مكتبة "ماكميلان" في نيروبي .. من رمز للعنصرية البريطانية إلى فضاء للثقافة الكينية

تحمل المكتبة في جوهرها رمزية معرفية وثقافية عميقة، تنعكس مكانتها في الحضارات المتعاقبة، باعتبارها فضاء تذوب عند أبوابه نوازع الشر، ويجمع داخله العقول الباحثة عن الضوء وسط العتمة، سعيا إلى جعل العالم مكانا أكثر قابلية للعيش والتفاهم.
غير أن مكتبة "ماكميلان" في نيروبي، شكلت استثناء مؤلما لهذه القاعدة، بعدما مُنع السكان الأفارقة من دخولها، في محاولة استعمارية لحصر المعرفة في يد البيض، وتحويل السود إلى مجرد خدم وتابعين بلا حق في الاطلاع أو التعلم.

لقد شكلت هذه الخطوة واحدة من أبشع المقاربات العنصرية التي مارسها الاستعمار البريطاني في أفريقيا، مقاربة تثير أسئلة حادة حول عالم يدعي التحضر، بينما يحمل تاريخا مثقلا بالدماء والانتهاكات عبر مستعمراته المختلفة.
وهكذا يصبح التساؤل مشروعا: ما قصة هذه المكتبة العمومية التي تأسست رسميا سنة 1931؟ وحصرها فقط للبيض؟ وماذا قدمت من معارف إنسانية وحضارية؟ وهل ما تزال قائمة حتى اليوم؟ وما موقعها في الذاكرة الكينية بعد الاستقلال؟
وحشية الاستعمار البريطاني، تمدد نحو أفريقيا
امتدت اليد البريطانية إلى بلدان كثيرة، من خلال السيطرة المباشرة أو الانتداب أو أشكال أخرى من الهيمنة، وكانت في كل نموذج من هذه النماذج المذكورة تمارس أبشع صور القتل والتنكيل والتعذيب والاستعباد والتمييز والفصل العنصري.
فقد نهبت خيرات تلك البلدان، وجردتها من معادنها ونفائسها وموادها النادرة، وشيدت بها اقتصادها ومدنها ومستقبلها المالي، على حساب الملايين من الضحايا، من الذين سالت دماؤهم ودموعهم حسرة وألما وجوعا.
لم تكن كينيا خارج هذا السياق والسباق الاستعماري؛ إذ فرضت بريطانيا الاستعمارية نفوذها عليها بداية عبر شركة شرق أفريقيا، قبل أن تستكمل السيطرة المباشرة ابتداء من سنة 1901، وهي سيطرة لم تنتهِ إلا سنة 1963، بعد مقاومة شعبية طويلة.
وفي تلك الفترة، استقدموا المعمرين البيض، ومنحوهم الامتيازات الحصرية، من الأراضي الزراعية والمناجم والخدمات، وكان من بين هؤلاء رجل الأعمال الصناعي "ويليام نورثروب ماكميلان" (William Northrup Macmillan) (1872–1925)، ذو الأصول البريطانية الأمريكية الكندية، والأخير وجد في كينيا فرصة ضخمة للثراء، وخزانا لا يجف من المال، فأسس مزارع ومستثمرات واسعة فيها.
وبعد وفاته في فرنسا بسبب المرض، نقل جثمانه ليدفن على تلة في نيروبي وفق وصيته، بحيث يشرف رمزيا على الأراضي التي استحوذ عليها خلال سنوات الاستعمار.
ولتخليد اسمه وسيرته، أقدمت زوجته، مدعومة بأصدقائه والمحيطين به، على إنشاء مكتبة عامة في وسط نيروبي، افتتحت رسميا سنة 1931 تحت اسم "مكتبة ماكميلان العمومية".
لكن المفارقة المريرة أن هذه المكتبة "العمومية" كانت مغلقة في وجه السكان الأصليين من الكينيين، الذين حرموا من أبسط حقوق المعرفة، في تمييز عنصري صارخ، لا يزال يثير السخط في الذاكرة الكينية حتى اليوم.
ماضي كينيا وحاضرها.. مكتبة تخلد الهيمنة
جاءت المقدمة أعلاه كضرورة فنية، لفهم السياق العام للفيلم الوثائقي الأمريكي "كيف تبني مكتبة" (How To Build a Library) للمخرجين الزوجين "مايا ليكو" و"كريستوفر كينغ"، وهو أحد أبرز الأعمال الوثائقية الصادرة هذا العام.
وقد تجلت تلك الأهمية من خلال فوزه بجائزة لجنة التحكيم الخاصة للرؤية الإبداعية، ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية العالمية في مهرجان "صندانس" 2025، كما عرض في عدد من الفعاليات والمهرجانات السينمائية المهمة، من بينها مشاركته بالمسابقة الرسمية في فئة الأفلام الوثائقية الطويلة لمهرجان الجونة السينمائي في دورته الـ8 التي انعقدت ما بين 16–24 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

يتتبع الفيلم مسار امرأتين مثابرتين، متمسكتين بهويتهما الثقافية والأدبية، وهما من مدينة نيروبي في كينيا.
تقرر كل منهما إعادة إحياء مكتبة تعود جذورها إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية، ورمزا من رموز الحقبة الاستعمارية البشعة، إذ كانت يوما ما فضاء مخصصا للبيض فقط.
لكن بعد الاستقلال لم تعد كذلك، وأصبحت مكانا يسع الكل، لكنها مع مرور السنوات خف نبضها، وأصبحت عبارة عن مستودع كبير بلا حياة، لكن شغف الفتاتين اتقد، وأرادتا بعث الحياة فيها من جديد، وتحويلها إلى مركز ثقافي نابض بالحلم ومفتوح للجميع.
من خلال رحلتهما الصعبة، تظهر التحديات التي تواجه أي مشروع معرفي، يسعى إلى تجاوز ترسبات تاريخ طويل من الهيمنة.
خلال هذه المسيرة، تجد المرأتان نفسيهما أمام شبكة معقدة من تفاصيل السياسة المحلية، وبيروقراطية الإدارات الحكومية، بدءا من إجراءات الحصول على التصاريح والموافقات، مرورا بتغيير بعض التسميات الرسمية، وصولا إلى جمع الملايين اللازمة لأعمال الترميم وإعادة البناء والتجهيز.

ويزداد العبء ثقلا، حين تنبش عملية إعادة الإحياء في الذاكرة الاستعمارية للمدينة، من خلال الأرشيف والصور الفوتوغرافية وقصاصات الجرائد التي يتم العثور عليها تباعا، والتي تعيد فتح جراح الماضي وتضعهما أمام أسئلة الهوية والعدالة التاريخية.
ورغم كل هذه الصعوبات، تحاول المرأتان تجاوز العوائق واحدا تلو الآخر، في محاولة لصياغة معنى جديد لمكتبة "ماكميلان"، وتحويلها من رمز للهيمنة الاستعمارية إلى مساحة حديثة تمثل روح الثقافة الكينية الجديدة.
سينمائية التتبع، توليد الجماليات والمعلومات
يقدم فيلم "كيف تبنى مكتبة" للمخرجين "مايا ليكو" و"كريستوفر كينغ"، أحد أهم الوثائقيات التي صدرت هذا العام، مدخلا بصريا وفكريا لفهم تشابك الماضي الاستعماري الكيني مع حاضرٍ يسعى إلى إعادة تعريف هويته الثقافية.
وقد بدا اختيار مقدمته ضرورة جمالية وسياقية تمهد لقراءة أعمق للرحلة التي يخوضها العمل، رحلة تنطلق من مكتبة موروثة عن الحقبة البريطانية الاستعمارية لم تكن فيها مفتوحة إلا للبيض في وقت ما، قبل أن تتحول -وفق رؤية المخرجين- إلى مساحة مقاومة ثقافية تعيد لكينيا الحديثة صوتها ومركز ثقلها الرمزي.

فوز الفيلم بعدة جوائز، وحضوره النوعي في الكثير من التظاهرات السينمائية البارزة، لم يكن مجرد تتويج احتفالي، بل اعتراف بقدرة العمل على تحويل مشروع ترميم مكتبة إلى مادة سينمائية مشبعة بالتوتر الدرامي، والتعقيد السياسي، والاشتباك المباشر مع الذاكرة.
يتبع الوثائقي امرأتين من نيروبي، كلتيهما مشبعتين بوعي ثقافي وانتماء أدبي واضح، فيما تخوضان معركة مزدوجة: معركة ضد البيروقراطية القاسية -رخص، موافقات، تغييرات في التسميات والهيكلة- ومعركة أعمق ضد أشباح الاستعمار التي تتبدى في الصور والأرشيف وقصاصات الجرائد التي يكشفها العمل تدريجيا عبر جماليات عرض دقيقة واشتغال بصري واعٍ.
إعادة صياغة المكتبة وفقا للروح الكينية
تتشابك في الفيلم الخطوط السردية على نحوٍ يجعل منه أكثر من مجرد وثيقة عن إعادة إحياء مكتبة؛ إنه تأمّل سينمائي في معنى استعادة المكان من الهيمنة، وفي قدرة السينما على تفكيك طبقات الذاكرة وإعادة تركيبها، ليصبح مشروع إعادة ترميم "مكتبة ماكميلان" فعلا رمزيا يعكس إرادة الكينيين في إعادة كتابة تاريخهم بأدواتهم، وضمن إطار ثقافي لا يزال يختبر حدوده بين الماضي والحاضر.
الفتاتان المثابرتان اللتان أشرنا إلى خطواتهما دون ذكر اسميهما في البداية، هما الروائية الكينية "شيرو كوينانغي" والناشرة "أنجيلا واجوكا"، الناشطتان اللتان تولّتا مهمة ترميم المكتبة وإعادة إحياء دورها، مع العمل على إغنائها بالكتب المحلية وإعادة فهرستها وفق أحدث البرامج.

غير أنهما، وفي خضم هذا المسار، تصدمان بصخرة البيروقراطية الصلبة، بما تحمله من عراقيل إدارية وإجراءات معقدة. ومع ذلك، يكشف حضورهما في الفيلم عن جوهر الروح الكينية، تلك القدرة على النهوض من الرماد وصياغة بداية جديدة، ليقدما عبر جهودهما نموذجا حيا للمقاومة والأمل وإرادة التحول.
حواريات الأجيال وفتح باب المقارنة
قدم فيلم "كيف تبني مكتبة" العديد من المنطلقات السردية، أبرزها الاعتماد على خاصية التتبع السينمائي وتوليد اللحظات الحية والقبض عليها آنيّا، مع الاستفادة من الدراما الناتجة عن تفاعل الشخصيات ونتائج المواقف، بالإضافة إلى الاقتران والانفصال بين الشخصيتين الرئيسيتين.
هذه المنطلقات أسهمت في شحن تجربة المشاهدة، إذ وفرت للمشاهد شروطا متغيرة ومتنوعة أسهَمت في تسهيل عملية التلقي والفهم.

كما برع المخرجان في توظيف السياق التاريخي لإبراز الوجه الاستعماري لبريطانيا، وإظهار كيف تحولت السلوكيات التمييزية العنصرية إلى أدوات لإضعاف الشعب الكيني، من خلال حرمانه من أبسط حقوقه، وأهمها حق المعرفة.
وبالتوازي، فتح الفيلم حواريات متعددة بين شخصيات من فترة بداية الاستقلال وحتى يومنا هذا، لتكشف تلك الحواريات عن اختلافات في طرق التفكير، ومقاربات متنوعة للإدانة والفهم، فضلا عن التباين في قبول المعارف الجديدة أو مقاومتها. ومن خلال هذه التفاعلات، يوفر الوثائقي رؤية نقدية متعمقة لفهم تعقيدات المجتمع الكيني، وما يختزنه من آثار الماضي على الحاضر.
حين تخدم السينما قضايا الذاكرة ومنطلقات العدل
فيلم "كيف تبنى مكتبة" هو تجربة سينمائية مشبعة بالأمل والطموح، ليس بالنسبة للكينيين فحسب، بل ولصانعي الأفلام أيضا. فقد شرع المخرجان في إنجاز هذا العمل بتمويل ذاتي كامل، دون أي دعم خارجي، وتحمّلا بنفسيهما مختلف المهام التقنية والفنية، من إخراج وكتابة ومونتاج وتوزيع موسيقي وإنتاج وتصوير. بمعنى آخر، أحاطا بالفيلم من كل زاوية، حتى غدا جزءا منهما، وعاشا جميع مراحله وعبّرا عن كل مكوناته.
لم يعد العمل بالنسبة لهما مجرد فيلم وثائقي يرصد لحظة مفصلية من تاريخ كينيا الحديث، بل تحول إلى صرخة مدوية في وجه الفصل العنصري، والاستغلال، والفساد، والبيروقراطية، وسائر أشكال الهدم التي تهدد الفضاء العام والمعرفة والذاكرة الجماعية.
وفي هذا السياق صرّح أحد المخرجين وهو "كريستوفر كينغ" من خلال حديثه عن الفيلم بقوله: "الانتقال إلى أفريقيا علمني الكثير عن الاستعمار وما فعله البريطانيون. فرؤية هاتين المرأتين والتزامهما بإزالة آثار الاستعمار من المكتبة أعطانا قصة رائعة لنتابعها ونسجلها. لم يكن الأمر محادثة بسيطة؛ اتجاه الفيلم تأثر بما اكتشفتاه ووجدتاه".
