فيلم "صوت هند رجب".. تذكير أبدي بالعار والغضب

في التاسع والعشرين من يناير 2024 تلقي الهلال الأحمر الفلسطيني في الضفة الغربية مكالمة هاتفية من ليال حمادة، الطفلة ذات الخمسة عشر عاما لتستغيث بهم وهي محاصرة رفقة أسرتها في سيارتهم بينما تقذفهم دبابة إسرائيلية بوابل من الرصاص، انقطع الخط مع صرخات ليال وأصوات لطلقات متتالية.
عقب ذلك اتصل موظفو الهلال الأحمر مرة أخري بنفس رقم الهاتف المحمول لترد عليهم هند رجب، الطفلة ذات الخمس سنوات، بقية الحكاية يعرفها الجميع، توسلت هند لساعات لكي يتم إنقاذها، لكنها قتلت في النهاية على يد الجيش الإسرائيلي، كما قتل طاقم الإسعاف الذي ذهب لإنقاذها.

من تسجيل صوتي إلى أيقونة احتجاج عالمي
انتشرت التسجيلات الصوتية لمكالمات هند رفقة موظفي الهلال الأحمر الفلسطيني كالنار في الهشيم على كافة وسائل التواصل الاجتماعي، ألهمت طلاب الجامعات الأمريكية للتظاهر، اقتحم طلاب جامعة كولومبيا قاعة "هاملتون هول" وأعادوا تسميتها لتصبح "قاعة هند"، أطلق عقب ذلك مغني الراب الأمريكي الشهير "ماكليمور" أغنية غاضبة مساندة للتظاهرات حملت أيضا اسم "قاعة هند".

هند رجب: من طفلة محاصرة إلى رمز للمساءلة
أصبحت هند رجب إذن رمز لحركة عالمية تدافع عن حق الفلسطينيين في الحياة وتتظاهر ضد القتلة، تأسست عقب ذلك "مؤسسة هند رجب" وهي منظمة قانونية تلاحق مجرمي الحرب من نظام الاحتلال الإسرائيلي والمعاونين لهم.

حين تدخل السينما على خط المأساة
خلف كل هذا أتت السينما، صنعت المخرجة التونسية كوثر بن هنية فيلم "صوت هند رجب"، نافس الفيلم ضمن المسابقة الرسمية في مهرجان فينيسيا في سبتمبر 2025 وحصد جائزة لجنة التحكيم الكبرى، ثم بدأ جولته حول المهرجانات العالمية ليصبح أحد أهم الأفلام المتنافسة في موسم جوائز الجولدن جلوب والأوسكار.

هل يمكن فصل السينما عن سياقها الإنساني؟
ما قيمة الفيلم وسط هذه الصورة الكبيرة من التضامن مع قضية هند؟ هل يمكن فصل ما هو سينمائي عن ما هو غير سينمائي حينما نتحدث عنه؟، والأهم كيف صنعت كوثر بن هنية فيلمها وبأي شعور تغادره كمشاهد؟
خيال على حافة الواقع
منذ لحظة البداية يضعك الفيلم سريعا على حافة الواقع، يخبرك أنه مبني على أحداث حقيقية، ويخبرك تاريخ اليوم والسياق حيث أمرت قوات الجيش الإسرائيلي بإخلاء حي تل الهوى في غزة، نذهب مباشرة إلى مركز الهلال الأحمر الفلسطيني في الضفة الغربية، ويخبرنا الفيلم كذلك أنه المسؤول عن أهل غزة بعد أن تم تدمير فرع الهلال الأحمر داخل غزة.

مركز الاتصال: مسرح الكابوس
تعيد كوثر بن هنية تركيب المركز وكأننا نراه في الواقع، يستقبل عمر مكالمة من طفلة مذعورة، تخبره أنها داخل سيارة رفقة أسرتها بالقرب من محطة بنزين داخل حي تل الهوى، تخبره أنهم مصابون بعد أن تم قصفهم، ثم يسمع عمر صوت الصرخات والطلقات وتنتهي المكالمة.
الصوت الحقيقي بوصفه وثيقة لا تمثيلا
منذ المكالمة الأولى يخبرنا الفيلم بكتابة واضحة على الشاشة بأن الصوت الذي نسمعه حقيقي، ندرك عقب ذلك أن المكالمة الأولى كانت للطفلة "ليال" ثم تتوالى عقب ذلك المكالمات بين موظفي الهلال الأحمر والطفلة "هند"، مع كل تسجيل تظهر موجات التسجيل الصوتية على الشاشة، مرفقة باسم المقطع الأصلي.

حين ينكسر الإيهام السينمائي عمدا
وكأن كوثر بن هنية تذكرنا في كل لحظة أن ما نشاهده حقيقي، بين لحظة وأخرى تقرر بن هنية أن تجعل الممثل الذي يتبادل الحديث مع صوت هند يتوقف عن الكلام ويستمع حتى للتسجيل الأصلي بصوت موظف الهلال الأحمر الحقيقي، في الفصل الأخير من الفيلم تمد بن هنية الخط على استقامته فنشاهد مزجا بين فيديو حقيقي لموظفي الهلال الأحمر وهم يتحدثون مع هند عبر الهاتف وبين ممثلي الفيلم وهم يتحدثون مع صوت هند الحقيقي.
طاقم فلسطيني: تشابه مقصود مع الأصل
اختارت كوثر بن هنية طاقما تمثيليا فلسطينيا مكتملًا، يبدو كل واحد منهم قريب الشبه جدا من موظف الهلال الأحمر الحقيقي الذي يقوم بدوره، معتز ملحيس في دور عمر، عامر حليحل في دور مهدي، كلارا خوري في دور نسرين وسجى كيلاني في دور رنا.

هذا فيلم يذكرك هكذا وبشكل مستمر بأن ما تشاهده إعادة إنتاج للواقع، وليس هو الواقع، يحاول إفاقتك من الإيهام السينمائي، يخبرك في كل لحظة أن هذا كابوس حقيقي وليس تمثيليا. وفي مركز هذا الكابوس صوت هند.
صوت هند في دور البطولة
السينما فن بصري، بدأت صامتة دون كلام ودون موسيقى، ثم حضرت الموسيقى كإضافة لأفلام صامتة، قبل أن تظهر الأفلام المتكلمة. استمر هذا الأصل البصري كجوهر فن السينما إلى اليوم، يحاول المخرجون صنع حكاياتهم بشكل بصري، بناء على القاعدة الأساسية "أرني ولا تخبرني"، هكذا يجب الاستغناء عن كل الحوار المنطوق الذي يمكن الاستعاضة عنه بالصورة.

في "صوت هند رجب" تنقلب القاعدة، تقرر كوثر بن هنية أن تسمعنا ولا ترينا، كل الممثلين الذين ذكرنا أسماءهم من قبل يقومون بأدوار مساعدة في هذا الفيلم، البطولة الرئيسية وبشكل منفرد هي لصوت هند رجب الحقيقي، من لحظة سماعك لها للمرة الأولى، ينفذ صوت هند مباشرة إلى قلبك، يحطمك تماما، حينما يسألها عمر عن اسمها فتجيبه "هننود" لا يمكن حينها سوى البكاء، هذه طفلة لا تدرك أنها جزء من كابوس قرر فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي أن يبيدها كما أباد عائلتها وسط إبادة جماعية لأهل غزة.
لا صورة للسيارة ولا للدبابات: فقط الصوت
لا تنقل كوثر بن هنية ولو لمرة واحدة ما تخبره لنا هند بشكل بصري، تركز فقط على صوتها، نرى شاشة الكمبيوتر واسم التسجيل، ونرى انطباعات موظفي الهلال الأحمر على ما يسمعونه منها، لا نرى مشهدا تمثيليا لها داخل السيارة ولا مشهدا تمثيليا للدبابات التي تحاصرها، فقط صوتها.

يبدأ صوت هند قويا، ثم تتعب شيئا فشيئا في كل مرة تترجى فيها موظفي الهلال الأحمر لإنقاذها، حينما تخبرها "رنا" أنها لا تستطيع للأسف أن تأتي بنفسها لإنقاذها، تخبرها هند ببراءة طفولية
"ربما يمكن لزوجك أن يأتي معك إذن لتنقذوني"، يصبح الصوت أقل قوة وأقل تفاؤلا مع الوقت، تظن هند في البداية أن أهلها في السيارة نائمون، ثم تخبر موظفي الهلال الأحمر في النهاية أنهم موتى، تخبرهم أنها مصابة، ثم يزداد الصمت شيئا فشيئا حتى تأتي النهاية التي نعرفها جميعا.
يصبح رد فعلك كمشاهد هكذا جزءا من ما تسمعه، تشارك هكذا ممثلي الفيلم، تبكي معهم، وتغضب معهم وكأنكم جميعا جزء من رد الفعل على هذا الكابوس.
السينما وما خارج السينما
مع بداية عرض الفيلم في فينيسيا ظهر نوعان من ردود الفعل، الأول هو احتفاء شديد به وبموضوعه، حصد الفيلم جائزة لجنة التحكيم الكبرى، وصفه الناقد "ديمون وايس" في موقع "Deadline" الأمريكي بأنه عصا الضوء التي احتاجتها حركة الحرية لفلسطين، فيما وصفه الناقد البريطاني "بيتر برادشو" في الجارديان بأنه أفضل من الفيلم الذي توج بالأسد الذهبي، جذب الفيلم أيضا دعما من نجوم عالميين لم يسبق أن حصل عليه أي فيلم عربي طوال ما يزيد عن المائة عام من السينما العربية، انضم نجوم بحجم براد بيت، واكين فينيكس، روني مارا، بالإضافة للمخرجين المتوجين بالأوسكار جوناثان جليزر وألفونسو كوارون كمنتجين منفذين للفيلم.

على جانب آخر ظهرت أصوات قليلة متشككة في قيمة الفيلم، واصفة إياه ومخرجته بالانتهازية، ودللوا على ذلك بأن المخرجة تصنع فيلما تلو الآخر عن قضايا إنسانية مختلفة، ففي "الرجل الذي فقد ظهره" كانت الحكاية عن اللاجئين السوريين، ثم في "بنات ألفة" عن انضمام سيدات تونسيات لتنظيم داعش، ثم في "صوت هند رجب" تنتقل لحكاية طفلة غزاوية تم قتلها من جيش الاحتلال الإسرائيلي.
لكن دعونا نعود للفيلم نفسه، لصوت هند رجب، نقد هذا الفيلم بمعزل عن سياقه السياسي والإنساني أمر مستحيل، بل يبدو أن التوهم بأن السينما في لحظات كالتي نعيشها الآن يجب أن تبتعد عن حكايات مثل حكاية هند وتركز عن جوهر آخر بعيد عن حكايات أهل غزة هو أمر بمعزل عن الواقع، أما التركيز على نقد كوثر بن هنية يجعل الأمر غارقا في الانشغال بالذات، الأمر أكبر من ذلك.

منذ متى كانت السينما بمعزل عن ما نعيشه في الحياة كبشر؟، هل قلت قيمة "الديكتاتور العظيم" لشارلي شابلن لأنه انشغل بصعود هتلر والنازيين في ألمانيا؟، وهل قلت قيمة فيلم "أوقات حديثة" لأنه حاول التحذير من الرأسمالية؟، هل كان فيلم "القيامة الآن" لفرانسيس فورد كوبولا انتهازيا لأنه يظهر كابوس حرب فيتنام؟
تأثرت السينما، وطوال تاريخها الممتد، بالسياسة، وأثرت فيها بالطبع، ومحبتنا لأفلام بعينها وكرهنا لأفلام أخرى مرتبط بانحيازاتنا السياسية والإنسانية بالتأكيد، حتى في الأفلام التي لا يبدو أن لها موضوعا سياسيا مباشرا.
