بلا بطولات.. ثلاثة أفلام من إيران ومصر والصين تكتب الهزيمة الإنسانية بواقعية

ثلاثة أفلام من إيران ومصر والصين تقول الفكرة نفسها بطرق مختلفة: حين يضغط الفقر والمدينة والزمن على البشر، لا يبقى من البطولة شيء، وتصبح النجاة ومضة رحمة صغيرة بين رجل وامرأة يحاولان أن يظلا إنسانين

ثلاثة افلام من ايران ومصر والصين تلتقط الهزيمة حين تصبح خبزا يوميا لا حدثا استثنائيا. من شوارع المدينة القاسية الى بيت ينهار ببطء، لا بطولات ولا خطب، بل اجساد تتعب وعيون تراقب بصمت. ومع ذلك تبرق الرحمة: يد تمتد، رغيف يقسم، او نظرة تعترف بالإنسان. بين الريف والمدينة تتعثر الوعود، وتغيب الدولة كظل اداري، وتبقى العدالة مؤجلة على ابواب الفقراء. هنا تنكشف الهزيمة كجرح اجتماعي، والرحمة كاحتمال نجاة صغير.

كيف تتناول السينما الهزيمة ولا تقع في فخ الميلودراما أو البطولات الزائفة؟ وكيف تستطيع رسم علاقة الرجل بالمرأة، لا أنها صراع أبدي أو توزيع آلي للأدوار، بل علاقة مشروطة بما هو أوسع؛ المدينة، والفقر، والحرب، والمكان؟

يتصدر هذا السؤال 3 أفلام من عوالم شتى، هي:”إخوة ليلى” – إيران،”آخر أيام المدينة” – مصر،”العودة إلى الغبار” – الصين.

فيلم "العودة إلى الغبار" (2022) هو سادس افلام المخرج وكاتب السيناريو "لي رويجونط، وتدور احداثه في قرية نائية بمقاطعة "غاوتاي" في اقليم "قانسوط شمال غرب الصين. يواصل المخرج انشغاله بتهميش الحياة الزراعية وتلاشيها تحت ضغط التحضر السريع

ومع أن سياقاتها متباينة، فإنها تلتقي عند خط واحد، ألا وهو الرجل والمرأة والمدينة محاصرون معا بأحلام محطمة وظروف خانقة، حيث النجاة لا تكون بإعادة إنتاج الأدوار النمطية، ولا تحميل طرف عبء الصمود، بل في ومضات الرحمة والقبول الإنساني.

في هذه القراءة، نحاول تتبع هذا الخيط المشترك؛ كيف يكشف كل فيلم مأزق المدينة أو الريف، والأعباء التي ينوء بها الرجال والنساء، والنجاة الممكنة حين نتخلى عن أوهام البطولة، ونتمسك بالمشاعر البسيطة، لمسة يد، أو نظرة امتنان، أو ضحكة من قلب الهزيمة.

"إخوة ليلى".. فقر وأحلام مؤجلة ونجاة مستحيلة

في فيلم "إخوة ليلى" (Laila’s Brothers)، الذي عُرض عام 2022، يرسم المخرج الإيراني سعيد روستاي لوحة عن حياة أسرة على حافة الفقر والانكسار، محاصرة بالبطالة والتضخم والعادات الثقيلة وعبث السلطة. في وسط هذه الفوضى تبرز ليلى (الممثلة ترانه علي دوستي) كالعقل النابه بين 4 إخوة عاطلين، امرأة وحيدة تواجه قدرا من الفشل، يتكاثر حولها مثل فطر سام.

فيلم "إخوة ليلى" (Leila’s Brothers) للمخرج والكاتب الإيراني سعيد روستايي ثالث أعماله السينمائية الطويلة، وهو دراما اجتماعية كثيفة الأحداث، تتبع عائلة إيرانية تكافح للبقاء وسط مجتمع ينهشه الفساد وتطحنه الأزمات الاقتصادية

لا يشرّح الفيلم الفقر أنه ظرف اقتصادي فحسب، بل بنية خانقة تولّد عجزا بنيويا؛ أب يسعى إلى لقب "شيخ العائلة" على حساب قوت أسرته، وإخوة يحلمون بعمل بسيط بلا جدوى، ومدينة تبتلع الجميع بلا رحمة. هنا يصوّر المخرج نسخة من "المدينة الجائعة"، حيث يغدو فضاء المدينة قوة غاشمة تسحق ساكنيها.

يتمحور الفيلم حول الأخت ليلى، التي تؤديها ببراعة ترانه علي دوستي – التي عرفها الجمهور الدولي في فيلم "عن إيلي" لفرهادي ، ومعها إخوتها الأربعة الذين يختلف كل واحد منهم في الشخصية والمظهر والمصير

تبدو ليلى في الفيلم كتصحيح لمفارقة تحدثت عنها سيمون دي بوفوار في الجنس الآخر: امرأة لا تسيرها العادة، ولا تمضي حيث يدفعها الأخوة الذكور، بل تمانع وتعيد تسمية نفسها داخل البيت نفسه. غير ان هذه القوة لا تعرض بوصفها تحررا رومانسيا، بل بوصفها مقاومة هشة يطوقها الفقر، وتضغطها الذكورية، وتبتلعها المدينة.

إعلان

يلمح الفيلم إلى أن وضع عبء الصمود كله على كتف المرأة ليس تمجيدا لها، بل توسيعا لعنف قديم بثوب جديد. وفي المقابل فإن دفع الرجل إلى ما يفوق طاقته، كي يحمي نفسه وأهله، أو كي يمارس تدليلا دائما للمرأة باعتبارها الأجمل، سواء بدافع قناعة داخلية أو تحت ضغط إحساسها بالاستحقاق، ينتج بدوره صيغة أخرى من الذكورية، لكن مقلوبة الاتجاه.

ليلى، المرأة الوحيدة العاملة في البيت، تمثل العقل والضمير، لكنها أيضاً ضحية منظومة ذكورية لا ترى في جهدها سوى أمرٍ مفروغ منه. إنها تكسب قوتهم وتمنحهم الأمان، ومع ذلك تقصى عن القرارات وعامل كأنها "جندي مجهول" في معركة عائلية يقودها رجال عاجزون عن إدارة حياتهم

بهذا يعري الفيلم مفارقة موجعة: الأدوار الموروثة، حين تفرض على الرجل أو على المرأة، لا تنقذ أحدا، بل تتحول إلى قهر إضافي يمارسه المجتمع على الطرفين معا.

يتردد هذا الوعي في فيلم "انفصال" (A Separation) للمخرج أصغر فرهادي (2011)، حيث يعلق الزوجان بين المدينة والمحاكم والعائلة، ويتآكل ما بينهما تحت ضغط الدور الاجتماعي. ليست المعضلة في رجل سيئ او امرأة سيئة، بل في منظومة اقتصادية واجتماعية تضعهما امام مواجهة مستحيلة مع ادوار لا يملكان ترف رفضها.

إنها دراما اجتماعية متشعبة ومفعمة بالطاقة، يقوم ببطولتها طاقم ممثلين مدهش، في تأكيد على أسلوب روستايي الذي يجمع بين الواقعية القاسية والدراما الأدبية الكثيفة. ويكشف الفيلم عن موهبة مخرجٍ في الثانية والثلاثين من عمره يمتلك صوتاً فنياً جريئاً وعميقاً

وتبلغ المأساة ذروتها في شخصية الأخ علي راضي،(الممثل نافيد محمد زاده)، الذي يحمل حبا مكسورا يشبه عشقا عذريا مستحيلا. نراه واقفا أمام بيت محبوبته بصمت مرتجف، عاجزا عن الكلام، كاستعادة معاصرة لعاشق مقهور تفتك به الأعراف والفقر أكثر مما تفتك به المرأة ذاتها.
هنا يطرح الفيلم سؤالا وجوديا: هل يزهر الحب بلا أمل؟ وهل يمكن للمحب أن ينجو داخل مدينة لا تمنح سوى الخسارات؟
ويقف "إخوة ليلى" عند تقاطع مع فيلم "روزيتا" للأخوين داردين إنتاج (1999) ، الذي تكشف سحق المدينة للأسرة، لكن روستاي لا يترك نافذة ضوء: النهاية لا تمنح خلاصا، بل ضحكا مرا ورقصا على جمر الفقر، كأن النجاة الوحيدة أن تظل قادرا على الحركة، ولو في قاع الجحيم.

هنا يطرح الفيلم سؤالا وجوديا: هل يزهر الحب من دون أمل؟ وهل يستطيع المحب أن ينجو من مدينة لا تمنح سوى الخسارات؟

"آخر أيام المدينة".. الحزن الجمعي والمدينة التي تلتهم أبناءها

في فيلم "آخر أيام المدينة"، للمخرج تامر السعيد (2016) ، يطلّ وجه القاهرة كأنه مرآة باهتة لكل مدن المنطقة، مدينة لا تحيا ولا تموت، تُطحن فيها الأرواح كما تُطحن الحجارة.

تدور أحداثه الفيلم في عام 2009 داخل القاهرة، حيث يعيش خالد، المخرج الشاب، وهو يحاول إنجاز فيلم عن المدينة وما تختزنه من أحلام مؤجلة، بينما يواجه شبح طرده من شقته، واحتمال هجرة حبيبته. وسط هذا كله، يعود بذاكرته إلى طفولته، حين كانت القاهرة تبدو مكانا أكثر إشراقا واتساعا للأمل

يشبه بطل الفيلم خالد إخوة ليلى في كونه محاصرا في عالم تتداعى جدرانه بلا توقف، لكن سجنه أوسع، فهو مدينة تتنفس حزنه وتضاعفه، مدينة تأكله بلا رحمة.

إعلان

تراه مجرد رقم في مدينة مزدحمة بالبشر، لحم فوق بعضه، أحزان تتجاور، وضجيج يطوق الجميع، فلا يبقى فيهم ما يحتمل صوته اللجوج، وغيم كئيب يعتلي المدينة، ترى عبره الأحلام تحترق، والأعمار تضيع في صفوف أنصاف الفرص والفساد والانتظار.

المدينة في الفيلم ليست خلفية، بل كيان خانق حاضر في كل شيء، في الشوارع المكتظة، والوجوه المرهقة، والمرضى في المستشفيات، والشقق الضيقة التي تشبه قبورا معلقة. كل ذلك يذكّر بدراسات "المدينة شخصيةً سينمائية"، فنرى القاهرة بطلا مؤذيا، يعيد تشكيل مصائر البشر، وفق إيقاعه المريض.

في اللقطات الخاطفة من نافذة شقة خالد، حين تحلق أسراب الحمام في دوائر فوق القاهرة، بينما هو قابع خلف زجاج النافذة التي تبدو كقضبان سجن

يشبه خالد شخصية علي راضي في "إخوة ليلى"، فنراه يواجه حبا مستحيلا، لكن علي يختنق تحت ثقل الفقر والتقاليد، أما خالد فينهزم أمام مدينة تستنزف أحلامه بلا رحمة.

تختار حبيبته الرحيل، ورفاقه يرحلون جميعا، كل بطريقته، إما إلى برلين، أو إلى الموت، أو إلى الصمت.

فمنهم من رحل عن بغداد قاصدا برلين، لأنه لا يطيق مشاهد الجثث والحرب، ولم يعد يستطيع أن يمسح خط الدم الطويل، الممتد بطول التاريخ، ومنهم من لم يستطع أن يصور مدينته بيروت لأنها مجرد كذبة، فخاف إن صورها أن يضيع، ومنهم من بقي يحاول أن يلتمس في الأمكنة طريقة للوداع، لا يسعى لإنقاذ القاهرة، بل يضمد جراحها قليلا قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، وأن يرى حبيبته قبل أن ترحل، وهو خيارها الحر، الذي بدا حرا.

لا يفلح خالد في الفكاك من حب قديم يلاحقه كظل لا يزول، يلمح حبيبته بين حين وآخر صدفة، أو يختلق الذرائع كي يراها، كأن القلب لا يزال يبحث عن فرصة لم تكتمل. ويعمق المخرج هذا الإحساس بـ"عدم الإنجاز"

أما أمه فهي بمكانها في المستشفى، المكان الوحيد الذي يشعر فيه بالأمان، ولم تكن مريضة، لكنها شاخت، ويقدَّم البقاء عبئا لا بطولة، فهكذا يُقدَّم الحزن في الفيلم، لا حالة فردية، بل ذاكرة جمعية تتشظى بين بغداد وبيروت والقاهرة.

تبدو المدينة هنا قاتلة ومحبوبة في الوقت نفسه، فنرى الأبطال يُجاهرون بكراهيتها، لكنهم مأخوذون بها وبجمالها الفاسد. وهذه المفارقة هي جوهر السرد، فالكراهية الشديدة قد تكون أحيانا شكلا من أشكال التعلق العميق.

المدينة سجن، تلك هي الخلاصة. لا نجاة في الاحتماء بالماضي، لأن الماضي مضى وانطفأ، ولم يعد يصلح جسرا للعبور. عندها عاد خالد إلى شقته، كأنه يريد أن يحسم أمره أخيرا: فتح النافذة للمرة الأولى، في حركة توحي بأنه يهم بالانتحار بعدما انسدت الطرق كلها. لكنه لم يفعل. اكتفى بأن يجلس على الحافة، مسمرا نظره في المدينة

يلتقي الفيلم مع فيلمي "سكر بنات" (2007)، و"كفرناحوم" (2018)، للمخرجة نادين لبكي، حيث تبدو بيروت -مثل القاهرة- فضاء خانقا للحب والسياسة، وجرحا حيا يمشي على قدمين.

يقول مخرج "آخر أيام المدينة" إن الفيلم كُتب للجميع، فكل مشاهد يجد فيه حكايته. في النهاية، يودّع خالد حبيبته بصمت، ويشاهد من شبابيك شقته المدينة تلفظه من جديد، إلى شارع متأجج بالعنف والهتاف.

البقاء هنا يشبه الوقوف على حافة هاوية، فلا خلاص، بل قدرة مؤقتة على الاحتمال. إنه نصّ سينمائي عن الحزن الجمعي، وعن خسارة الحبيبة والوطن والحلم، كأن العنوان الأدق هو قصة طويلة عن الحزن.

"العودة إلى الغبار".. الريف فضاءً للهشاشة والرحمة

في فيلم "العودة إلى الغبار" (Return to Dust)، للمخرج "لي رويجون" (2022)، يبتعد المخرج عن صخب المدن إلى الهامش الريفي، حيث يعيش زوجان منسيّان، هما رجل صامت وامرأة مريضة، وهما مهمّشان من أهلهما ومجتمعهما.

بدأ زواجهما ترضية للأهل، لكنه أصبح مساحة صغيرة للرحمة، تُبنى على تفاصيل يومية بسيطة؛ نظرة خجولة، وإطعام حمار، ومشاركة رغيف، وصمت مشترك أثناء العمل في الحقل أو بناء البيت طوبة طوبة.

إعلان

تحكي الزوجة أنها حين رأته يطعم حماره بحنان، شعرت أن الحمار يعيش أفضل منها، وأن هذا الرجل لن يعاملها بسوء، أما هو فقد اعترف هو بخجله حين نظرت إليه، من مجرد نظرة.

على عربة حمار محملة بالقش، يمضي "ما يوتيه" و"غويينغ" في طريق ترابي طويل، كأنهما يحملان رزقهما الهش على ظهر صبرهما

يقدَّم الريف -مع قسوته وفقره- بديلا إنسانيا عن المدينة القاسية، فبينما تُسحق الشخصيات في "إخوة ليلى"، وتختنق في "آخر أيام المدينة"، يفتح هذا الفيلم نافذة على نجاة قائمة على الرحمة والتفاهم وقبول هشاشة الآخر.

يرى النقاد الريف في السينما الصينية فضاءً للصمت والفقد، ويصنع المخرج "رويجون" من هذا الصمت حكاية حب، تنمو ببطء بين اثنين يراهما الجميع بلا قيمة.

هنا يرتد صدى ما كتبته أ"ريان جيتانو "عن الريف الصيني بوصفه مرآة للحداثة وهامشها في آن واحد، وما أشارت إليه "شياو بينغ تانغ" عن المرأة الريفية كعلامة على تغير اجتماعي يتأرجح بين العادة والحداثة. فالبطلة التي تدخل الحكاية عبئا ثقيلا، تتحول تدريجيا إلى محور العلاقة منذ لحظة ثقتها الأولى في حنان الزوج.

معه تكتشف معنى الشراكة والقبول في تفاصيل تبدو هامشية لكنها تصنع مصيرا: ذهابه لطحن القمح بينما تتابع تلفاز الجيران، انتظارها له في البرد، وإعادة تسخين الماء مرة بعد مرة كي لا ينكسر الدفء القليل المتاح لهما.

تتمحور حبكة الفيلم حول كيفية تفتح الحب تدريجيا بين هذين المنبوذين اجتماعيا، بعد زواج مرتب، وكيف يعثران على شكل من السعادة داخل مشقة اليومي: حراثة الارض، وبناء البيت، واحتمال الفقر.

تتمحور حبكة الفيلم حول كيفية تفتح الحب تدريجيا بين هذين المنبوذين اجتماعيا، بعد زواج مرتب، وكيف يعثران على شكل من السعادة داخل مشقة اليومي: حراثة الارض، وبناء البيت، واحتمال الفقر.المشهد الأكثر قسوة هو غرق الزوجة في الترعة ( مجرى مائي صناعي) أمام عيون جيران لا يكترثون، وهو يختزل أطروحة الفيلم: الدولة غائبة عند لحظة النجدة، والمجتمع حاضر بالجسد متبلد بالفعل، والمدنية مجرد واجهة لا تمد يدا حين يلزم. ولا تبقى سوى علامة حب أخيرة: رجل صامت يضع حبات القمح على يدها كوشم وداع، لا كطريق نجاة.

ومن هنا تتبدى مفارقة "التكامل" بين الريف والمدينة: ما يقوله باحثون عن انتقال العلاقة من الصدام إلى محاولة الاندماج يصطدم بما يراه الفيلم على الأرض. ففي "العودة إلى الغبار" يظل هذا الاندماج شكليا ومؤجلا، يظهر في الخطاب وفي الصورة الرسمية، لكنه لا يتحول إلى حماية فعلية تمنع الغرق.

ثم يأتي مشهد يبدو كأنه مقتطع من رواية رسمية زائفة عن إسكان محدودي الدخل: فلاحون في شقق عالية لا تشبه حياتهم. يسأل الرجل الصحفية التي تصوره للإعلام الرسمي، ونظراته تتيه بين الجدران: بيت جميل وواسع، لكن أين سينام الحمار والخنزير والدجاج؟ ثم يعود إلى حظيرته ليأكل مع زوجته والدجاج، كأنه عاد أخيرا من ديكور المدينة إلى عالمه الحقيقي.

يدور الرجل بعش السنونو من بيت إلى آخر، يخاف أن يعود فلا يجد مكانه، بعد أن يهدم أخوه المنزل طمعا في تعويض حكومي، وهكذا ينتقل من منزل إلى آخر حتى يقف في المشهد الأخير بجوار جرافة تهدم جدران بيته الطيني، الذي بنته معه زوجته الغريقة.

لم يكن للزوجين بيت خاص، فسكنَا بيوتا خاوية هجرها أصحابها إلى المدن. لكنهما اضطرا للتنقل كلما عاد المالكون بعدما علموا بخطة تطوير القرية وتعويض إزالة البيوت المهجورة. عندئذ قررا أن يبنيا لهما بيتا، طوبة طوبة

لكنه لا يبكي، بل يضع على يدها وشما من حبوب القمح، ثم يبيع المحصول كله، لأنه عاد وحيدا، ليست له أنيسة تشاركه الحلم مع طبق الحساء وبيضة مسلوقة، حين تكون أول ما كسبا من الدجاجات.

يحكي الفيلم الكثير بصمت، في صورة دافئة من حياة عادية تصنع فقاعتها في هواء نقي بعيد عن صخب العالم. بعيدا عن تصورات الزواج النمطية، يقدّم الفيلم علاقة تقوم على التفاهم وعدم الهوان، وهما قيمتان تعززان المشاركة والشغف ورؤية العالم بعيني الآخر، ومما يشي بإخلاصه العميق مشهد إزالة رمز السعادة الزوجية من الحائط، ووضع صورة الزوجة مكانه.

يتحاور المخرج "رويجون" سينمائيا مع تراث عالمي، مع المخرج الياباني "ياسوجيرو أوزو" في فيلم "قصة طوكيو" (Tokyo Story)، الذي أخرجه عام 1953، حيث تواجه القرية قسوة المدينة.

إعلان

ومع المخرج الأمريكي "تيرينس ماليك" في فيلم "أيام من الجنة" (Days of Heaven)، الذي عُرض عام 1978، حيث الحقول بديل مؤقت عن صخب الحداثة.

ومع المخرج الإيراني "عباس كيارستمي" في فيلم "ستحملنا الريح" (The Wind Will Carry Us)، الذي عرض عام 1999، حيث الريف فضاء للأسئلة الكبرى.

وكما في "العودة إلى الغبار"، يصبح الريف هنا فضاء أخلاقيا هشا لكنه رحيم، يمنح إمكانية نجاة حين تغلق المدينة أبوابها.

هكذا لا يقدّم الفيلم الريف طوباويا، بل ملاذا تتجلى فيه الرحمة، وهي أسمى أشكال النجاة، فبين قسوة السلطة وصمت الجيران وبرودة الحداثة، لا يبقى للإنسان سوى قلب يحنو على الآخر، أو يترك له أثر حب صغير من حبوب القمح، ليشهد أن الحياة -مع كل شيء- ما زالت تستحق أن تُعاش.

وجوه الهزيمة .. ممكنات النجاة

تبدو المدن والقرى في هذه الأفلام الثلاثة مسارح كبرى للهزيمة، أما طهران فتلتهم أبناءها تحت وطأة الفقر والتضخم، وأما القاهرة فتصبح مرثية عن الحزن والفقد، وأما الريف الصيني فيقوم على هشاشة مهددة بالزوال. وفي كل هذه الأمكنة يُسحق الرجل والمرأة معا، لا لأنهما عدوان بل ضحايا لمدن قاسية وأزمنة خانقة.

ومع ذلك، تكشف الأفلام لحظات صغيرة من النجاة، منها ليلى التي ترفض الاستسلام، وخالد الذي يحاول مداواة جراح مدينته ولو بالنظر، والزوج الريفي الذي يترك على يد زوجته الميتة وشما من القمح علامة حب أخيرة.

هذه الومضات لا تغيّر العالم، لكنها تغيّر معنى العيش فيه، مؤكدة أن النجاة لا تأتي من الأدوار المفروضة أو الأوهام الكبرى، بل من رحمة متبادلة تقبل الآخر في ضعفه وهشاشته.

وهكذا تتجاوب الأفلام الثلاثة -على تباعدها في المكان والثقافة- مع سؤال واحد: كيف يظل الإنسان محبا صادقا في عالم بلا أمل؟ الجواب لا يكمن في القوة ولا الامتثال، بل في قلب رحيم يرى في الآخر إمكانية للعيش، لا عبئا إضافيا.

أهذه حكايتي، أم حكاية خالد، أم حكاية ليلى، أم حكاية المدينة، أم هي بالأحرى مرثية للمدينة، أم حكاية ألف خالد وليلى تقتلهم المدينة كل يوم، حكاية مدينة تحت الركام، لم تبق منها إلا صورة فقط، والكثير الكثير من الأشباح

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان