وثائقي "السيد سكورسيزي".. بورتريه حميم ومعقد لأحد أهم مخرجي السينما في كل العصور

"مارتن سكورسيزي" واحد فقط، وهو حجر أساس في هذا الفن الذي اسمه السينما
لم يكن مثله أحد قط، ولن يكون."ستيفن سبيلبرغ" في مسلسل "السيد سكورسيزي".
منذ اللحظة الأولى، تخبرنا المخرجة "ريبيكا ميلر" بما تسعى إليه في مسلسلها "السيد سكورسيزي" (Mr. Scorsese)، حين تضيف للعنوان الرئيسي آخر فرعيا "بورتريه فيلمي" (Film Portrait).
حكايات المخرج "مارتن سكورسيزي" عن نفسه، وما يقصه أصدقاؤه ومحبوه عنه، وحكايات أفلامه وكواليسها، ترسم بورتريها معقدا وحميميا لواحد من أعظم صانعي الأفلام على مر العصور، وربما أيضا أعظم محب للسينما على ظهر البسيطة اليوم.
كان هذا العمل بالأساس محادثة بين المخرجة "ريبيكا" وبطلها "سكورسيزي"، تسمح للجمهور برؤية مباشرة لخياراته الإبداعية ودوافعه الفنية، لكنه صار عملا عن حياة الرجل وشخصيته الإنسانية والفنية.

ما تفعله هو التعمق في تاريخ "سكورسيزي"، مُستكشفة طفولته وعائلته وأصدقاءه وحبه للسينما، ثم تنتقل إلى مسيرته الطويلة الحافلة بالنجاحات والإخفاقات، ولا يلقي المسلسل ضوءه على إخفاقات مهنته فقط، بل على ظلاله الشخصية، مثل نوبات غضبه العنيفة، وعلاقته المضطربة بالمرأة، وصراعه مع الإدمان.
ومثل سينما "سكورسيزي"، لا تتجنب "ريبيكا" في عملها جوانب بطلها المظلمة لبطلها، بل تستكشف العالم المتناقض في قلبه، بين الإيمان والشك، وبين الخطيئة والخلاص، وبين النور والظلام.
نحاول هنا تبين الملامح الأبرز في "بورتريه سكورسيزي" كما أظهرتها وأطّرتها "ريبيكا ميلر".
الخروج من الجنة.. إيقاعات العنف في حياة الطفل "مارتي"
تستكشف "ريبيكا" طيلة مسلسلها (5 ساعات) الروابط بين حياة "سكورسيزي" الشخصية وأفلامه، بحوارات مباشرة معه ومع زملائه، وشركائه المبدعين مثل "روبرت دي نيرو"، و"ليوناردو دي كابريو"، و"ثيلما سكونميكر"، و"بول شرايدر"، مدعومة بمقاطع من أفلامه وحكايات عن صناعتها.
يحكي "سكورسيزي" عن حادثة مبكرة ومؤثرة في حياته، وقعت في "كورونا- كوينز"، حيث كان صغيرا يعيش مع أخيه الأكبر وأبويه، وكان الحي أشبه بجنة صغيرة في عيني الطفل.

شب شجار عنيف بين أبيه ومالك العقار الذي يسكنه، وهو يذكر العنف والصدمة مما رأى. يقول: أتذكر أن أحدهم أخرج فأسا، قبل أن تتدخل خالتي لوقف الشجار.
حُسم الأمر قبل أن يتفاقم العنف، لكن النتيجة كانت إجبار عائلة "سكورسيزي" على المغادرة. يقول بأسى: لقد طُردنا من الجنة.
ثم إنهم استقروا لاحقا في مكان من شارع إليزابيث في حي إيطاليا الصغيرة، الذي كان مكانا للخوف عنده، كان أشبه بالجحيم.
إن سماع "سكورسيزي" يتحدث عن هذه اللحظة على خلفية مشاهد من أفلامه، يشهد فيها الأطفال عنفا وعدوانا مروعا مثل فيلمي "الثور الهائج" (Raging Bull) و"الأيرلندي" (The Irishman)، يجعلنا نرى مثل هذه المشاهد صدى لتلك اللحظة المؤلمة الممتدة في عمق الطفولة. هذا هو نهج المخرجة "ريبيكا" الأساسي في مسلسلها، حيث الربط الذكي والحساس بين حياة "سكورسيزي" وسينماه.

يحكى "سكورسيزي" أيضا عن نهاية فيلم "سارقو الدراجات" (Ladri di biciclette) للمخرج الإيطالي "فيتوريو دي سيكا"، إذ يتهم الأب بالسرقة ويعنف أمام ابنه، والأثر العميق الذي تركته في قلبه. وحين يفكر في عمق تأثير هذه النهاية فيه، يرى أن الأمر يعود لاستعادة لحظة الطرد من "كورونا"، وإحساس الخزي الذي شعروا به آنذاك، مثلما شعر به الأب وطفله في تحفة "دي سيكا".
"سكورسيزي" والوقوع في حب السينما.. السينما خلاصا
يغوص المسلسل في طفولته بحي إيطاليا الصغيرة في مانهاتن السفلى، وهو من أكثر الأحياء الأمريكية عنفا، متتبعا الشخصيات الحقيقية التي تسللت إلى أفلامه اللاحقة عن العصابات، وإصابته بالربو، ووقوعه في حب السينما التي جاءته خلاصا على أكثر من مستوى.
عندما كان طفلا مصابا بالربو، كان يختنق تحت حر الصيف، وكانت قاعة السينما المكان الوحيد المكيف في الحي، فلجأ والداه للسينما لإنقاذه من نوبات مرضه، التي تزداد في الصيف، غير مدركين أنهم بذلك قد غيروا مصير طفلهم إلى الأبد.

هناك في قاعات السينما، عرف "سكورسيزي" كيف يتنفس، وهكذا بدأ شغفه الكبير بالأفلام، ويحكي عن مرضه وحرمانه من اللعب مع أقرانه، مما دفعه ليشاهد العالم من نافذته. فيقول: ربما لهذا أحب اللقطات المصورة من زاوية علوية، لأنها تماثل وجهة نظر الطفل "سكورسيزي" في نافذة مسكنه في إيطاليا الصغيرة وهو يتطلع للعالم.
تعرض المخرجة "ريبيكا" عددا من لقطات الزاوية العلوية في أفلامه، فمنها "سائق التاكسي"، و"رفقة طيبون" و"عصابات نيويورك". ويمزح المخرج "سبايك لي" في أحد المشاهد قائلا: شكرا للرب على الربو، لأنه منحنا "مارتن سكورسيزي".
تتجلى السينما مرة أخرى في حياته خلاصا على مستوى آخر ربما أكثر جوهرية. لقد منحه شغفه الهائل والممتد بالسينما وعمله بها لاحقا تذكرة خروج من مكان يقتات على العنف، لم يكن لفتى مثله أن ينجو فيه.

يحكي "سكورسيزي" عن حوار جمعه بالكاتب "غور فيدال"، وقد أخبره أنه في الحي الذي نشأ فيه، عليك أن تكون رجل عصابات أو قسا لتنجو، فقال "فيدال": حسنا لقد أصبحت كليهما.
وما يقصده "فيدال" هو أن سينما "سكورسيزي" طالما كانت فضاء لرجال العصابات، لكنها كانت أيضا تطرح أسئلة دينية جوهرية، عن من نكون، وعن طبيعة الخير والشر بداخلنا وفي العالم.
في مراهقته أراد "سكورسيزي" أن يكون قسا، وبدأ دراسة اللاهوت، لكنه تركها بعد مدة قصيرة ليلبي نداء السينما، وحين يتحدث عن شغفه بها، فإنه يمنحه مسحة دينية، ويسميه "نداء باطنيا".
أبطال "سكورسيزي".. رقصة عنيفة بين القداسة والإثم
حين يتحدث "سكورسيزي" عن أحد مشاريع أحلامه، وهو فيلم "الإغواء الأخير للمسيح" (The Last Temptation of Christ)، وهو فيلمه الأكثر جدلا، يخبرنا أنه قرأ رواية الكاتب "نيكوس كازنتزاكيس"، التي تحمل الاسم نفسه مطلع السبعينيات، ومنذ يومئذ وهو يحلم بتصويرها.
وهذا الفيلم تحديدا لم يكن مجرد فيلم آخر عنده، بل كان أهم فيلم ينبغي أن يصنعه، كان مرجع ذلك حسب تعبيره "بسبب خلفيتي الدينية، وحقيقة أني أردت أن أكون قسا، وحقيقة أني لم أترك الكنيسة ولم تتركني".

تصفه طليقته "إيزابيلا روسليني" بأنه قديس آثم، وذلك وصف ينطبق على أبطاله أيضا، ففيهم شيء من القداسة، يتجلى عبر أسئلة الروح وسط عالم غارق في الخطيئة. تعرض المخرجة "ريبيكا" بذكاء هذا الانقسام في شخصية "تشارلي" (الممثل هارفي كايتل) بفيلم "شوارع وضيعة" (Mean Streets)، للمخرج "سكورسيزي" (1973)، فتقسم الشاشة نصفين، في أحدهما "تشارلي" غارقا في الضوء الأحمر في حياة الخطيئة التي يعيشها، وفي الآخر نجده راكعا أمام الصليب يصلي.
لا ترتبط روحانية سينما "سكورسيزي" بأفلامه ذات السمات الدينية الواضحة، مثل "الإغواء الأخير للمسيح"، و"كوندون" (Kundun) و"الصمت" (Silence)، فحتى وهو يخوض في أكثر العوالم قسوة ودموية، ظل مخلصا دائما لأحلام الروح.
"سكورسيزي" الوحيد.. ذئب يتطلع من بعيد لنيران المدينة
يتحدث "سكورسيزي" لـ"ميلر" كثيرا عن شعوره المزمن بالوحدة، رغم كونه اجتماعيا، تبعه دوما ظل اغترابه. ففي جامعة نيويورك -حيث درس السينما- كان الزملاء يعيشون في أماكن جميلة وينحدرون من عائلات من الأطباء والمحامين، لذلك طالما شعر بالحرج من الحديث عن نفسه ومن أين أتى. سحره سيناريو "سائق التاكسي" الذي كتبه "بول شريدر"، فكان يردد بعد قراءته "يا الهي كأني ألفته بنفسي".
كانت أصداء الوحدة والغضب والاستياء هي ما جمعت "سكورسيزي" بـ"ترافيس بيكل" بطل "سائق التاكسي" الذي يردد في الفيلم: أنا أكثر أبناء الرب وحدة.

هناك جملة فتنت "سكورسيزي" في سيناريو "شريدر" الأصلي وهي تصف "ترافيس" وهو يراقب "بيتسي" في مقر حملة الانتخابات، فقد وصفه "شريدر" بذئب يراقب نار المخيم من بعيد. تلك الصورة صدمت "مارتي" لأنه أحسها بعمق؛ فقد كان "سكورسيزي" دائما الطفل على طرف الملعب؛ قصير ومصاب بالربو ويخشى دائما ألا يتم قبوله من الآخرين.
فكيف صمم "سكورسيزي" هذه العزلة سينمائيا؟ إنه يضع "ترافيس" دائما وحيدا في الكادر. إنه موجود في كادر الآخرين، لكنه حين يعود بالكاميرا إليه فهو وحده. إنه وحيد حتى وسط الحشود، يبقى كل من حوله مضببا وغير مرئي بوضوح. هذا البحر من الناس غير قادر على اختراق وحدته.
"سكورسيزي" وهوليود.. غريب في بلاد غريبة
حين خرج "سكورسيزي" أخيرا من حي إيطاليا الصغيرة متوجها نحو هوليود في بداية عشرينياته، كان يحلم أن تصير هوليود بيته، لكن مدينة السينما عاملته غريبا، ويصفه صديقه "براين دي بالما" آنذاك بقوله: كان مثل غريب في بلاد غريبة.
كان يقوده طموح هائل، وكان يسعى لفعل أي شيء لبلوغ حلمه، حتى لو قتله ذلك، وقد تجد صدى هذا الهوس لدى شخصياته، فهم يحملون أيضا هذا العذاب المرتبط بنيل شيء يتعذر بلوغه. كان "سكورسيزي" خلال هذه الحقبة هو المستضعف الذي يحلم بالنجاح.

يجد "نيكولاس بيليجي" صديقه وكاتب السيناريو الذي عمل معه في عدة أفلام منها "كازينو" و"رفقة طيبون" أن هذه السمة تخترق عددا من أفلامه، سواء كان ذلك "جوردان بيلفورت" في "ذئب وول ستريت" (The Wolf of Wall Street) أو "روبرت بامبكين" في "ملك الكوميديا" (The King of Comedy)، أو "الفتى هنري هيل" في "رفقة طيبون"، فكلهم مستضعفون، لا يتوقع أحد نجاحهم، ومستعدون لفعل أي شيء ليصبحوا مهمين.
أراد "سكورسيزي" أن يصنع أفلاما من قلبه وعن شخصيات تهمه، شخصيات لديها ظلامها الداخلي ودفعها للحدود القصوي. إذا آمن المرء بما يريد أن يقوله، فعليه أن يخاطر. كان "سكورسيزي" على استعداد للمخاطرة دائما، لكن هوليود لم تكن أرض المخاطرة، ومن ثم ظلت علاقته بها تحمل هذا التوتر الدائم، بين ما يريده وما تفرضه الأستوديوهات، حتى بعد إخراج أفلام ناجحة بقيمة "سائق التاكسي" و"الثور الهائج".
"سكورسيزي" وإعادة اختراع الذات
بعد إخفاق "سكورسيزي" الكبير في أفلام مثل "نيويورك نيويورك" (1977) عام و"ملك الكوميديا" (1982)، قيل في هوليود إنه انتهى، لكنه دائما ما أعاد ابتكار نفسه. وترى المخرجة "ريبيكا ميلر" في حوار لها عن مسلسلها أن حياته ومسيرته المتأرجحة بين صعود وهبوط، تمنحنا نوعا من الأمل في أن إعادة تعريف أنفسنا لها طريقة دائما.
لقد سقط "سكورسيزي" إلى القاع، ثم نهض مرة أخرى، وقد قارب الموت مرارا لكنه عاد للحياة. يتذكر "دي نيرو" زيارته له في المستشفى، حاملا مذكرات الملاكم "جيك لاموتا"، وسأله هل يرغب في الموت أم العيش والمشاركة في هذا الفيلم عن "لاموتا". ويعترف قائلا: كان جزء كبير مني يرغب في الموت.

أدرك "سكورسيزي" في ضوء أزمته جوهر حكاية "لاموتا"، حكاية رجل يهبط إلى جحيمه بقوة دفع غضبه المكبوت، وشكوكه وعواطفه الهائجة. حكاية رجل كان بإمكانه أن يحقق كل ما يحلم به، لكنه أضاع كل شيء وخرب حياته.
تعرف "سكورسيزي" على نفسه ومصيره في مأساة السقوط التي عصفت بحياة "لاموتا"، وصار دافعه لإخراج فيلم "الثور الهائج" هو فهم شخصيته وسلوكه المدمر لذاته، كأنه بذلك سيفهم نفسه، وما أوصله إلى هذه الهوّة السحيقة. ويختتم فيلمه باقتباس من إنجيل يوحنا، يقول: "كنت أعمى، والآن أبصر". وهو اقتباس يضيء معنى الفيلم.
في السنوات الماضية، أصبح "سكورسيزي" معلم السينما المفضل لدى الجميع، بابتسامته وهدوئه اللطيف وحديثه الشغوف دائما بالسينما، وقد تغير شيء ما فيه، فصار أكثر سلاما مع نفسه ومع العالم.
تلتقط المخرجة "ريبيكا ميلر" هذا التحول في فيلمها وتؤطره بوضوح، ويخبرها أن الحب علّمه التعايش مع غضبه، سيظل الغضب موجودا لكن صار ممكنا الآن أن يحافظ على هدوئه.
عمل "ريبيكا" مثمر ومثير ومؤثر، ويترك فينا جميعا تلك الرغبة في إعادة مشاهدة سينما "سكورسيزي" بعيون جديدة.
