فيلم "حكايات الأرض الجريحة".. توثيق مآسي الجنوب اللبناني تحت العدوان الإسرائيلي

خلّف عدوان الاحتلال الإسرائيلي الأخير (2025) على لبنان وجنوبه العديد من المآسي والحكايات، تلك التي ترويها العائلات التي مزّقها شعور الفقد والحزن والحسرة، وهي مآسٍ صنعها عدو غاشم لا يرحم كبيرا ولا صغيرا ولا حيوانا، في محاولة منه لوقف النسل وتخويف الناس وتهويلهم وإبادتهم.

حاول العدو عن طريق عنفه المفرط تغيير المعالم الجغرافية، وزرع الأمراض النفسية والجسدية على أبناء الجنوب الصامد، وكلها صور وجرائم يراها العالم من بعيد، لكن الفيلم الوثائقي "حكايات الأرض الجريحة" وثّق بكائياتها ومآسيها وأكوام أطلالها المنتشرة في كل بقعة، ليكون العمل وثيقة ميدانية تدين العدو، وتُظهر للعالم مدى بشاعته وقسوته وتجبّره.
فكيف تم تصوير هذا الفيلم؟ ومن الذي أخرجه في ظل تلك الفوضى؟ وكيف نقلت تلك المآسي؟
أول فيلم يوثّق العدوان
استطاع المخرج العراقي عباس فاضل أن يصوغ مقاربة سينمائية مهمة، من خلال فيلم وثائقي عميق وفاصل، اختار له عنوان "حكايات الأرض الجريحة"، وهو أول عمل سينمائي يوثّق عن قرب الدمار الكبير الذي خلّفه العدوان الإسرائيلي على الجنوب اللبناني، وهو الفضاء الذي يتواجد فيه بيته، رفقة زوجته اللبنانية نور بلّوق وابنتهما.

وبالتالي قدّم عباس رؤيا شاملة على تلك الآثار والبقايا، وأعطى للعالم مادة فنية مصورة وغنية بالتفاصيل عن المآسي والجراح المتقدمة، والمناظر التي تقشعر لها القلوب قبل الأبدان.
وقد صاغها المخرج في قالب فني، ليراها الكل، ويكتشفوا معالمها المدمرة، خاصة وأنه جعل من الصورة الجريحة بطلا أساسيا، تنقل وتثبت وتوثق مواضيعها عن قرب، فوق ركام البيوت والأبنية، وبين ما تبقى من أطلالها المتناثرة.
فاز فيلم "حكايات الأرض الجريحة"، الذي تبلغ مدته الزمنية ساعتين، بجائزة الإخراج في مهرجان "لوكارنو" السينمائي الدولي بسويسرا، وذلك في دورته الثامنة والسبعين (6 إلى 16 أغسطس/آب 2025)، أثناء عرضه العالمي الأول في فعاليات هذا المهرجان العريق.

كما عُرض أول مرة في العالم العربي بمصر، من خلال مشاركته في المسابقة الرسمية لمهرجان الجونة السينمائي في دورته الثامنة بمصر، والتي انعقدت ما بين 16 و24 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
النزوح والعودة.. دموع في كل المنازل
شكّل فيلم "حكايات الأرض الجريحة" منعطفا حاسما في تاريخ السردية اللبنانية الحديثة، ووثيقة أخرى تضاف إلى خزانة تاريخ المآسي والمجازر والحروب والمواجهات والاقتتال والصراعات التي حدثت وتحدث في لبنان طوال عقود من الزمن.
وقد كانت النتيجة دائما واحدة، تخرج بها كل تلك المنطلقات، وتجعلها كقيمة حسية ومادية في نفس الوقت، وهي الدموع التي تسيل من المآقي، والدماء التي تفرزها الأجساد المعطوبة، وصوت أنين الوجع والحزن والآلام التي تصدر من المنازل المعطوبة أو تلك التي بقت صامدة.

استطاع المخرج الرائي عباس فاضل أن يقبض على لحظات مهمة من هذا العدوان الإسرائيلي، حيث نقل بعض إرهاصاته الأولية، من خلال توثيق أصوات الصواريخ الحاقدة وهي تدك البيوت في الجنوب، وينقل مشاهد سحب الدخان وهي تتصاعد نحو السماء، معلنة أرقاما مرعبة من القتلى والجرحى والمكلومين والضحايا، من أطفال ونساء وعجزة.
عرف كيف يقبض على تلك اللحظات من خلال كاميراته المتأهبة، تلك التي تنتظر الوقت المناسب حتى تحبس الألم في زمنه المعلوم، وقد أعطى لعمله هذا بعدا ذاتيا، حين رصد تلك المنطلقات من خلال إشراك ابنته الصغيرة كاميليا، ورصد طريقة تعاطيها وتلقيها لأصوات الانفجارات المرعبة، حيث قامت بتقليدها بصوتها البريء الذي ما زال لا يفرق بين الحروف والكلمات، لكنها في قرارة نفسها تعرف بأنها غير عادية.
كما رصد بمنزله الجنوبي بداية تلك الإرهاصات الأولية لذلك العدوان، حين كان زجاج النوافذ يتطاير والأرض تهتز، وهي أسباب قوية جعلته يترك هو وعائلته الصغيرة منزل أحلامهم، ويتوجهون مرغمين إلى منفى مؤقت، في انتظار أن تنتهي الحرب والعودة من جديد.
جغرافيا متغيرة، وركام يبحث عن ساكنيه
عكس المخرج عباس فاضل تجربته ومساره السينمائي، في فيلمه الأحدث "حكايات الأرض الجريحة"، حيث جعل من أسرته منطلقا أساسيا في نقل إفرازات العدوان على الجنوب اللبناني، إضافة إلى استخدام الحد الأدنى من الوسائل للخروج بتجربة سينمائية ذاتية، مكنته من عكسها ضمن نطاق معادلة رؤية الكل عن طريق الجزء، والجزء هنا هو المخرج كمصدر أول في خلق تلك الإفرازات.
بالإضافة إلى إشراك ابنته الصغيرة كاميليا، التي خرجت لتوها من مرحلة الحبو، وبدأت خطواتها الأولى على تلك الأراضي الجريحة، أشرك فاضل والدتها الفنانة التشكيلية نور بلوق، التي كانت بمثابة الوسيط بين الأب والبنت، بين الكاميرا وعيون المشاهد، بين الجزء والكل.

هذه المعطيات المحدودة، والوسائل المنعدمة تقريبا، بحكم أن عباس فاضل هو المخرج وكاتب السيناريو والمصور ومعدّ الصوت، وبعدها هو المونتير والمشارك في الإنتاج، اختزلت في شخصه وحده كافة عناصر صناعة هذا الفيلم متكئا على خبرته في تسيير الموجودات، ورؤيته الفنية الثاقبة التي تجعله يعرف من أين يستخرج لغته السينمائية وأين يجدها.

تمكن من ناصية اللغة السينمائية
أكثر من هذا، يعرف فاضل كيف يختار بؤر التصوير والمنطلقات التي تولد الدراما والبعد الكوني للمشاهد ومخلفات الصواريخ والحقد.
عاد المخرج عباس فاضل إلى الجنوب مع أسرته بعد اتفاق وقف النار، وخلال تلك العودة استكمل ما بدأه، حيث نقل مشاهد الفرح والبهجة في الطرقات، وفي نفس الوقت بدأت تتجلى صور الدمار في القرى والبلدات الجنوبية، وصولا إلى بيته الذي تحطم جزئيا، لكن هذا لا يساوي شيئا وسط الخراب الكبير الذي كان يحيط ببلدته وقرى الجنوب بشكل عام، حيث تم تسوية العمارات والبيوت بالأرض.
تم تغيير الجغرافيا بشكل كلي، ما يظهر النهج الذي يستعمله الاحتلال الإسرائيلي، من خلال استهداف المصانع ومدن ملاهي الأطفال ومدارسهم، وبيوت المدنيين والمؤسسات الخدماتية، بمعنى أنها منطلقات تخريبية يريد بها تشريد الناس وتأليبهم بدل محاربة من يدعي بأنهم مراكز وعناصر من المقاومة.
قطط تعوي وكلاب تنبح وبطون جائعة
مشاهد متعددة ومتنوعة وثرية، تلك التي قبض عليها المخرج والمصور عباس فاضل، واستطاع توظيفها وترويضها بحكمة، وهي لقطات مهمة وفاصلة، حملت بعدا إنسانيا، وأبانت عن القاع الأسود الذي وصل له الجنس البشري، من خلال بقع الدماء المنتشرة والأشلاء المتطايرة، وهي جرائم حرب مكتملة، ودوس واضح على قوانين البلدان، لكن العالم رأى ولم يحرك ساكنا.

كان من المفترض أن تكون تلك المعطيات سببا في أن يفقد اللبناني الثقة كليا في السلوك الإيجابي وأفعال الخير، لكنه ذلك لم يحدث.
وقد نقل عباس أحد تلك المشاهد المشبعة إنسانيا ورقيا، من خلال أحد سكان الجنوب، عندما رفض النزوح، وقرر البقاء في قريته التي حاصرتها الصواريخ والقذائف، ولم يكن هذا البقاء سوى خوف، ليس على نفسه أو أسرته أو بيته، بل على القطط والكلاب والحيوانات، لأنها هي الأخرى مرعوبة ولا تجد من يطعمها ويسقيها.
وقد سمح له هذا الحس الإنساني بالبقاء على قيد الحياة، ورواية قصته أمام عدسة عباس فاضل وزوجته وابنته، وهي لحظة فارقة أبانت وأظهرت أن عزيمة اللبناني من الصعب تكسيرها مهما كانت قسوة الآخر وجبروته، وهي قيمة فلسفية غاية في الأهمية والعمق، انعكست كمعطى عملي وجمالي في جميع مفاصل الفيلم وأركانه.
الحزن من علِ.. رسم البدايات والنهايات
قدم عباس فاضل في فيلمه "حكايات الأرض الجريحة" العديد من المفاتيح الجمالية المتعددة، وربما أجملها عمليات التتبع والتصوير من عل، من خلال كاميرا "درون"، والأجمل أنه عرف كيف يوظفها ويخرج بها جماليات متعددة، رغم أن المشاهد حزينة ومفجعة، سواء في افتتاحية الفيلم أو في ختامه، وكان موضوع الصورة أو بؤرتها هو عمليات تشييع عشرات الشهداء، في موكب جنائزي مهيب يمتد لمسافات طويلة، يسير بين العديد من الأطلال والمنازل والبنايات المدمرة. وقد صور عملية خروج سكان الجنوب رغم تلك الأوجاع، من أجل الوقوف باحترام لمن فُقدوا، وكأنهم يشكرونهم على ما قدموه لوطنهم، بعد أن وقفوا دفاعا عنه، إلى أن ارتقوا شهداء.

كاميرا فاضل كانت ذكية ومتنوعة في ضبط الزوايا والارتفاعات، وعرف كيف يستخرج منها العديد من الصور المبهرة والمفجعة في نفس الوقت، وقد خلقت نوعا من الطمأنينة والرضا بما قدر الله، وفي نفس الوقت زرعت مشاعر الحزن والحسرة والفقد على الراحلين، وكلها أشياء عكستها الكاميرا بدون أي حوار، مكتفية بعواطف وانفعالات مرسومة على وجوه المشيعين، ومن خلال تصرفاتهم وعن طريق طقوسهم الدينية ومراسمهم الروحانية التي نظموها لهم قبل أن يواروا الثرى.
جمالية التتبع.. مؤشرات التوثيق وحب الجريمة
عكس الفيلم جوهر السينما الوثائقية، لأنه استطاع أن يحول هذا العمل إلى وثيقة تاريخية غاية في الأهمية، عن طريق خاصية التتبع والمرافقة والمكاشفة والتوثيق وتوليد الحقيقية والمعنى.
ولم تكن الصورة وحدها من حبسها المخرج في هذا القالب الجمالي، بل استطاع حبس المعنى أيضا، عن طريق رصد المشاعر والعواطف من وجهات نظر مختلفة، مثلما عبرت ابنته الصغيرة كاميليا بطريقتها الطفولية عن وجهة نظرها من هذه الحرب، وكذلك فعلت زوجته الفنانة التشكيلية نور، وجاره وابن قريته وأبناء الجنوب وغيرهم من الضيوف والشهود، حتى المخرج نفسه انطلاقا منه كناصّ ومهندس لهذا المسار كله.

بالتالي سيتحول هذا العمل إلى منطلق أساسي لفهم هذه المرحلة وقراءتها بطريقة عملية من وجهة نظر بصرية، كما سيتم العودة لهذا الفيلم اليوم أو بعد 100 سنة وأكثر، حسب السياقات والظروف والمنطلقات.
تجربة إنسانية تجمع بين الفني والفلسفي
فيلم "حكايات الأرض الجريحة" هو عمل سينمائي فاصل، أنجزه مخرج سينمائي مهم يمتلك رصيدا معرفيا وجماليا عميقا، خاصة من خلال فيلمه الوثائقي الأول "العودة إلى بابل" 2002، الذي صور فيه ما حدث لبلده العراق بعد عقود من الحروب والمآسي.
كما أخرج واحدا من أهم الأفلام الوثائقية، وهو فيلم "وطن، العراق درجة صفر" سنة 2015، بجزئيه، الذي تناول فترة العراق قبل الاحتلال الأمريكي وبعده، ليأتي هذا الفيلم ويستكمل المسار الحافل الذي انطلق به هذا المخرج.

فيلم "حكايات الأرض الجريحة" للمخرج عباس فاضل ليس مجرد توثيق بصري للدمار والآلام الناتجة عن العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان، بل هو تجربة سينمائية شاملة تجمع بين البعد الإنساني والفلسفي والفني، وتحول المعاناة الفردية والجماعية إلى سرد بصري يحمل قيمة تاريخية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها.
ومن خلال رؤيته الذاتية، وإشراكه لعائلته في المشهد، واستخدامه لمقاربة "الجزء والكل"، تمكن فاضل من تحويل الدمار إلى لغة سينمائية حية، تثبت بشاعة الحرب وتبرز صمود اللبنانيين وعزيمتهم، كما أنها تؤكد قدرة السينما الوثائقية على أن تصبح أداة إثبات ومكاشفة، تنقل الأحداث بصدق وتجعل المشاهد جزءا من تجربة الوجع والإنسانية.
الفيلم بهذا المعنى يحقق توازنا نادرا بين التوثيق والفن، بين الواقع والبعد النفسي والمعنوي، ويترك أثرا طويل المدى على المتلقي، سواء كمشاهدة سينمائية أو كمصدر معرفي لفهم آثار الحرب على المجتمعات.
