فيلم "F1".. يجسد براد بيت دور نجم فورمولا 1 سابق "تقدم به العمر" ليصبح "مرتزقاً" في عالم سباقات السيارات

النجم الستيني براد بيت يجسد شخصية سوني هايز، سائقاً فائق البرودة فقد بوصلته بعد حادث شبه قاتل قبل ثلاثين عاما، ثم لملم شتاته عقب مرحلة تيه عمل خلالها مقامرا محترفا وسائق تاكسي في نيويورك. واليوم يتنقل بعربة تخييمه من حلبة الى اخرى، ويسجل اسمه في اي سباق يلوح امامه

بعض المخرجين بارعون في إعادة خلق نموذج عتيق ذي حبكة مستهلكة، لكن بإضافات تقنية أو بصريّة تصنع بعدا جديدا للحدث الاعتيادي، بحيث تتحرك قيمة الحكاية الحقيقية من حرفة الكتابة والتأسيس والبناء المنهجي للشخصيات والعالم، وتتجه أكثر إلى التكوين البصري الذي يحفّز لحظات سينمائية حقيقية.

تتجاوز تلك اللحظات الظهور المعتاد للذروة في التكوينات الأكثر كلاسيكية، كأن الفيلم كله ذروة سينمائية، فأزيز الإطارات واندفاع المركبات وتنافسية السباقات إلى جانب الموسيقى الحماسية في الخلفية؛ تسفر عن موجة أدرينالين لا متناهية.

ساعتان ونصف من الترقب واللهاث خلف سيارات الفورمولا بلا توقف في فيلم "أف ون" (F1)، فالمخرج "جوزيف كوسينسكي" يصنع فيلما في حلبة السباق، وذلك أشبه بإعلان ممول لسباقات الفورمولا، لا رسم حقيقي للشخصيات ولا سيما الثانوية منها، ولا حبكة استثنائية، بل كل ما يفعل "كوسينسكي" هو الانغماس الكامل في عالم السباقات، وخلق اللحظات السينمائية، كأن الفيلم كله سباق واحد ممتد لا ينتهي؟

ذروة مستمرة حتى اللحظة الأخيرة، يمكن أن تعتمد في إنتاجها على بطل يدمن السرعة، موهبة كهلة اختفت بنفس سرعة ظهورها، إنه "سوني هيز" في محاولة لإعادته للحلبة، من أجل إنقاذ فريق يوشك أن ينحل ويفلس، هذه حبكة الفيلم؛ البطل العائد من الموت يحاول إنقاذ فريق يلفظ أنفاسه الأخيرة.

العائد إلى الحلبة.. أرنب يخرج من قبعة الساحر

إن أقرب تشبيه يصف الفيلم هو خدعة الأرنب الذي يخرج من قبعة الساحر، ففي كل مرة سيقف الطفل بنفس الترقب، ليرى الأرنب يخرج من القبعة، ويصفق بنفس الحرارة، ولكنه لن يهتم بما وراء الخدعة، كل ما يود رؤيته هو اللحظة السينمائية التي يخرج فيها الأرنب من القبعة.

ذلك ما يوفره الفيلم للجمهور، ولكن قبعة "كوسينسكي" لا تنطوي على أرنب، بل يخرج من بين طيّاتها الممثل "براد بيت"، يقود سيارة فورمولا بسرعة 270 كيلومترا في الساعة، في مواجهة سائقي فورمولا محترفين، هم الأعظم على حلبة السباق، منهم الإنجليزي "لويس هاملتون"، الذي شارك في إنتاج الفيلم.

"براد بيت" في دور "سوني هيز" بطل سباق الفورميلا

الجدير بالذكر أننا على مدار ساعتين ونصف، نرى "سوني هيز" (الممثل براد بيت) يخرج من قبعة المخرج، ولكننا لا نمل ولا نفقد شعورنا بالاهتمام، بل نجلس مترقبين نفس الخدعة في سباق جديد، حتى تصبح ماهية السباق أكثر من تنافس على خط النهاية.

إعلان

يطور المخرج بتلك الحيلة حالة عاطفية، وشعورا استثنائيا يتموضع في لحظة ذات سرد بصري حساس تتجاوز الإبداع التقني؛ إنها لحظة يطير فيها سائق الفورمولا، ويطير معه الجمهور في انفجار شعوري وحميمي اتجاه البطل وسيارته ورياضة الفورمولا عموما.

ينجح الفيلم وهلة في الانفلات من كونه دراما رياضية معتادة تعتمد على التفوق التقني؛ بتخليق لحظة سينمائية تحمل ثقلا شعوريا هائلا، يلخص بها علاقة "هايز" مع عالمه، ويحكي عن رجل تجاوزه الزمن، لكنه لا يزال مهوسا بالسرعة.

ليس "سوني هايز" مجرد سائق عائد، بل استعارة مجازية عن مقاومة الزمن، اللحظة التي يعود فيها إلى سباقات الفورمولا هي تجسيد لرجل فقد الشغف اتجاه كل شيء في حياته، إلا رغبة السرعة، والسرعة هنا هي مرادف للتحرر والانفلات من كل الخيبات التي أصابته.

حلبة سباق بطلها الصورة لا القصة

سباقات الفورمولا لدى "سوني" هي أشبه بنزوة شبابية، لرجل لم يعد يحسن الحياة خارج لحظة الانطلاق، والجدير بالذكر أن المخرج "كوسينسكي" لا يحاول صنع فيلم درامي معتاد -مع أن حبكته باهتة ومتوقعة على مستوى الكتابة- بل يبني صرحا بصريا مذهلا.

فيعتمد على كاميرات حقيقية مثبتة داخل السيارات، وتصوير مباشر للحلبات، وكاد ينبذ المؤثرات الصناعية كلها، في محاولة لإعادة الاعتبار للواقع السينمائي، بحيث لا يخدع المشاهد بل يغمسه داخل السباق، فيضعه في مقعد السائق، ويمنحه فرصة أن ينخرط كليا في التجربة، أن يرى المضمار ويسمع أزيز الإطارات وهو في الداخل، وليس على مسافة من الحدث.

"دامسون إدريس"، سائق جامح يتحول بسرعة من منافس إلى تابع

ذلك ما يجعل الفيلم تجربة سينمائية فريدة من نوعها، ولكن حرفيته الفائقة تخفي خللا سرديا لا يمكن إنكاره، إذ يقع تدريجيا في فخ الحبكة النمطية، لأنه ينطوي على نمطيات معروفة، فأكثر الشخصيات بأشكالهم وخطوطهم الدرامية شخصيات نمطية.

فمن ذلك البطل العائد، والفريق المفلس، والمتسابق الشاب الذي يتحوّل من ندّ إلى حليف، والمرأة التي تلم شتات الفريق، والمدير المتغطرس، والصراع مع الفريق المنافس الذي يملك المال والخبرة، كلها عناصر مألوفة حد الابتذال، شاهدناها في أفلام سابقة معروفة منها "رش" (Rush)، و"فيراري في مقابل فورد" (Ford VS Ferrari).

ولكن الفرق أن تلك الأفلام قد اهتمت أكثر بصقل الشخصيات، ومنحها عمقا نفسيا يوازي الجانب التشويقي والتقني، أما فيلم "أف ون" (F1) الذي بين أيدينا، فيميل غالبا نحو العرض الخارجي، أكثر من الغوص في دواخل الشخصيات، كأنه يبني لشخصية واحدة؛ هي شخصية السباق ذاته، الحلبة نفسها، السيارة وحدها.

ضجيج السباق يخفي هشاشة البناء الدرامي

قدم "براد بيت" أداء مميزا كعادته، وحاول إضفاء عاطفة على الشخصية، فشدّت العلاقة بينه وبين الشخصيات الأخرى، إلا أن الشخصية تبقى محدودة في مداها العاطفي، مبتورة بلا تاريخ حقيقي، اللهم إلا لمحات من الماضي، تنطوي على حادثة أليمة، قضت على مستقبل البطل متسابقا محترفا.

لكننا لا نعرف كثيرا عن لحظة الانهيار الأولى الذي يصورها المخرج، كخفقات وكوابيس في منامات "سوني هيز"، ولا نعرف طبيعة علاقته مع الفريق أو العالم خارج المضمار، بل يحيطه غموض وهشاشة على مستوى التكوين؛ ليس غموضا قصديا مرتبا له يمكن أن يمنح الشخصية كثافة، بل هو أقرب إلى خلل في البناء الدرامي.

"براد بيت" يقود سيارة فورمولا بسرعة 270 كيلومترا في الساعة

وكذلك شخصية "جوشوا بيرس" (الممثل دامسون إدريس)، وهو سائق جامح يتحول بسرعة من منافس إلى تابع، ولا يمنحنا فرصة حقيقية لتفكيك التوتر بينه وبين "هايز"، أو حتى البناء على ذلك التوتر.

إعلان

ولكن "بيرس" يكسر بسهولة في صورة حادثة مأساوية، فالعلاقة بينهما كانت أرضا خصبة لتحريك الدراما الداخلية، ولكنها انحسرت في خطب مكررة حول التعاون والثقة والإرث، وكأن الفيلم لا يثق بمشاعره ليتركها تتطور بحرية، بل يلتزم أكثر بالحلبة، ويطور شخصيتها بنفس سرعة انطلاق سياراته، دون أن يمنحها الوقت الكافي للتخمر.

وبطبيعة الحال، لم يمنح الفيلم شخصيته النسائية المساحة الكافية، مع أنه حاول منح شخصية "كيت" (كيري كوندون) أبعادا قيادية، فجعلها مديرة للفريق ومسؤولة عن تطور المركبات، لكنها ظلت عالقة في صورة نمطية للمرأة القوية والسطحية بلا عمق حقيقي.

سرعة المضمار.. مرآة تعكس دواخل الذات البشرية

برغم كل الهنات، لا يمكن إنكار أن فيلم "أف ون" تجربة حسية فريدة، وجرعة أدرينالين هائلة، فالجهد المبذول والكلفة الإنتاجية المنفقة لإخراج مد بصري هائل لا يمكن إغفالها.

ناهيك عن الاهتمام بالصوت واختيارات الأغاني، وتتابعات السباق، وحتى مشاهد التباطؤ في التصوير، فكلها تظهر قدرة "كوسينسكي" على تطويع الوسيط السينمائي، لخدمة فكرة السرعة وجودا لا مجرد حركة.

"براد بيت" رفقة المخرج "جوزيف كوسينسكي"

ففي أحد المشاهد، يتوقف الزمن في المنعطف، وتركّز الكاميرا على عين السائق، فالعرق يسيل، واليد تشد على المقود، في لحظة تعبيرية خالصة، تظهر أن الحلبة ليست ميدانا فحسب، بل مرآة للداخل.

في ذلك المشهد يصبح مضمار السباق رمزا، ونموذجا مجازيا مليئا بالاستعارات، لأن خط النهاية هنا ليس موجودا، كل ما يمكن فعله هو الاندفاع للأمام فقط، والطيران دون النظر للخلف.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان