"سوخو".. وريث رجل العصابات الذي أُهدر دمه طفلا في المسكيك

فعل الولادة فعل خلق مضاد للمحو، فيه احتفاء بالحياة وامتداد للوجود، ولكن حين يولد طفل لأب من السيكاريو -العصابات المكسيكية- ربما تصبح الولادة مرادفا للموت، فهو يولد وبين حاجبيه رصاصة، وفوق كتفيه ثقل العائلة وميراث الجريمة، إنه مشروع حياة انتهت قبل بدايتها، فالخوف يميت المرء كل يوم.

في فيلم "سوخو" (Sujo)، لا نملك إلا متابعة المسار الخطي من حياة البطل، فننجرف في تيار طويل من القلق وصراع الهوية ومعاندة القدر، فقد نشأ "سوخو" في رحم العنف، لكنه لم يخلق ليمارسه، بل ليراقبه ويكبته، ويصير في حضرته تجسيدا هشّا لفكرة الذنب الموروث، لا الذنب المرتكب.

عُرض الفيلم عرضه الأول في يناير/ كانون الثاني 2024 بمهرجان صندانس الأمريكي، وقد أخرجته وكتبته المخرجتان "فرناندا فالاديز" و"أستريد رونديرو"، وأدى دور البطولة فيه الممثل "خوان خيسوس فاريلا"، وهو من إنتاج مكسيكي أمريكي فرنسي.

موت يلاحق أبناء العصابات خشية الانتقام

منذ لحظاته الأولى ينطلق الفيلم على مسافة من العنف، هذا كل ما يمكن ملاحظته من الافتتاحية، فتلقي بنا الكاتبتان في خضم الأشياء، بلا تمهيد واضح، بيد أن عدم التمهيد هو في حد ذاته تأسيس للعالم، والبقاء على مسافة من العنف لا يعني أننا لسنا منخرطين في العنف، ولكننا نتماس أكثر مع نتائجه.

فالشخصية الأساسية "سوخو" (الممثل خوان جيسوس فاريلا) هو مخاض عالم شديد القسوة، عالم لم يختره ولكنه لا أيضا يستطيع الفرار منه، فوالده رجل عصابات معروف في المنطقة، وقد قُتل في مستهل الحكاية.

ولكن العنف بين العصابات في المكسيك لا ينتهي عند الفرد، بل يتجاوزه نحو العائلة، فأصبح "سوخو" مهددا بالقتل وهو ابن 4 سنوات، ذلك لأنه سيكبر فيفكر بالثأر، ويصبح خطرا حقيقيا يهدد قاتل والده، ثم تبدأ دائرة عنف لا نهاية لها، يُقتل رجال فيكبر آخرون ليقتلوا ثم يُقتلوا، وهكذا تسير الحياة في حلقة مفرغة.

الملصق الدعائي لفيلم "سوخو"

هذا ما تشير إليه المخرجتان في ثلث الفيلم الأول، فيشدك إلى العالم ببطء، حتى تقف في المنتصف تائها، والمفارقة أن هذا التيه ليس عبثا، بل انعكاسا مباشرا للحالة النفسية التي يعيشها "سوخو"، الطفل الذي ولده أب قاتل، في مجتمع يقدّس الثأر، ويجعل الضحية مجرما، فقط لأن الدم لا يغتَفر، حتى لو لم يُرَق على يديه.

صراع داخلي يشكل ملامح تطور الشخصية

يتكون الفيلم من أربعة فصول، كل منها يمثّل انتقالا في الزمن، وتطورا في الشخصية، من الطفولة إلى المراهقة الخطرة، ثم الشباب، والفصول لا تمثل كونها نقاطا زمانية أو مكانية، بقدر ما تؤطر تطور الشخصية، فالعالم من حول "سوخو" لا يتغير بالقدر الذي يؤسس ظرفا مكانيا لافتا، فنحن لا نشعر بتغير العالم، حتى مع انتقاله للمدينة، ولكننا نلمس التغيرات الطفيفة في كينونته.

إعلان

فالعنف حاضر في كل أزمنة العالم وأمكنته، ولكنه يأخذ شكلا مختلفا أو سياقا آخر، كأن العنف يلاحقه، كقدر لا يمكن الافلات من قبضته، فنتابع تدهور الشخصية وإعادة تشكيلها بمعان وخواص ومبادئ أخرى في كل فصل، وهذا الصراع البارد بين الانهيار والتشكل، يجسد صراعا داخليا للفتى مع نفسه، وصراعا خارجيا مع العالم.

الطفل “سوخو” مهدور الدم بلا ذنب اقترفه

تمنحنا حركة السرد البطيئة زمنا لإدراك قواعد العالم، ومدى ارتكازه على العنف، ولكن على الجبهة الأخرى تظهر لنا شخصية مضادة، ألا وهي العمّة "نيميسيا" (الممثلة ياديرا بيريز) التي تتبدى في هيئة المخلّص السماوي، حتى سماتها الشخصية ملتبسة وملفوفة بالغموض، فهي تعيش فوق الجبل منعزلة، وتتقاطع أحلامها مع رؤى أشبه بالرؤى والنبوءات.

رحلة إلى عالم منعزل ذي قيم حميدة

تظهر "نيميسيا" لتنقذ ابن أخيها من شبح الموت الذي يطارده، وتضع حياتها على المحك لكسر سلسلة الدم، ولكن الموقف الإلهي لا يتوقف عند الفعل، بل تتبعه أفعال أخرى ترسم إطارا يجب أن يتوجه إليه الصغير الذي بُعث للتو من الموت، وعلى كليهما أن ينقطع عن المدينة ورؤية العالم الخارجي، وأن يكتفي بالجبل والكوخ الخشبي وكوب الحليب.

خلق ذلك النزوع نحو العزلة عالما موازيا أكثر سلاما، لكنه ليس أصغر من مخيلة الشاب وجموحه المراهق، فكان عليه أن ينطلق ليستكشف هذا العالم عند نقطة زمنية معينة، بيد أن كوخ عمّته ربّى داخله منظورا مغايرا نحو العالم، لقد قوّمه الجبل بطريقة مختلفة بعيدة من العنف، نواتها الصبر والهدوء والعزلة، لذلك حين حاول إثبات نفسه رجل عصابات لم يستطع الانسلاخ عن جلده، بصفته إنسانا يكره العنف.

"سوخو" في كوخ عمته بعيدا عن عيون رجال العصابات

نرى ذلك الصراع غير الواعي بين "سوخو" وبين العالم، بين شخصيته المسالمة والخجولة وسلسلة العنف التي تشمله في كل مكان، وذلك النوع من الصراع المجازي يمنح سردية الفيلم ثقلا مضاعفا، لا سيما بعد انتقاله إلى المدينة، وحيدا لا يعرف إلا العمل المقتصر على الجهد البدني.

لكن العالم الموازي الذي نشأ فيه، قد منحه الزمن الذي لا تمنحه المدينة لأبنائها، ومنحه الوقت ليفكر ويتأمل، ويطرح أسئلة لا نعرف عنها شيئا، ولكنها تتبدى في مخيلتنا حينما نرى أعماله المائلة للسلام.

أعوام الجبل.. بصمات البيئة على ثنايا الشخصية

يعد نصف الفيلم الأول مكانيا، له خصوصية بيئية، استخدمت المخرجتان فيه لغة بصرية، تظهر براعة في قراءة المكان، واتخاذه طبقة من طبقات السرد لا تنفصل عن الشخصيات والدوافع، فالجبل بطرقاته الترابية ومنازله المصنوعة من الحجر والخشب ليس محايدا، بل هو امتداد لصراع الشخصيات.

ويمكن توصيف الجبل هنا بوصفه كيانا أخلاقيا، إلى جانب النمط البصري التي تستخدمه المخرجتان، فالكاميرا الثابتة تراقب ولا تتورط، وترصد أكثر مما تأخذ موقفا حقيقيا، بل تفضل أن تأخذ مسافة من العنف، لكنها لا تخجل من الاقتراب من الشخصيات في أكثر أوضاعهم حساسية، ومع ذلك لا تنزع نحو أن تكون خبرية بل شعورية.

الشاب "سوخو" في حيرة بين حياة السلام والحرب

يفضل الفيلم الابتعاد عن الوصم والمواجهات غير الضرورية، فلا يشرح ولا يعلق، بل يتجاوز الفكرة الخطابية المباشرة، فينزع نحو نهاية مفتوحة على كل التأويلات الممكنة، يتوقف عند نقطة تحوم في الاحتمالات.

إعلان

القصة ذاتها ليست عن مواجهة بين الخير والشر، بل تتوجه أكثر إلى دراسة حالة البطل، ورصد مجتمعات تصنع الوحوش، ثم تخشاها، مجتمعات تخاف من ظلها، ولكنها ترفض الحركة بعيدا عن الشمس، أو حتى توجيه رأسها للضوء، لتحمّل أبناءها تبعات الجريمة الأولى، الخطيئة الأولى التي لا يمكن محوها، فيصبح مرآة واتهاما صامتا لكل بنية تعيد إنتاج العنف باسم الشرف أو الأسرة، أو الذكورة الموروثة.

بحث عن الحياة تحت أعباء إرث ثقيل

كل شيء في فيلم "سوخو" هو موروث، الدم والخوف والذنب، لذلك فالفيلم لا يسعى لإنتاج سردية تراقب تطور الشخصية ونجاحها في الفرار، بل يميل ناحية استحالة النمو حين يكون الأصل نفسه معطوبا، فالطفولة لا تؤخذ نموذجا حياديا، بل صراعا بين الوجود والعدم، تبدأ فيها الهشاشة تتكون، لا سيما مع الحاجة الماسة للاندماج داخل المجتمع، فتصبح في حالة "سوخو" آلية دفاعية تجسدها العزلة المتعمدة.

هل تجعل الحياة "سوخو" رجل عصابات مجرما؟

في كثير من الأحيان نشعر أن "سوخو" يسير في عالم غير عالمه، لكنه لا يحسن التملص منه، لا يعرف ما يريد ابتداء، لا يريد أن يثور أو ينتقم، وفي نفس الوقت لا يود الفرار، فنستسلم للتقلبات التي تحدث في داخله بحزن مرسوم لا يبارحه، فقط ليجد وضعية مريحة.

والشيء الوحيد الأكيد في الفيلم هو أن "سوخو" يريد الحياة، أن يعيش فقط، لذلك فالنهاية المفتوحة تسمح بمساحة لامتداد القصة، واستمرارها بداخلنا، كأن "سوخو" طفل خلق عالقا في المنتصف بين كل شيء.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان