الوثائقي القاتم الذي يخيّم على العمل.

وربما كان المخرج قد شجع هذه الرغبة، مع علمه بأن صاحب البيت سيرفضها رفضا قاطعا، فما زال يأمل بإعادة بناء منزله القديم يوما ما، ويرى أن الباب الحجري -وهو آخر ما بقي منه- يمثل هوية البيت وروحه. ومع ذلك، يستمر جامع التحف في محاولاته لإقناع الرجل ببيعه، لكنه يتلقى الرد ذاته في كل مرة.

أراد فخري الجوال أن يكون الباب الحجري مدخل متحفه الصغير، وربما لم يفكر كثيرا بقيمة الباب العاطفية لأصحاب البيت، فلما يئس من شرائه طلب خبيرا تقنيا أن يصنع له بابا مثله، فأخذ صورا عدة منه في سبيل ذلك. وذلك يمنح الفيلم نهاية مرضية، فقد نال الرجلان ما يريدان.

المخرج زردشت أحمد أثناء التصوير

يجد المخرج مدخلا للحديث عن أحوال مدينة عريقة، كانت ساحة لمعارك ضارية، ويتناول بسينمائية مؤثرة -خالية من الشعارات والعاطفة الزائدة- ما فعله العنف بالمدينة والناس، لكنه جعل العنف خلفية فقط ليوميات شخصيات تحاول أن تتعايش مع واقع المدينة بعد الحرب.

يشحن الفيلم أحداثه ونهايته بكثير من الأمل، فمن ذلك ما يصدر من الشخصيات الرئيسية، ورغبتها في البقاء، واستعادة الجمال السالف، وأيضا من الناس الآخرين الذين مروا في الفيلم، يبنون المدينة على مهل، ويعيدون نفخ الحياة فيها.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان