الفيلم الوثائقي "تاجماعث": نظام قبائلي أمازيغي، يدير الحياة في شمال الجزائر

حين اشتدت الحاجة، وأصبحت مصلحة الجماعة في مقدمة الأولويات، لجأ سكان بعض قرى شمال إفريقيا وقبائلها إلى الحكمة، ففي لحظات التحول الحاسمة، ابتكروا أحكاما غير مكتوبة، وأنشؤوا أنظمة اجتماعية أداروا بها شؤونهم، وعززوا بها تماسكهم الداخلي في مواجهة التغيرات، مهما بلغت حدتها.
من هذا الواقع وُلدت تجارب إنسانية اجتماعية راسخة، تناقلها الناس عبر المجالس الشفوية، حتى استقرت في الذاكرة الجمعية مرجعا عمليا وأخلاقيا، وقد منحها رضى الجماعة ونجاعتها الملموسة شرعية متجددة، جعلتها قادرة على حفظ الحقوق، وفض النزاعات ضمن أطر محلية متماسكة، ولم يكن ذلك وليد صدفة، بل ثمرة وعي يرى التشاور ضرورة، واتحاد الجماعة قوة.
بهذا المنطق، نشأت "تاجماعث" الجزائرية، لا جهازا إداريا جامدا، بل روحا حية تنظم الحياة اليومية، ويتردد صداها في تفاصيل العيش المشترك، من مجالس الصلح إلى تقاسم العمل والماء ومبادرات التكافل.
ففي هذا الفضاء تبنى الشرعية بالصوت الهادئ، وتقاس الحكمة بقدرة الفرد على الاندماج في جماعته، وبإجادته الإصغاء لا فرض الرأي، فنظام "تاجماعث" ليس مجرد إرث إنساني، بل تصور حي في إدارة شؤون الجماعة، أقرب إلى فن الحياة منه إلى القانون.
ولهذا لم يكن غريبا أن تظل هذه الأنظمة ثابتة برغم تقلبات الزمن، صامدة في وجه محاولات الطمس، من الاعتراف الضمني في الحقبة العثمانية، إلى التهميش في عهد الاستعمار الفرنسي، محافظة على مكانتها آليةً جماعية تمنح الأفراد والمجتمعات أسباب الانسجام، ومقومات الصمود.
من إرث القبيلة إلى سؤال العصر
يبني وثائقي "تاجماعث المدينة المزدهرة" للمخرج سفيان حرقوس سرده على أسئلة لا تكتفي بتحريك الحبكة، بل تدفع المشاهد لمساءلة الواقع وتأمل بعض تحولاته، عن مدى قدرة نظام "تاجماعث" على الاستمرار، وهل استمراريته مرهونة بحجم تكيفه مع تحولات المجتمع الذي يحيا فيه، وهل لا يزال الانتماء الجمعي صالحا في مواجهة الفردانية التي تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية؟ وما الذي تغير اليوم، الأفراد أم النظام؟
يحاول العمل تسليط الضوء على نظام قوي، هدده الزوال في بعض القرى، وعاد حيا متجددا وملهما في أماكن أخرى، رأت فيه تماسكا وصلاحا، وعلى امتداد 45 دقيقة، يتخذ الوثائقي القصص أداة لتفكيك البنية الداخلية للمجتمع، متتبعا تحولات الأفراد من الداخل، لا بالتنظير بل بثلاث حكايات واقعية من قرى تتقاطع عند مجلس "تاجماعث"، حيث تؤسس العدالة على المشاركة والتوافق، لا على السلطة.
في قرية "إغيل أمسيد" بولاية بجاية، يختبر المجتمع غياب نظام "تاجماعث"، ثم يكتشف لاحقا أن العودة إليه ليست حنينا، بل ضرورة لاستعادة التوازن، هنا يظهر النظام ركيزة لا غنى عنها في البنية الاجتماعية، فالتجربة تؤكد أن غيابه يحدث فراغا لا يملأ إلا بإحيائه.

أما في قرية "حرة" بآيث يجار (ولاية تيزي وزو)، فالرؤية تبدو أكثر تطورا، إذ يعاد تشكيل النظام ليتلاءم مع تحولات العصر ومتطلباته، لتحقيق التوازن بين الإرث والمستقبل، وفي هذه التجربة توصلت القرية إلى تنويع مصادر دخلها، وتعاونت مع المؤسسات الحكومية، وأسهم السكان وأبناء الجالية في مشاريع التنمية وتمويلها، مما يعكس قدرة المجتمعات العتيقة على التكيف والتطور، مع الحفاظ على هويتها ونظامها.
تبلغ الرحلة ذروتها في قرية "أزرو آث قولال" بأعالي جرجرة، حيث تصبح "تاجماعث" طوق نجاة في الأزمات، من جائحة دهمت بلا إنذار، إلى حرائق مهلكة اجتاحت القرى والسكان.
حين تطرق النساء باب المجلس
وسط هذا الواقع المربك، أعاد "تاجماعث" تنظيم قوافل الإمداد والإغاثة، وكان نقطة انطلاق لإعادة الإعمار، لا أنها مجرد بنية تنظيمية، بل روح جماعية ووعي جمعي، يتجدد في لحظات الحسم، وفي خضم اليقظة التي فرضتها الأزمات، وحين استعاد النظام روحه من جديد، تقدمت المرأة على استحياء، نحو أحد مجالس "تاجماعث"، المحاطة برجالها وأعيانها.
في البدء كانت نظرات الأعراف تشكل قلقا خفيا، فالنساء كن لا يلتقين إلا في الأفراح أو عند الساقية، كما تروي إحدى العجائز، فلم يكن حضورهن في المجلس مسموحا ولا مطروحا من قبل، ولطالما بقيت قراراته حكرا على الرجال، واستمرت المسائل شورى بينهم، لكن إيمان المرأة بضرورة إسعاف قريتها في مصابها دفعها للمضي قدما.

خطوة تلو الأخرى، تتقدم وتتراجع، ثم قابلها الأعضاء بترحيب مفاجئ وقبول واعتراف، حينها صار للمجلس وجه جديد، يحفظ فيه للمرأة موضع وقول يسمع، هذا التحول الذي حمل في طياته تحديا وانفتاحا، جسدته الأستاذة الجامعية "كهينة قاسي وعلي"، والمحامية والناشطة الحقوقية "نصيرة حدوش" صاحبة المبادرة، التي قالت: المرأة لم تكن غائبة إقصاءً، بل لأن حضورها لم يطرح ببساطة من قبل.
حديث بين زمنين وشهادات من الداخل
يتسلل الصوت السردي بين القصص، ويتنقل بين القرى، ويعيش على وقع الحنين والذكريات، فيضفي بعدا تأمليا يشبه رحلة مغترب يعود إلى "إغيل أمسيد"، بحثا عن جذوره وكنز أجداده، وبلسانه الأمازيغي يرسم العائد إلى مسقط رأسه إطارا جغرافيا وامتدادا تاريخيا للأمازيغ، وهم سكان شمال أفريقيا الأصليون.
ثم ينطلق بهدوء في طرح أسئلة عن أمجاد نظام "تاجماعث" ولا يستعجل الرد، تاركا للمتلقي مساحة للتعرف على تركيبة الأفراد، وعلاقتهم بهويتهم وذاكرتهم الجماعية، المشبعة بقصص النضال والتحرر، واكتشاف دور النظام الذي يمثل الديمقراطية المحلية، من حيث التسيير والتنظيم وتأمين التماسك الاجتماعي.
وفي قلب القرى التي تحتضن أشجار التين والزيتون، حيث تتوفر ضروريات العيش وكمالياته، تنبض الحياة بإيقاع هادئ، يحاكي بساطة المكان وساكنيه، في قرية "إغيل أمسيد" ما زال صدى الذكريات يتردد بين الأحياء، حين كان صوت البراح يدعو الناس لجني الزيتون، ويتأهب الرجال لموسم الحرث، وينشغل الناس بالزراعة وتربية المواشي، وتبدع النساء في فن النسيج.

كانت الحياة تبدأ مع أول خيوط الفجر، وتظل في حركة دؤوبة، حتى يغشى الليل المكان، فلا تهدأ إلا حين يستسلم الجميع لسكونه، ويخلد البدن والروح للراحة، لكن الزمن كما يفعل دائما، يعيد ترتيب المشاهد، ويبعث الحنين الذكريات، فيخضع قصصا كثيرة لمقارنة الأمس باليوم.
فلم تعد القرية كما وصفها كبارها في الحكايات، بل أصبحت اللقاءات فيها مناسبات متفرقة -بشهادة الناشط الجمعوي أعماروش صغير- ولم يعد يجتمع الناس إلا لضرورة قصوى، في وجه أزمة أو مشكلة طارئة.
قد يبدو ذلك التحول طبيعيا في بعض المجتمعات، لكنه في قرى منطقة القبائل يغترب عن جوهر "تاجماعث"، التي تؤمن بأن الاجتماع مسؤولية لا مناسبة عابرة، وبأن الرابط الجماعي إيقاع يجب أن لا ينقطع.
نظام اجتماعي جذب اهتمام المفكرين والكتاب
يذكر الوثائقي في بدايته أن نظام "تاجماعث" كتب عنه مفكرون بارزون، منهم "كارل ماركس"، و"روزا لوكسمبورغ"، و"إيميل دور كايم"، كما أن دراسة هذا النموذج حتى اليوم يؤكد أنه ليس مجرد إرث أو تراث إنساني عتيق، بل نظام متجدد يعاد اكتشافه في كل مرحلة تاريخية، حتى العادات المتجذرة في منطقة القبائل كانت محور اهتمام الباحثين منذ قرون.
فقد تناول الكاتبان "أدولف هانوتو" و"أريستيد لوتورنو" في عام 1893 مظاهر الحياة الاجتماعية في المنطقة، عبر دراسة من ثلاثة أجزاء بعنوان "منطقة القبائل والأعراف".
وشكلت دراسة "إيميل مسكوراي" سنة 1886 مرجعا جامعا للحياة الاجتماعية والتاريخية في منطقة القبائل، وفتحت المجال لدراسات أنثروبولوجية أخرى، لا سيما أنها تناولت ظهور الجماعات الحضرية في منطقتي الأوراس والقبائل ووادي مزاب.
ثم قدم "كامبردون هاكون" عام 1921 دراسة تحليلية لبعض الأعراف والتقاليد الراسخة لدى السكان المحليين، ولا تزال خصوصيات هذه المجتمعات وأنظمتها وأعرافها محل دراسة إلى اليوم.
قضايا مسكوت عنها في مجتمع الجسد الواحد
لم يقترب المخرج سفيان حرقوس من نظام "تاجماعث" مباشرة، بل مهّد له أولا بترسيخ العلاقة العميقة بين الناس وهويتهم وثقافتهم الأمازيغية، ولم يكتف أيضا بعرض فكرة الذاكرة الجمعية بهذا النظام، بل استثمر في اللقطات العلوية المتكررة من القرى والبيوت، التي بدت متشابكة يشد بعضها بعضا كالجسد الواحد المتماسك.
فتلك البيوت تشبه كثيرا نسيج العلاقات القديمة بين الناس، كأنها انعكاس بصري للعلاقات الاجتماعية المرجوة، بهذا التوظيف البصري لم تكن القرية مجرد خلفية أو تأثيث عابر، بل أصبحت شخصية حية ناطقة، تشكل القلب النابض الذي يحتفظ بمظاهر التلاحم والتكافل الاجتماعي، فبدا ظهور القرى المتكرر عند مدخل كل مشهد كأنه إعلان رمزي عن الدخول إلى عالم مغلق، تحكمه قواعده وأعرافه.
يركز الفيلم على ضرورة استعادة بعض القرى لهذا التنظيم، ولكنه لم يتوقف كثيرا عند الأسباب التي دفعتها إلى التخلي عنه، مع ما له من فوائد راكمها عبر قرون، كما غابت عن الفيلم تفاصيل بنية النظام، من حيث مهام أعضائه، وقوانينه العرفية والعقوبات القبلية الصارمة في حال عدم التزام الناس بقرار المجلس أو المجمع، وطريقة تزكية "الأمين" وشروط اختيار "الطمان" أو المساعد، ومصادر القانون وأبرزها الشريعة الإسلامية والعادات.
وكذلك بعض الطقوس والآليات الجماعية، التي يشرف عليها، وأشهرها "التويزة" و"الوزيعة" أو "تيمشرط"، وهي صدقة عامة يُنحر فيها ثور أو عدد من العجول، وتوزع لحومهما على الفقراء والمحتاجين، وتعكس هذه القيمة التضامنية المتجذرة بعدا دينيا وانسانيا واجتماعيا.
كما لم يشر الفيلم إلى بعض التناقضات التي يتضمنها التنظيم، أو محدوديته في بعض المسائل ضمن السياق المعاصر، ولا بعض المعتقدات التي تعارض الشريعة الإسلامية، وأبرزها قضية الميراث، فمع أن الدين فصّل مسألة ميراث المرأة، فإن العرف المتوارث والتقاليد المحلية تسقط ذلك الحق في بعض القرى، وذلك أمر توقفت عنده دراسات كثيرة.
حنين إلى نظام لم يغادر القرية قط
حاول الوثائقي أن يوقظ حنينا رقيقا وموجعا في الوقت نفسه، باستحضار مجالس الشيوخ وتفاصيل البيوت والأزقة واللباس التقليدي، ليحض المشاهد على التشبث بالجذور في مواجهة انسلاخ قيمي يهدد الذاكرة الجمعية.
لكن ما يلفت الانتباه هو الغياب شبه الكامل لأصوات الشباب، ولرؤى الباحثين في الأنثروبولوجيا، مما يجعل الطرح يدور في دائرة الحنين، أكثر مما ينفتح على أسئلة أخرى لا تقل أهمية عما تناوله الوثائقي.

ومع أن الأماكن واللقطات المصورة كانت جميلة، فإن المخرج وقع في فخ التكرار البصري، باستخدام زوايا مشابهة بشكل مبالغ فيه، فأضعف تنوع الصورة وأفقها الرمزي، وكان ممكنا توظيف رموز بصرية ومعالم محلية، لتعميق البعد الفلسفي للسرد.
كما أن المدينة بمنطقها الفرداني ومركزيتها المؤسسية، لا قدرة لها على بعث نظام "تاجماعث" ولا على احتضانه، مما يجعل العنوان نفسه موضع مساءلة، فأي "مدينة مزدهرة" يراد لها أن تنبع من نظام لم يغادر القرية أصلا؟
هنا يغدو العنوان مثقلا بتوتر اصطلاحي، فالنظام لا يزال محصورا في القرى والفضاء الريفي، يحيا بفضل خصوصيات اجتماعية وتنظيمية لم تتصدع كليا، ويحتمل أن طرح العنوان بالعربية قد لا يكون الأكثر اتصالا وانسجاما بروح الفيلم، فربما كانت الأمازيغية أقرب إلى حمولة المعنى والسياق، لا سيما إذا كان المقصود القول إن القرى حين تعمل تحت نظام عرفي فعال، تضاهي المدن في ازدهارها.
قرى تبعث "تاجماعث" ومساجد تحتضن "العزابة"
تتقاطع "تاجماعث" و"العزابة" نموذجين اجتماعيين عريقين في مسائل كثيرة، فكل منهما ينبثق من روح الجماعة وسلطة الإرشاد، وقيم التعاون والتضامن التي تسعى لتعزيز الاستقرار وتنظيم المجتمع، لكنهما يختلفان في بعض الأساليب والتفاصيل.
ففي منطقة القبائل وأعراش الأوراس ولدى الطوارق أيضا، تقوم "تاجماعث" -وإن اختلفت التسمية والشكل حسب السياق الجغرافي والثقافي والتاريخي- على مبدأ الشورى والحكم الجماعي، فتدار شؤون الناس بالتشاور والتداول بين أفراده، مما يرسخ شعورا بالمشاركة والمسؤولية الجماعية.
أما نظام "العزابة" السائد في وادي مزاب، فيمثل هيئة من العلماء والمشايخ، تتولى التوجيه الديني والأخلاقي، وتمارس سلطة اتخاذ القرار ضمن إطار من الانضباط المؤسسي العميق، فهي حارسة للقيم الإسلامية، ورافعة للهوية الروحية للمجتمع الإباضي.

وما بين طابع "تاجماعث" المدني، وتوجه "العزابة" الروحي، تتجلى قدرة المجتمعات التقليدية على ابتكار أنظمة متكاملة تحفظ لُحمتها، وتعلي شأن التوافق والسلام الداخلي، الذي تحرص على دوامه واستمراره قرونا لا سنوات فقط.
وتذكر بعض المراجع التاريخية أن هذا النظام بوصفه اليوم نظاما متكاملا، من حيث التسيير ومنظومة القيم المترابطة المعتمدة على مركزية التسيير في واد مزاب، قد كان موجودا فيما مضى بجبل نفوسة بليبيا وجزيرة جربة التونسية، ولكنه لم يستمر.
زهد وتقوى وزواج.. شروط القيادة بمجتمع عمره ألف عام
تأسس نظام "العزابة" سنة 405 هـ/1018 م، على يد الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي، فبدأ حلقة دينية وتعليمية متنقلة، ثم تطور ليصبح منظومة شاملة، تنظم الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية والتعليمية بمنطقة وادي مزاب، ويطلق لفظ العزابي على كل من لازم الطريق الصحيح وطلب العلم وصاحب أهل الخير والصلاح.
ويصف د. محمد قاسم بوحجام -رئيس جمعية التراث الجزائرية- العزابي بأنه المندمج في المجتمع اندماجا كليا، المتفرغ لخدمة الصالح العام، فيترفع ويتخلى عن كثير من مصالحه، ويوفر طاقته لخدمة دينه ومجتمعه، ويشترط على الملتحق بحلقة العزابة التدين والتحلي بالأخلاق الفاضلة، وهي العفة والتحصن أي أن يكون متزوجا، والتقوى والعدل والحكمة لتولي القيادة في صورتها المتكاملة، وكذلك الاستقلال المالي.
في قلب كل قرية، تنبض العزابة كيانا روحيا واجتماعيا مكونا من 12 عضوا على الأقل، يساندها حضور مؤثر لبعض الهيئات، مثل أمصوردان وأمكراسن وإيروان، ويكون مقرها في المسجد، فيخصص ركن هادئ يعقد فيه مجلسها، وتتناول فيه مستجدات الشأن المحلي، وتناقش القضايا الدينية والاجتماعية بوعي جماعي رصين، ولكل قرية حلقتها الخاصة.
وينتخب شيخ العزابة بشروط دقيقة، أبرزها العلم والنزاهة، وسداد الرأي، ويرتدي مع الأعضاء الحائك الصوفي لباسا رسميا يعبر عن الهوية، أما مرجعية الإباضية العليا، فتتجلى في "مجلس عمي سعيد"، الذي يمثل هيئة تشريعية تتكون من قضاة وعلماء، وهو أعلى سلطة دينية واجتماعية في كل قرى واد مزاب، واللافت أن جميع الأعضاء يعملون بروح التطوع، لا يسعون لمنفعة ولا مصلحة ولا منصب، بل خدمة للمجتمع وترسيخا لقيم التضامن والمعرفة.
العمارة التي ألهمت الحداثة لا يعلو فيها بيت على مسجد
يشكل البئر والبرج والمصلى ثلاثية رمزية في واد مزاب، تعبر عن وعي مجتمعي متوازن، فالبئر للحياة، والبرج للسلم، والمصلى لضمان المذهب، مجسدين بذلك فلسفة عمرانية تمزج بين الحاجة والمعنى.
وفي هذا الشأن لعب نظام "العزابة" دورا محوريا، امتد للحفاظ على الهوية الدينية والثقافية للمزابيين، الذين ظلوا منذ القرن الحادي عشر ملتزمين بأنماط البناء والتصميم التقليدية لمساكنهم، وقد عزز ذلك الاهتمام بالهوية العمرانية والاجتماعية مكانة وادي مزاب.
ففي إطار الاتفاقية المتعلقة بحماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي، صنفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) سنة 1982 وادي مزاب تراثا عالميا، وذلك لما يتميز به من تقاليد عمرانية واجتماعية فريدة.

فقد شيدت فيه قصور ومنازل لا تميز بين الغني والفقير، وفق نهج معماري ذكي، يراعي المناخ الصحراوي، ويضمن التكيف الأمثل مع البيئة المحيطة، كما أدرجته نفس الهيئة الدولية سنة 2005 قطاعا محفوظا، وكانت قد صنفته الدولة الجزائرية تراثا طبيعيا سنة 1971.
تعكس عمارة وادي مزاب فلسفة مجتمعية قائمة على احترام المساحات والمسافات بين البيوت، من غير أن تكون هذه الخصوصية حاجزا أمام التفاعل الاجتماعي في أماكن أخرى، بل على العكس، فهي تعزز روح التواصل في الأسواق والفضاءات المشتركة.
إنها أنماط وتصاميم عمرانية ألهمت كبار المهندسين العالميين، على رأسهم المعماري السويسري الفرنسي "شارل أدوار لوكور بوزييه"، الذي استلهم من البساطة والوظيفية المزابية مبادئ تصميمه، مع مراعاة عوامل مهمة منها التهوية والعزل الحراري.
ومن قرى وقصور وادي مزاب المحصنة نذكر القرارة، وبريان، وبني يزقن، ومليكة، والعطف، وبنورة، وغرداية أو تغردايت الولاية رقم 47، وهي العاصمة الإدارية للمنطقة، وإحدى أكثر مدن وادي مزاب شهرة، وتبعد عن الجزائر العاصمة نحو 600 كلم.
لا تزال هذه المدن بقصورها وتفاصيلها المشيدة بعناية شاهدة على أصالة إرث عريق، لمجتمع متجذر في التجارة والحرف العتيقة أيضا، لا سيما صناعة الزرابي والنقش على النحاس وصناعة الجلود والفخار.

وبفضل نظام ري متطور، يوزع المياه بذكاء واقتصاد، ضمن المجتمع استدامة هذه الثروة الحيوية وسط بيئة صحراوية، برغم كل التحديات والتحولات، فاستطاع الحفاظ على تماسكه الديني والاجتماعي وهويته الثقافية واللغوية، وكذلك استقراره الاقتصادي، فجسّد نموذجا فريدا في التكيف والاستدامة.
وجدير بالذكر أنه قبل تشييد أي قرية أو مدينة، يخطط لأن يكون المسجد في الأعلى، أي في القمة، ثم تأتي بعده البيوت المتماسكة فيما بينها، فالساحات والأسواق الشعبية، مما يعكس إيمانهم الكبير بالجماعية، سواء في المعاملة أو التخطيط أو في البناء.
نظام أهلي يضع بصمته في كل مفاصل الحياة
لا يزال كثير من الباحثين يهتمون بنظام العزابة، الذي ينظر إليه على أنه واحد من أهم الأنظمة الدينية والاجتماعية، وأنجحها وأكثرها إلهاما، فهذا الهيكل المتكامل والراسخ الذي يختص به المجتمع المزابي دون غيره ذو صلاحيات واسعة، مؤسسة على مبادئ عريقة، تستمد أصولها من التعاليم الإسلامية.
لكن في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة، بات طبيعيا التساؤل عن مستقبل الأنظمة العرفية، مثل تاجماعث والعزابة، التي تثير الإعجاب والإبهار بقدرتها على البقاء متماسكة، برغم التغيرات السياسية والاجتماعية، ولكن المتأمل والدراس جيدا لها يدرك أن سر استمراريتها يكمن في متانة العلاقة بين الناس وبين المشرفين عليها، وبارتباطها العميق بالأعراف والتقاليد المتوارثة، مما يمنحها شرعية راسخة تجعلها جزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية المحلية.
نشأت هذه الأنظمة في مجتمعات محلية، يثق أفرادها بمرجعياتها وتاريخها، وحكمة من يتولى الهيئة والحلقة، فيعود إليه القرار في تحقيق العدل، وحل الخلافات، والفصل في القضايا، ورعاية المصالح الدينية والاقتصادية.
كما أن بعدها عن المدن الكبرى وتعقيداتها الاجتماعية أطال عمرها، فالتوسع الحضري تهديد كبير لاستمرارها واستقرارها، لا سيما أنها ظلت سنين كثيرة في بيئة داعمة، تمنحها سلطة التشريع والحكم والتنفيذ.
ويقابل ذلك امتثال الناس لهذه السلطة بإرادة واضحة، وقناعة تامة، ومن يعرض عن حكم أو يجاهر بمعصية يُوجَّه ويرشد أولا، فإن لم يمتثل ويصلح فعلته رُفع أمره إلى حلقة العزابة، فتنظر في الموضوع من كل جوانبه، فإن ثبت عليه الفعل أو إلحاق الضرر بغيره فيحكم عليه بالبراءة، بمعنى أن يتبرأ الناس منه، فلا يتعامل أحد معه، بل يتحاشاه ويعزله الجميع إلى أن يتوب عن فعلته. ويقر كثيرون بدور العزابة والأعيان في أحداث أو أزمة بريان سنة 2008، مما جنب المنطقة انفلاتا أمنيا خطيرا، وفتنة كادت تزهق أرواحا كثيرة.
يتميز المجتمع المزابي بأسلوب فريد في حل النزاعات والخلافات، فلا ترفع القضايا إلى المحاكم، بل يتكفل مجلس العزابة بتسويتها وإصدار الأحكام، ويصبح الامتثال لهذه القرارات واجبا على جميع الأطراف.
وتعد هيئة العزابة أكثر من مجرد جهة تنظيمية، بل هي محور الحياة الاجتماعية والدينية، فتتولى تأطير شتى المناسبات، وتحرص بعض هيئاتها على تعليم القرآن الكريم، ولها صلاحيات قضائية تمكن قضاتها وعلمائها من الفصل في الجنايات والمعاملات، وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية والفقه الإباضي.
ثم إنها تصدر الفتاوى، وتحدد المهور، وتراقب الأسعار، وتتكفل برعاية الأسر المحتاجة، ولها وظائف ومهام أخرى تؤديها، مما يعكس عمق تأثيرها في المجتمع، منذ أكثر من عشرة قرون.
إدارة الحياة اليومية بروح جماعية لا تهدأ
في صميم هيئة العزابة، تتناغم منظومة متكاملة، تتقاسم فيها الهيئات واللجان المهام، لضمان استقرار المجتمع وتوازنه، فيتصدر المشهد حفظة القرآن الكريم "إيروان"، وهم يشكلون ركيزة أخلاقية وروحية، تعزز القيم الدينية في الحياة اليومية.
وإلى جانب الحفاظ يتوزع الأمناء على القطاعات الحيوية، فيشرف بعضهم على تنظيم الأسواق بضوابط الشريعة الإسلامية، لضمان نزاهة المعاملات التجارية، ويراقب أمين العمران والبناء تطبيق معايير البناء، التي تقوم على احترام حدود الجار وخصوصياته.
ولم تغفل الهيئة الجانب الاجتماعي، فلجنة الصلح تضطلع بدور محوري في حل النزاعات الزوجية، مما يسهم في ترسيخ الاستقرار الأسري، وتقليل الطلاق، كما تستغل العطلة الصيفية لتنظيم دورات تعليم الصلاة للأطفال، متضمنة دروسا في الوعظ والتربية الأخلاقية.
ويخضع العرسان الجدد لتربص مغلق، فيُعدّون ويهيؤون للحياة الزوجية، ويرفق ذلك ببرنامج تفصيلي عن العرس الجماعي، الذي بات تقليدا راسخا، تشرف عليه لجنة تسهر على تخفيف التكاليف وتيسير الأمور كلها.
