"الست".. لاتزال تثير الإعجاب بعد غيابها بنصف قرن

الملصق الدعائي لفيلم "الست" للمخرج مروان حامد، الذي يقدم سيرة سينمائية تتوغل في حياة أم كلثوم، أكثرِ المغنيات تأثيرًا في تاريخ مصر والعالم العربي، وإحدى أبرز الشخصيات النسائية في القرن العشرين، كاشفا رحلتها، ونضالها، وأثرها العميق في المجتمع

بمجرد الإعلان عن مشروع لإنتاج فيلم سينمائي عن مسيرة حياة كوكب الشرق الراحلة أم كلثوم، تقوم ببطولته منى زكي، حتى ثارت عاصفة من الاعتراضات الرافضة بشدة، تحت زعم أنّ هناك نية لدى الجهة الراعية المتمثلة في المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه في السعودية، نية لتشويه رموز الفن المصري، وعلى رأسهم أم كلثوم.

على مستوى التحضير، أمضت منى ذكي عاما كاملا في دروس الغناء، ودروس الحركة، والتدريب على اللهجة، إلى جانب الكثير من بروفات المكياج. كان عليها أن تجلس على كرسي التجميل ست ساعات كاملة كل يوم قبل بدء التصوير.

منى زكي في مواجهة الإرث: التحدي الأكبر

علّل كثيرون رفضهم بأنّ مسيرة كوكب الشرق سبق تقديمها في مسلسل لاقى نجاحا، كان من إنتاج التليفزيون المصري، وإخراج إنعام محمد علي، ولعبت بطولته صابرين. كما رأى فريق من الرافضين لفكرة إنجاز فيلم سينمائي عن أم كلثوم أنّ منى زكي، المرشحة لتجسيد شخصيتها، بعيدة الشبه تماما عن كوكب الشرق.

صابرين في دور أم كلثوم في مسلسل "أم كلثوم" (1999)، الذي عاد إلى الواجهة مع الجدل الدائر حول فيلم "الست". فقد قارن كثيرون بين الإعلان الترويجي للعمل الجديد وبين أداء صابرين، معتبرين أن ملامحها وحضورها على الشاشة كانا أقرب إلى صورة كوكب الشرق مما ظهرت به منى زكي في برومو الفيلم

وأضافوا أنّ صوتها "طفولي"، ولن يقنع المشاهد بأي حال، متناسين أنّ صابرين نفسها لم تكن تشبه أم كلثوم من حيث الصوت أو الشكل، وأنّ دور الممثل المحترف أن يوظف أدواته ليقترب من روح الشخصية التي يجسدها. وحاول بعض العقلاء طمأنة الجمهور الغاضب، بضرب أمثلة على حالات جسّد فيها نجوم أجانب شخصيات عامة بعيدة الشبه تماما عن الأصل.

باريس 1967: افتتاحية سينمائية تعيد الزمن

فالممثل غاري أولدمان لم يكن يشبه، من قريب أو بعيد، شخصية تشرشل رئيس وزراء بريطانيا في سنوات الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك أدى الشخصية بنجاح باهر في فيلم "أصعب الساعات"(Darkest Hour) ، ونال عن دوره جائزة الأوسكار.

من اليسار إلى اليمين: الممثل غاري أولدمان، ثم ونستون تشرشل، ثم غاري أولدمان متقمصا شخصية تشرشل بمكياج وتحولات جسدية لافتة في فيلم "أصعب الساعات" (Darkest Hour)

والأمر نفسه ينطبق على شخصية تشارلي شابلن التي لعبها في فيلم سينمائي الممثل روبرت داوني جونيور، وكان بارعا في تقمص روح شابلن رغم بُعد الشبه بينهما.

إعلان

ومن الأمثلة الطريفة التي تُساق حول مدى أهمية أن يكون الممثل شبيها بالشخصية العامة التي يجسدها، الحكاية التي رواها شابلن بنفسه عن اشتراكه في مسابقة لاختيار شخص شديد الشبه بشابلن، كي يلعب بطولة مسرحية عن حياته. لم يخطر ببال الذين أقاموا المسابقة أنّ شابلن نفسه ضمن المتقدمين، والغريب أنّ لجنة التحكيم وقع اختيارها على شخص آخر، وجدته الأنسب لتجسيد شخصية شابلن!

المهم أنّ الفريق الغاضب من اختيار منى زكي لبطولة فيلم "الست" لم يهدأ له بال، حتى بعد الإعلان عن أنّ إخراج الفيلم سيكون لمروان حامد، أحد أهم المخرجين المتواجدين على الساحة، وأنّ سيناريو الفيلم سيعهد به إلى أحمد مراد، وأنّ فيلم "الست" سيشارك فيه حشد من النجوم والفنيين.

مروان حامد من أكثر المخرجين بروزا في السينما المصرية خلال ربع القرن الأخير

ومع ذلك ازدادت حملات التشكيك في احتمالية نجاح الفيلم، أو خروجه بشكل لائق لا يسيء بأي حال لأم كلثوم، باعتبارها نموذجا "مقدسا" لا يمس.

من السنبلاوين إلى القاهرة: رحلة التحول والتمرد

عُرض الفيلم للمرة الأولى على الجمهور المغربي في مهرجان مراكش، ولاقى نجاحا واضحا لأنّ الجمهور المغربي شاهد الفيلم من دون نوايا مسبقة. وتكرر الإعجاب عند عرض الفيلم في الإمارات والرياض، ومع ذلك ازدادت حملات التشكيك في نجاحه من جانب فِرَق غير محددة وغير مفهومة من الجمهور المصري، وذلك قبل عرض الفيلم عرضا عاما.

صنّاع فيلم "الست" خلال العرض العالمي الأول في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش، المغرب، 3 ديسمبر 2025؛ من اليسار إلى اليمين: أحمد بدوي، أحمد مراد، منى زكي، مروان حامد، ومحمد حفظي على السجادة خلال اليوم السادس من الدورة الثانية والعشرين لمهرجان مراكش الدولي للفيلم

وبعد عرضه زاد الشقاق، والمدهش أنّ فريق المشككين بدأ يهاجم بضراوة كل من يبدي إعجابه بالفيلم، ويتهمه بالنفاق أو المجاملة، أو أنّه "قابض" من جهة الإنتاج أو من بعض أطراف الفيلم؛ أي أنّه تقاضى مالا أو رشوة، وهو ما أفسد إحساس أبطال الفيلم بالسعادة وحلاوة الإنجاز.

بدايةً، ثمة قطاع من الجمهور لا يستوعب أنّه بالطبع لن يجد أم كلثوم في انتظاره عندما يقرر مشاهدة فيلم "الست"، لكنه سيجد منى زكي تتقمص شخصيتها، مستعينة بموهبتها كممثلة محترفة، وبفريق من مصممي الماكياج وتسريحات الشعر والأزياء، لكي تقترب صورتها من المراحل المختلفة التي يستعرضها فيلم "الست".

أثار الإعلان الترويجي لفيلم "الست"، الذي ُروح قبيل عرض العمل في مصر، تفاعلا واسعا على المنصات المصرية، بعدما كشفت لقطاته الأولى عن تجسيد الممثلة منى زكي لشخصية كوكب الشرق أم كلثوم. وتجددت على إثره موجة من الانتقادات طالت الصورة الخارجية للشخصية ، ولم تتوقف التعليقات عند الفيلم الجديد، بل استدعت إلى الذاكرة مسلسل "السندريلا" عن حياة سعاد حسني، الذي رأى كثيرون أن منى زكي لم توفق فيه في تجسيد الأيقونة المصرية

شخصية الست، ومسرح باريس

يبدأ فيلم "الست" بمقدمة تسجيلية توضّح أنّ نقطة الانطلاق التي سوف نتابعها تعود بالزمن إلى ما بعد حرب 1967 بين مصر وإسرائيل، التي انتهت بالهزيمة وإعلان عبد الناصر التنحي. وفي لقطات سريعة يقفز الحدث إلى باريس، وبشكل خاص أمام أحد أهم مسارحها، حيث تصطف صفوف من السيارات العاجزة عن الحركة، نظرا لازدحام الجماهير أمام المسرح الذي أعلن عن أول حفل لسيدة الغناء العربي أم كلثوم، وكانت قد أعلنت عن عدة جولات فنية تقدّم ريعها لصالح المجهود الحربي.

في عام 1967 قدمت أم كلثوم حفلتها الأوروبية الوحيدة على مسرح الأولمبيا في باريس. في الفيلم نراها في 63 من عمرها تغني في باريس أمام حشد هائل. كان ذلك في لحظة سياسية متوترة للغاية، بعد حرب 1967 العربية الإسرائيلية، وهذا وحده يكشف مدى تأثيرها. الحرب وقعت في يونيو، وفي نوفمبر كانت هناك، في أوروبا، تغني في هذا العمر المتقدم، هذا يخبرك حقا إلى أي حد كانت مؤثرة وقوية. وما زالت كذلك حتى اليوم

قاعة المسرح الضخم ازدحمت بجمهور فرنسي جاء ليستمع ويستمتع بتلك المطربة المصرية "المعجزة"، بالإضافة إلى جمهور من مختلف البلدان، وسفراء دول عربية وأجنبية، ونبلاء وملوك، وألوان وأنماط شتى من البشر اجتمعوا على عشق فن أم كلثوم.

إعلان

وبينما تصطف الفرقة الموسيقية منتظرة أم كلثوم، التي كانت تضع اللمسات الأخيرة في مكياجها، إذا بمدير المسرح الفرنسي يطلب الإذن للقائها، ليخبرها أنّ بعض الجماهير العربية قد أخذهم الحماس، وبدأوا في إطلاق هتافات حماسية ضد العدو الصهيوني.

خوفا من حدوث تشابك بين الجمهور، يطلب مدير المسرح من أم كلثوم ألا تقدم أغاني وطنية من شأنها أن تشعل النار بين الجماهير، خاصة وأنّ بين الحضور كثيرا من الإسرائيليين. لكن أم كلثوم تبدي امتعاضها من الطلب، وتذكر مدير المسرح أنّها جاءت إلى باريس لتغني من أجل بلادها، وتهدد بالانسحاب من الحفل، مما يدفعه إلى التراجع، ويتأكد أنّه أمام سيدة من نوع خاص، شديدة الاعتزاز بكبريائها ودورها الوطني.

ينتهي الموقف بتوجهها لاعتلاء خشبة أحد أكبر مسارح باريس، وتبدأ فرقتها بعزف مقدمة أغنية "أنت عمري". وبمجرد أن تنتهي من أداء أول كوبليه في الأغنية وينطلق تصفيق وصياح الجمهور إعجابا، إذا بشاب يندفع كالسهم إلى المسرح ليقبّل قدميها، ويؤدي ذلك إلى سقوطها وسط انزعاج الجمهور، وانطلاق رجال الأمن وحدوث حالة هرج ومرج.

الطفولة في السنبلاوين، وأنوثة مخفية

تأتي عودة فلاش باك سريعة إلى قرية في السنبلاوين، حيث يستعرض الفيلم بداية أم كلثوم الطفلة، التي لا يزيد عمرها على خمسة أعوام، يحملها والدها (سيد رجب) على كتفيه وهي ترتدي ملابس صبي، ويصاحبهما شقيقها خالد، الذي يكبرها بعدة أعوام.

تظهر أم كلثوم مع شقيقها خالد البلتاجي مرتدية أزياء بدوية بعقال يغطّي رأسها، فتقف بملامح صبي متجهّم، لا يختلف مظهرها كثيرا عن ملابس شقيقها خالد الواقف إلى جوارها

يبدو أنّهم يتجهون لإحياء حفل ريفي سوف تقدم فيه أم كلثوم بعض التواشيح والمدائح، وأنّ الوالد يعتمد على صوتها الخلاب الذي كان مصدر الرزق الأول والأساسي للأسرة. وتندلع معركة بين الحضور، وينقلب الشادر إلى ساحة قتال بين عدة أطراف، ويهرب والد أم كلثوم بعد أن يتقاضى أجرته، ويعلّم ابنته أنّ عليها الغناء ما دامت قد تقاضت أجرتها، مهما كان الأمر.

ظل الوالد حريصا على إخفاء معالم أنوثة ابنته منذ سنوات طفولتها، وتبدو هي مستسلمة، أو غير مدركة أنّ ما يحدث يناقض طبيعة الأشياء، حتى عندما أصبحت فتاة يافعة وجاءت فرصتها الأولى للذهاب إلى القاهرة للغناء في أحد مسارحها، بمصاحبة والدها وشقيقها خالد، في مسرح كبير يقدم أحدث الاستعراضات لجمهور من أبناء الطبقة الأرستقراطية.

بدايات الريف، واستهلال التمرد

بدت هي مثل كائن غريب، متدثّرة في ملابس غريبة، يثير وجودها الاستياء والسخرية، وتتعرض لإهانة بالغة من أحد الحضور، هو آسر ياسين، الذي يصر على أن تغني عن الحب والغرام، لكنها تجيبه بأنها تغني تواشيح ومديحا فقط، فيرفع في وجهها السلاح، وخوفا من تطور الأمر يقوم الأب بضربها بضراوة.

أكثر ما يثير الاهتمام في الفيلم هو هذا السؤال تحديدا: كيف تحولت تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تتنكر بزي صبي في قرية شديدة الفقر إلى أيقونة؟ هذا هو المحور الأساس. فالمسألة لا تتعلق بنجاحها في الموسيقى فقط، بل أيضا: كيف أصبحت أيقونة نسوية؟ هذا هو جوهر الفيلم فعلا. تحولها، وصراعها مع المجتمع، وكيف غيرت الصورة التي كان ينظر بها إليها، إلى أن ترتقي، ويصبح لقبها في العالم العربي "الست"، أي "السيدة"

في تسجيل صوتي لأم كلثوم نفسها تحكي هذه الواقعة التي أثرت فيها وكانت بمثابة نقطة تحول؛ تذكر أنّ والدها ظل يصفعها طوال الطريق بعد أن قرر أن يعود بها إلى قريتها في السنبلاوين. وتكون تلك المرة الأولى التي تعلن فيها رفضها لهذا الأسلوب، وتقول من بين دموعها: "هذه آخر مرة تمد يدك عليَّ".

أدت منى زكي لحظات التمرد من دون تطاول على الأب، لكنها في هذه اللحظة، وربما قبلها، كانت قد أدركت أنّها أنثى ذات كبرياء، ولم تعد طفلة، وأنّ عليها أن تجبر الجميع على احترام ذلك، وقررت أن تكون صاحبة قرار فيما يخص شؤونها الفنية.

قلب يخفق وعقل يقرر: معادلة الأنوثة والفن

حياة أم كلثوم مليئة بالأحداث والانقلابات، وقد تعاملت مع أهم ملحني زمانها وقدمت عشرات الألحان الناجحة التي صنعت أسطورتها. لكن سيناريو الفيلم الذي كتبه أحمد مراد قام بانتقاء أهم الأغاني التي كان لكل منها دور في بداية حدث أو علاقة.

إعلان

فلقاؤها الأول مع أحمد رامي (محمد فراج) كان في أحد القصور التي جمعت حشدا من أبناء الطبقات الراقية، بينما كانت هي لا تزال ترتدي العقال وملابس الرجال التي تخفي أنوثتها. وقد قامت صاحبة القصر (أمينة خليل) بمساعدتها على التخلص من تلك الملابس، واختيار أزياء باريسية محتشمة تليق بوضعها كنجم طرب صاعد.

غنت لأول مرة "الصب تفضحه عيونه"، فألهبت حماس الحضور، وعلى رأسهم أحمد رامي الذي أدرك أنّه أمام صوت نادر يليق أن يشدو بأشعاره، فسعى للتقرب منها، ثم تطور الأمر إلى علاقة عاطفية. لكن أم كلثوم قاومت مشاعرها كأنثى، وأدركت أنّ زواجها من رامي سوف يفسد علاقة العمل بينهما، وأنّها لن تعود "ملهمته"، وربما ينطفئ ذلك الوهج الذي ينتج عنه أغنيات خالدة.

ما أن يذكر اسم أحمد رامي حتى يتقدم إلى الذاكرة صوت أم كلثوم، وهي تغني كلمات فائقة العذوبة، مشبعة بالحب والهجر واللوعة. ذلك أن رامي ظل سنوات طويلة يكتب لها نصوصا كانت مرآة لوجدانه، يودع فيها صدقه كله، ويعبر من خلالها عن إحساسه العميق تجاه "كوكب الشرق". حتى بدت كل أغنية كأنها صفحة من سيرة عشق مكتومة

الملكة والمطربة: صراع التيجان

في كل مرة يدق فيها قلبها وتشعر بأنوثتها، يستيقظ عقلها ويخنق مشاعرها حتى تحافظ على مكانتها كأسطورة غناء. ومن أهم نقاط التحول تجربتها مع شريف باشا صبري، خال الملك فاروق؛ تلك العلاقة التي كادت تصل بها إلى قصر الملك.

كانت البداية عندما قدمت أغنية "يا ليلة العيد" في حفل حضره الملك فاروق، ومنحها فيه وساما خاصا، وكان برفقته شريف باشا (كريم عبد العزيز) الذي تعلّق بها سريعا، وكادت العلاقة بينهما تصل إلى الزواج. لكن لقاءها بالملكة نازلي (نيلي كريم) وضع أسوارا عالية بينها وبين حلم الزواج من سليل العائلة الملكية.

كوكب الشرق أم كلثوم وشريف باشا صبري، خال الملك فاروق وشقيق الملكة نازلي، وإلى جوارهما محمد حسين هيكل باشا وحرمه، بينما يتصدر الخلفية اسمان من عمالقة الصحافة: الشقيقان علي أمين ومصطفى أمين

في هذا اللقاء حرصت نازلي على التعالي على الفتاة الريفية القادمة من عائلة بسيطة في السنبلاوين، ومهما ارتفع شأنها، فستظل، في نظرها، "فلاحة" لا تليق بأن تحلم بنيل شرف الزواج من خال الملك. وفي حفل جمعها بنازلي وشقيقها بعد اعتذار الأخير عن وعده بالزواج، تعمدت نازلي أن تنصرف قبل انتهاء أم كلثوم من وصلتها، ومع نظرات مكيدة متبادلة بين الملكة الأم وأشهر مطربة في عصرها، كانت نظرات أم كلثوم كأنها سهام غاضبة موجهة إلى نازلي.

الملكة نازلي (1894 – 1978)، والدة الملك فاروق، إحدى أكثرِ نساءِ الأسرةِ المالكةِ المصريةِ إثارة للجدلِ في النصفِ الأولِ من القرنِ العشرين، تجسد سيرتها تحوّلاتِ العرشِ المصري بين البذخ والانهيار

وعندما تعالت صيحات الجماهير إعجابا، ابتسمت "ثومة" كأنها تبعث برسالة إلى نازلي مفادها أنّ تاج الموهبة أكثر استقرارا ورسوخا على رأس صاحبته من التاج الذي يمكن أن يسقط في لحظة من على رأس غريمتها. في هذه المشاهد المتتابعة أجدت كل من نيلي كريم ومنى زكي، وكانت من أقوى مشاهد المواجهات في الفيلم.

عيون الست: بين البريق وألم المرض

حرص مروان حامد على التركيز على نظرات عيني أم كلثوم في كثير من المواقف، ليس لاستعراض جمال عينيها فقط، بل لأنّ إصابتها لاحقا بتضخم في الغدة الدرقية أدت إلى جحوظ عينيها، مما سبّب لها شعورا بالاكتئاب والانهزام كامرأة، وهو ما اضطرها إلى إخفاء عينيها خلف نظارة سوداء معظم الوقت، وشعورها بالغضب الشديد إذا قام أحد المصورين بالتقاط صور لها عن قرب.

كانت أم كلثوم تعاني مشكلات في العينين في سنواتها الأخيرة، وتعددت التفسيرات حول سبب ارتدائها النظارة السوداء؛ فبينما ترجح بعض الروايات ارتباط ذلك بفرط نشاط الغدة الدرقية (داء غريفز) وما قد يصاحبه من اعتلال العين الدرقي، مثل الجحوظ وحساسية الضوء

الأحداث التي حرص السيناريو على ذكرها جاءت انتقائية، يؤدي كل منها إلى تطور أو تغيير في شخصية "الست". فحياة أم كلثوم، التي امتدت لأكثر من خمسة وسبعين عاما، مليئة بالتفاصيل، وليس من المنطقي أو الحرفي ذكرها جميعا في فيلم واحد.

وقد لعب المونتاج (أحمد حافظ) دورا مهما في ربط الأحداث والانتقال السلس بين مرحلة وأخرى وفق الأهمية الدرامية، وليس وفقا للتطور الزمني فحسب. وبرزت كاميرا عبد السلام موسى وموسيقى هشام نزيه بوصفهما عنصرين مؤثرين وشديدي الأهمية، تحت قيادة مروان حامد الذي أبدع في تقديم تلك التحفة الفنية عن أسطورة لم تتكرر، عن كوكب الشرق… عن "الست".

إعلان
المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان