وثائقي "يوميات الصندوق الأسود".. قصة اعتداء جنسي على صحفية يابانية قاد إلى تغيير جذري في قوانين الاغتصاب في بلادها

في عام 2017 أُثيرَت ضجة إعلامية كبيرة في اليابان بعد ظهور الصحفية "شيوري إيتو" في مؤتمر صحفي أعلنت فيه تعرضها للاغتصاب من قبل شخصية مهمة مقربة من رئيس الوزراء، وهي تحت تأثير المخدر، وأن محققي الشرطة رفضوا دعواها التي رفعتها ضده قبل عامين، بحجة ضعف الأدلة الجنائية، ولهذا وبعد تفكير طويل ومعاناة شديدة قررت كشف كل ما جرى لها علنا، حتى تأخذ العدالة مجراها، وحتى لا تظل جرائم الاغتصاب مسكوتا عنها في اليابان.

مجريات القضية التي امتدت لسنوات، تحولت إلى فيلم وثائقي أنجزته الصحفية بنفسها حمل عنوان "يوميات الصندوق الأسود" (Black Box Diaries)، أظهرت فيه الفساد الكبير المنتشر في النظام السياسي والقضائي الياباني، إلى جانب تسليطها الضوء على معاناة ضحايا الاغتصاب والعنف الجنسي التي قلما يجري الحديث عنها في بلد، ويندر أيضا أن يرفع ضحاياها دعاوى قضائية عن جرائم الاعتداء الجنسي التي يتعرضون لها.
مؤتمر صحفي يفضح المستور
في مفتتح فيلمها الذي يأخذ سرده شكل يوميات كتبتها بنفسها، تحكي فيها عن قرارها الصعب بالظهور علنا في المؤتمر الصحفي وعما عانته بسبب التهجمات التي تعرضت لها من قبل أشخاص لا يعرفونها، لكنهم قاموا بإدانتها قبل معرفتهم بالذي جرى لها، كما تحكي عن موقف أهلها الذين كانوا يفضلون صمتها على ظهورها أمام الملأ كضحية لعملية اغتصاب، خوفا من الفضيحة التي تطال سمعتهم.

بعد ذلك مباشرة وللدخول في تفاصيل ما جرى لها في ليلة الثالث من أبريل/ نيسان عام 2015 تعرض "شيوري" تسجيلا لكاميرا مراقبة الفندق تظهر فيه وهي جالسة داخل سيارة أجرة، تقف أمام بوابة فندق شيراتون، وفي الأثناء يخرج منها رجل يقوم بسحبها وهي في حالة سُكر شديد، وتبدو كأنها شبه فاقدة للوعي!
ولإضفاء قوة أكبر على تسجيلات الكاميرا، تضيف إليها صانعة الفيلم المرشح لنيل جوائز الأوسكار، شهادة سائق سيارة الأجرة عما جرى داخل سيارته في تلك الليلة. يؤكد فيها أنها لم تكن تريد الصعود معه إلى غرفته، بل طلبت منه أكثر من مرة توصيلها إلى بيتها أولا، لكن الرجل أصر على الذهاب أولا إلى الفندق بحجة أن لديه عملا يريد إنجازه سريعا.
كانوا يريدون مني السكوت ونسيان الأمر لأن القضية لا تستحق ذلك، وفي الأحوال كافة يحاولون إقناعي بأنه من الصعب عليّ توفير الأدلة الكافية لرفعها للمحاكم
يظهر من مجريات السرد أن الرجل هو "نوريوكي ياماغوتشي" مدير مكتب واشنطن لـ"وكالة إذاعة طوكيو"، صاحب النفوذ الإعلامي والصديق المقرب لرئيس الوزراء آنذاك "شينزو آبي".
فساد أجهزة الشرطة
تخصص صانعة الفيلم جزءا كبيرا من مساره الدرامي المكتوب بلغة سينمائية جميلة، للشرطة والمحققين، لتكشف من خلال سلوكهم غير النزيه مدى تأثير أصحاب النفوذ على عملهم وقدرتهم أيضا على تعطيل سير العدالة، خاصة في قضايا مثل الاعتداء الجنسي، وتشير في يومياتها إلى رفض الشرطة للدعوى الأولى التي رفعتها ضد "ياماغوتشي" بحجة أن القانون يصعب عليه التحقيق في قضايا الجرائم الجنسية، وبشكل خاص عندما يتعلق الأمر بشخصية مهمة مقربة من رئيس الوزراء، يتولى إدارة قناة "طوكيو سيستم" في واشنطن.
تقول إيتو "كانوا يريدون مني السكوت ونسيان الأمر لأن القضية لا تستحق ذلك، وفي الأحوال كافة يحاولون إقناعي بأنه من الصعب عليّ توفير الأدلة الكافية لرفعها للمحاكم". الرفض المتكرر لقبول دعواها بحجة ضعف الأدلة الجنائية دفعها لتحويلها إلى دعوى مدنية بدلا من جنائية.
صحوة ضمير متأخرة
ستتحول الدعوى المدنية تلك إلى واحدة من أكثر الدعاوى انتشارا واهتماما شعبيا وإعلاميا تجاوز الحدود اليابانية. إذ تشير في مقاطع مؤثرة إلى التحول الذي حصل للمحقق "إيه" (A) كما تسميه في مذكراتها بطلب منه في عدم كشف اسمه الحقيقي في التحقيقات اللاحقة، خوفا من فقدان وظيفته. تستغرب من المكالمة الليلة التي وصلت منه وفيها يطلب مقابلتها في مكان بعيد عن الأنظار. كان "إيه" أكثر المحققين تشددا معها، لكنه في المقابلة باح لها بحقائق ساعدت في توفير القناعة لدى المحكمة لكسب قضيتها.

ذكر المحقق A لها أنه وبعد مؤتمرها الصحفي والضجة التي أحدثها شعر أن عليه توضيح موقفه المتشدد معها والناتج عن خوفه من خسارة وظيفته لأن القضية تتعلق بشخصية مقربة جدا من رئيس الوزراء إلى جانب تعليمات من جهات عليا أوصت بإعاقة سير التحقيق. فيكشف لها أن قرارا قد صدر لاحقا باعتقال "ياماغوتشي" وهو في طريقه إلى المطار، وأنه كان متوجها بصحبة آخرين من زملائه لتنفيذ القرار، ولكن في اللحظة الأخيرة وصلتهم أوامر بالتوقف عن ذلك والسماح له بالسفر.
المبادئ الصحفية تُقوّي العزائم
تتوقف المخرجة عند عملها كصحفية وقناعتها بأن مهمتها الأساس هي كشف الحقائق للناس، والدفاع عن حرية التعبير، وكيف أثرت هذه القناعات على موقفها من رجال الشرطة، ودفعها للمضي في رفع دعواها والكشف عما حصل لها أمام الجمهور. في الوقت نفسه تشير إلى المخاطر التي أحاطت بقرارها ومنها احتمال خسارة سمعتها كصحفية نزيهة.

يظهر ذلك من خلال التعليقات التي وصلتها بعد المؤتمر الصحفي حول طريقة ارتدائها للملابس والهيئة التي ظهرت فيها خلاله، إلى جانب تعليقات بذيئة وتهديدات كانت تصلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي تطالبها بالتوقف عن توجيه اتهامات لشخصيات "نزيهة" لغرض الوصول والشهرة! كل هذا دفعها أول الأمر للابتعاد عن الأنظار والخروج مؤقتا من اليابان، ولكنها عادت إليها ثانية لتكمل ما بدأته.
مواقف موروثة تدين الضحية لا الجلاد
ينقل الوثائقي ردود الفعل السياسية على قضيتها من خلال موقف المعارضة الذي ظهر جليا في مناقشات البرلمان، ودعوة سياسييها إلى مراجعة القوانين القديمة الخاصة بالاغتصاب والاعتداء الجنسي التي تعود إلى أزمنة الهيمنة الذكورية اليابانية والتي لا تتناسب اليوم مع التحولات الحاصلة في المجتمع وقيمه ومنها حق الدفاع عن ضحايا تلك الجرائم.

أدى كل ذلك، إلى جانب ارتفاع الأصوات المُنادية بالتضامن مع الضحية والمتزايدة الاتساع بعد نشر كتابها "الصندوق الأسود" بالإضافة إلى الدور الذي لعبه فريق الدفاع الخاص بها والذي عمل على جمع كل الأدلة التي تكفي لرفع القضية للمحاكم، إلى الحصول على قرار لصالحها مستند على قوة الحجج والشهادات.
شهادات شجاعة واحدة منها من بواب بسيط
كانت شهادتها حول تفاصيل الليلة التي التقت فيها "ياماغوتشي" لمناقشة إمكانية حصولها على عمل في مؤسسته الإعلامية، بدلا من عملها كمتدربة في وكالة "رويترز"، من أهم الشهادات لأنها ركزت فيها على احتمال تعرضها للتخدير، حيث قالت للمحكمة إنها شعرت بدوار شديد وخدر عند ذهابها إلى الحمامات الصحية الخاصة بالفندق، وكأن مادة مخدرة وضعت لها في مشروبها، هذا إلى جانب وصفها الدقيق للّحظة التي أفاقت فيها ووجدت نفسها تتعرض لعملية اغتصاب بشعة لم تفلح في التخلص منها رغم مقاومتها للرجل المغتصب.

إلى جانب شهادتها أضيفت واحدة أخرى حاسمة، قدمها بواب فندق شيراتون؛ وصف فيها ما شاهده لحظة سحب الرجل للمرأة التي كانت في سيارة الأجرة وهي شبه مخدرة لا تقوى على الوقوف، وكيف أن إدارة الفندق قد منعته من تقديمها للشرطة، وهددته بالطرد من العمل، إذا فعل عكس ما يريدون.
أثناء جلسات المحكمة تقدم الرجل البسيط وقدم شهادته من دون خوف على فقدان وظيفته في الوقت الذي كان محققون كبار يتهربون من أداء واجبهم خشية من تعرضهم لانتقام الشخصيات المتنفذة.
قرار انتصار الضحية
في عام 2019 أصدرت محكمة طوكيو حكما في صالح الصحفية، لكن المتهم رفضه وقدم استئنافا له. وبعد سنوات تنعقد جلسة المحكمة العليا لتثبت القرار الأول وبذلك تحقق الصحفية ما أرادت تحقيقه من انتصار قانوني يعيد الاعتبار لها ولكل ضحايا العنف والاغتصاب الجنسي.

أكثر ما يلفت في فيلم "يوميات الصندوق الأسود" أن صانعته ورغم كونها صحفية وليست سينمائية في الأساس إلا أن عملها قد كشفت عن موهبة سينمائية لا يمكن تجاهلها. موهبة ظهرت في قوة الكتابة (السيناريو) وفي إدارة فريق العمل وأيضا في جودة الصورة ووفرة التسجيلات الفيلمية التي تجاوزت 400 ساعة، جعلت فيلمها الوثائقي المهم يرتقي إلى مستوى الأفلام الاحترافية.
