فيلم "فرانز".. مقاربة جديدة تعيد الحياة لسيرة حياة كافكا الغامضة

ضمن عروض القسم الرسمي خارج المسابقة، عُرض فيلم "فرانز" (Franz) بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ45، وهو فيلم بولندي للمخرجة "أغنيشكا هولاند"، يتناول سيرة الكاتب التشيكي "فرانز كافكا" (1883-1924).
منذ اللقطات الأولى، وضعتني المخرجة أمام معضلة سؤال واحد ملح: أيّ "كافكا" هذا الذي نراه على الشاشة؟

ما تقدمه المخرجة "أغنيشكا" صورة مغايرة تماما عن صورة "كافكا" الراسخة في أذهاننا عبر أدبه، فتصوره فتى رقيقا مدللا شديد الحساسية، ليس منطويا بالقدر الذي توحي به كتاباته، ولا هو بتلك الكآبة والتشاؤم اللذين التصقَا باسمه، بل نراه حيويا مرحا كثير الحديث، جريئا بما ينسجم مع وعيه الكامل بموهبته وتقديره الكبير لها.
من هنا ينشأ الارتباك: هل نحن أمام صورة مستلّة بعناية من تفاصيل سيرته، أم أمام محاولة واعية لصناعة "كافكا" آخر، يهدم كل صورة سابقة؟

يخطر للمتفرج أحيانا أن فيلم "فرانز" لو انطلق من فرضية واضحة تقول إننا نرى "حياة ممكنة" أو "حياة سعيدة" بديلة لـ"كافكا"، في عالم أقل قسوة، لكان ذلك سيمنحه بعدا افتراضيا أكثر إثارة للاهتمام، لا سيما والفيلم هو اختيار بولندا الرسمي لسباق الأوسكار.
"كافكا" بين الأب المتسلط وصورته الوديعة
اللافت في مقاربة المخرجة "أغنيشكا هولاند" هو إصرارها على خلق صورة معاكسة لصورة الكاتب القاسي أو الكابوسي، فنرى "كافكا" على الشاشة وديعا رقيقا، يبتسم على الدوام تقريبا، يكاد يبدو أحيانا كائنا بريئا أكثر منه رمزا للقلق الوجودي. هذا التكوين يزداد بروزا عبر التضاد الحاد مع صورة الأب.

فالأب بهيئته الضخمة وشراهته، وصوته الجهوري، ووجهه المتجهم، هو مكرّس للعمل والمال، فظ وساخر إلى حد الفجاجة، وفي المقابل كان "فرانز" هزيل الجسد، رقيق الصوت، بشوشا وعاطفيا إلى حد السذاجة أحيانا، ولا نعلم هل تلك صورة متخيلة عنه أم ملامح حقيقية، لكنها تبدو منطقية بالرجوع إلى سيرة حياته، لا سيما ما يتعلق بعلاقته بأبيه.
يزداد هذا التكوين بروزا عبر التضاد مع صورة الأب المهيمن، مما يجعل العلاقة بينهما مفتاحا أساسيا لقراءة الفيلم كله.
مشهد السباحة: جرح الطفولة المؤسس
ربما لهذا نجد تركيزا من المخرجة "أغنيشكا" على رصد تلك العلاقة، بوصفها مرجعا شارحا لتركيبة "كافكا"، ومن تفسير أوديبي (نسبة إلى عقدة أوديب في الأساطير اليونانية) نلحظ أن كل حدث صغير في طفولته يعيد تقديم نفسه بصورة مختلفة لاحقا.
ففي مشهد مبكر، نرى "كافكا" طفلا يلقيه أبوه في الماء، ليتعلم السباحة بنفسه، ويزيد الأمر قسوة أنه يرفض مساعدة الطفل وهو يغرق.

عرض فيلم "فرانز" وأعقبه جلسة أسئلة وأجوبة مع المخرجة البولندية "أجنيشكا هولاند" في العاصمة البريطانية لندن يوم ٢٦ تشرين الثاني نوفمبر ٢٠٢٥ – غيتي
نلاحظ أثر تلك اللحظة على كل مرحلة من حياة الصبي والشاب "كافكا"، فنراه يتصور نفسه وهو يغرق، في حلم أو في واقع مختلق، وهكذا تصبح لقطة الطفولة استعارة بصرية متكررة عن شعوره الدائم بالتهديد والعجز أمام سلطة الأب والعالم.
المنتجع فردوسا أخيرا لروح هشّة
تؤكد المخرجة "أغنيشكا" تمسكها بتلك الصورة عن "فرانز كافكا" أيضا في رسمها لمكان يبدو خارجا عن مصفوفة عالمه المعاصر، وهو مصح أو منتجع يذهب إليه مع رجال عراة، يمرحون ويغنون بحرية مطلقة، ويظهر في المرة الأولى مشهدا واقعيا في سياق زمنه.

لكنه يعود في نهاية الفيلم وقد أصبح يشبه "جنة" أخيرة لروح هشّة مثل روحه، فنرى عالما رومانسيا ناعما، يغلب عليه إحساس بالتحرر الجسدي والنفسي، وبدرجة من الأنوثة الرمزية، كأن "فرانز" يجد فيه تعادلا مفقودا أمام نموذج الأب المتوحش.
حكاية الدمية المفقودة ووداعة الكاتب
نعود إلى السؤال المحير: هل كانت تلك طبيعة "فرانز كافكا" حقا أم لا؟
أسترجع قصة تحكي عن لقائه فتاة صغيرة فقدت دميتها في الحديقة، فيواسيها ويكتب لها رسالة فحواها: الأشياء التي نحب معرضة دوما للفقدان، لكن الحب سيعود دوما بشكل مختلف.
يكشف الموقف والرسالة مدى وداعة "كافكا"، المختلف كثيرا عن كتاباته الكابوسية، وهو الجانب الذي يصر الفيلم على تتبعه وتكبيره.
سرد متشظٍ لسيرة غير تقليدية
تختار المخرجة سردا غير خطي للحكي، وربما كان ذلك ملائما لأسباب عدة، منها طبيعة "كافكا" وأدبه، وحياته غير التقليدية، والسياق التاريخي والمجتمعي الذي عايشه، وأيضا بسبب اختيارها العودة المتكررة إلى الطفولة، لتشريح تلك التركيبة المعقدة.
نجدها تبدأ بالطفولة، ثم سريعا ما تنتقل إلى الشباب، ثم تعود ثانية إلى الطفولة، وتمزج بين الزمنين بهلاوس "كافكا" وتصوراته عن الأشياء والآخرين.
إيقاع سريع وتداخل الأزمنة
بهذا البناء، يصبح الفيلم ذا إيقاع سريع نسبيا، يمزج بين ماضي "كافكا" وحاضره، بل يذهب أبعد من ذلك، فنرى مرشدة سياحية أمريكية، تدل السياح على الأماكن التي سكنها "كافكا"، وعاش وكتب وتحرك فيها، ثم ننتقل إلى تلك الأماكن مع "كافكا" نفسه.
سريعا ما نرى المفارقة بين المكان كما عاشه الكاتب، وبين ما آل إليه تحت وطأة السياحة والذاكرة الرسمية، وهنا يتجاوز السرد ما هو تقليدي إلى سرد "ما بعد حداثي"، فيتخطى الحكاية نفسها وبنيتها الروائية إلى قالب آخر يضيف ثقلا وتأملا.
"في مستعمرة العقاب": السلطة التي تأكل نفسها

المميز أيضا هو تصوير ما هو "كافكوي" وتضمينه في الفيلم، ويظهر ذلك في المشهد الذي يلقي فيه "كافكا" قصته "في مستعمرة العقاب" على المستمعين، فلا تكتفي المخرجة "أغنيشكا" بسرده للقصة، بل نراها متجسدة على الشاشة.
نرى المشهد الشهير من الرواية، حين يحكي الضابط عن آلته المتطورة المستخدمة في التعذيب، ثم يكون مصيره في النهاية تجربة تلك الآلة على جسده.
لقد كانت تلك رؤية "كافكا" لسلطة تبتلع نفسها بنفسها، من فرط هوسها بالتعذيب، وذلك تصور دقيق لمدى سادية تلك السلطة وتطرفها.
إحالات بصرية متشابكة
نرى أيضا "الصرصار" هوية بصرية، وتلك إشارة متكررة إلى قصة "المسخ". الإحالة الأولى هي سحق الأب للصرصار على المائدة، والثانية متجلية في ظهور يد "فرانز" مشوهة بما يشبه الخياشيم، وكأنه يرى مراحل تحوله إلى حشرة.
وإلى جانب ذلك، تظهر ظلال روايتيه "المحاكمة" و"القلعة"، فنراه يتخيل نفسه سجينا وراء القضبان في مكان ممثل على المسرح، ومريضا منقولا على عربة، في استعارة بصرية لقصة "طبيب أرياف".
هذه الإشارات كلها لا تبدو دخيلة ولا متكلفة، بل تأتي مدمجة في نسيج الحكاية، متوغلة في لاوعي الشخصية، مصورة تشوش حدوده بين الواقع والهذيان، فالرجل -كما يصوره الفيلم- عالق دائما بين عالمين، عالم يعايشه، وآخر يصنعه خياله، لكنه -في كل مرة تقريبا- يختار أن يصدق الهذيان ويغرق فيه.
ميلينا والعلاقات العاطفية المتعددة
ربما مالت المخرجة "أغنيشكا" إلى التوغل في عالم الهلاوس والأفكار، عوضا عن التوسع في حكايات "فرانز كافكا" الشخصية، فمع أنها اهتمت بتوثيق ما هو شخصي، فإنها لم تتوغل بما يكفي في علاقته مع "ميلينا" مثلا، بل مرت عليها مرور الكرام، وهو ما سبب إحباطا لبعض المشاهدين، فرأوا "كافكا" من دون "ميلينا" مدة طويلة من زمن الفيلم.

كما رأوا نسخة من "كافكا" ليست متيمة بـ"ميلينا" وحدها، ولم تقتصر علاقاته العاطفية عليها، بل بدا محبا للنساء، عاشقا لهن. وأرى أن المخرجة كانت موفقة في رصد هذا الجانب عوضا عن الاسترسال في حكاية واحدة، مما يعكس تعدد رغباته وتوتره إزاء الحب عموما.

كافكا من كاتب مهمش إلى علامة رأسمالية
ينتهي الفيلم إلى ما يشبه برنامجا إذاعيا عن "فرانز كافكا"، بتلك المذيعة التي رأيناها في البداية مرشدةً سياحية، تعرف كل شيء عن عالمه.
ظهرت هذه الشخصية في مشاهد متفرقة على مدار الفيلم، تحكي للسياح عن الأماكن التي زارها "كافكا"، أو مرّ بها، أو سكن فيها، وتتحدث إلى درجة الابتذال، إذ نراها تقول: في مطعم البرغر هذا أكل "كافكا"، من يريد أن يأكل وجبة "كافكا" المفضلة؟
ثم تقول: بالمناسبة، لقد أحب "كافكا" البطاطس.
كافكا المسجون في متحف الرأسمالية
كان التطرق إلى ذلك من قبل المخرجة "أغنيشكا هولاند" مميزا وساخرا إلى حد كبير، فهو من جهة يهاجم سياسة الرأسمالية، التي تتخذ كل ما حولها سلعة، ومن جهة أخرى يقدم محاكاة رائعة لأدب "كافكا"، لا سيما جانبه الساخر.
في مشهد بليغ، نرى "كافكا" نفسه، في حين تحكي المرشدة عن غرفة سكن فيها، فيظهر محبوسا في تلك الغرفة، لا يقدر على الخروج منها، ورسائله تتطاير من شباك الغرفة.
كأن "كافكا" ما زال مستغرقا في كتاباته إلى الآن، وهو سجين في متحف للزائرين الأجانب، في إحالة إلى صراعه الأبدي، كونه ما زال مستمرا وقائما، أما هو نفسه فقد أصبح مجرد أداة رأسمالية، غير قادرة على تغيير أي شيء.
