مهرجان "إدفا" السينمائي الـ38.. إدارة جديدة وخط تحريري مختلف بعد غزة

شهدت الدورة 38 من مهرجان أمستردام الدولي للفيلم الوثائقي "إدفا" تحولا نوعيا، ليس فقط بتولي الإسبانية "إيزابيل أراتي فرنانديز" منصب المديرة الفنية، بل أيضا لأن الدورة جاءت في خضم حرب غزة وتصاعد دعوات مقاطعة إسرائيل.

أصبح "إدفا" أول مهرجان أوروبي كبير يعلن مقاطعة مؤسسية للجهات التي تمولها إسرائيل، وتلك خطوة غير مسبوقة، تعكس تحولات ثقافية عميقة، لا سيما في أكبر منصة للسينما الوثائقية في العالم.
يقارن هذا التحول عادةً بمرحلة المدير الفني السابق، وهو المنتج السوري عروة نيربية، لكن المقارنة الأكثر فائدة اليوم هي مقارنة الأدوات والسياسات، فما الذي تغيّر في آليات الاختيار، وجسور التمويل، وحدود الخطاب السياسي للمهرجان؟
من هي إيزابيل أراتي فرنانديز؟
تولت "إيزابيل" منصبها رسميا في 1 يوليو/ تموز 2025، فأصبحت ثالث مدير فني في تاريخ المهرجان الممتد 38 عاما، وثاني امرأة تتولى هذا المنصب. ولم يكن تعيينها مفاجئا، بل ترقية داخلية بامتياز.

أمضت "إيزابيل" 23 عاما مديرة تنفيذية لصندوق "إدفا بيرثا"، وقد دعم تحت إدارتها أكثر من 500 مشروع وثائقي من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، فأصبح "منارة غير استعمارية عضوية" كما وصفه سلفها عروة نيربية.
ثم إنها عملت نائبة للمدير الفني منذ عام 2020، وقد منحتها تلك الخبرة الطويلة فهما عميقا لآليات المهرجان الداخلية، وشبكة علاقات واسعة مع صناع الأفلام من "الجنوب العالمي".

أما سلفها عروة نيربية، فقد قاد المهرجان بين 2018-2025، وهو مخرج ومنتج سوري ولاجئ سياسي، فر من بلاده عام 2012، بعد اعتقاله بسبب نشاطه السياسي. وقد جاء إلى "إدفا" حاملا رؤية جذرية ترفض "الوثائقي الجاهز"، وتدعو لسينما المؤلف والتجريب الشكلي.
وقد وسّعت إدارته حضور الأصوات العربية، ورحبت بالمجازفة الجمالية، لكن التحول الحالي لا يُقاس بالشخوص بل بالأدوات، فما الذي تغيّر في سياسات الاختيار، وفي جسور التمويل، وفي حدود الخطاب السياسي بالمهرجان؟
أما "إيزابيل" التي تولت المنصب عام 2025، فهي خبيرة في التمويل والدعم المؤسسي من داخل "إدفا"، وقد بنت مسيرتها المهنية بعملها في صندوق "بيرثا" وبنية المهرجان التحتية.

تتلخص فلسفتها البرمجية في التركيز على "قوة الخيال والقدرة على التأمل والدهشة" في السينما الوثائقية، مع التأكيد على أن "إدفا" يجب أن يكون "مساحة للحرية الفنية والالتزام الاجتماعي معا". وتكشف المقارنة بين الإدارتين فروقا جوهرية في الخلفية والنهج.
من التفاعلية للمنهجية: السياسة تحت وطأة الضغط
على مستوى النهج السياسي، اتبع عروة نيربية أسلوبا تفاعليا، يتعامل مع الأزمات حين وقوعها، فأدى ذلك مواقف عفوية وردود أفعال متضاربة أحيانا، وأما "إيزابيل" فقد تبنت نهجا استباقيا ومنظما، يعتمد على سياسات مكتوبة وإجراءات واضحة، توفر شفافية أكبر وإطارا مرجعيا للقرارات.
وعلى مستوى الخط التحريري، مال عروة إلى "المعارضة المزمنة" والتجريب الشكلي المتطرف، باحثا عن أفلام سياسية حادة تتحدى "الواقع الموجع"، في حين تسعى "إيزابيل" إلى توازن أكثر دقة بين "القضايا الملحة" و"الشجاعة الإبداعية"، مع تركيز على الجودة الفنية والبعد الإنساني بجانب الرسالة السياسية.

ولعل الجدل الأبرز الذي رافق كل إدارة يعكس هذا الفرق. ففي حالة عروة، كان الجدل الأكبر حول تصفيقه لمتظاهرين رفعوا شعار "من النهر إلى البحر" في حفل افتتاح 2023، فأثار ذلك غضبا إسرائيليا وانسحابات فلسطينية، وكشف عن الحاجة إلى سياسة واضحة للتعامل مع الحكومات الضالعة في انتهاكات.
أما في حالة "إيزابيل"، فالجدل الرئيسي يتمحور حول تطبيقها لمقاطعة مؤسسية منظمة للجهات الإسرائيلية الحكومية، في خطوة استباقية مدروسة تستند إلى وثيقة "المبادئ والإرشادات" المعلنة مسبقا.

ففي سبتمبر/ أيلول 2024، نشر المهرجان وثيقة "المبادئ والإرشادات" الجديدة، التي تحدد إجراءات التعامل مع الشركاء والتمويل، وتعتمد أساسا على مؤشر حرية الصحافة لمنظمة "مراسلون بلا حدود"، الذي يصنف إسرائيل في المرتبة 112 ضمن فئة "خطير جدا".
النتيجة المباشرة رفض طلبات اعتماد 3 مؤسسات إسرائيلية:
- مهرجان تل أبيب الدولي للأفلام الوثائقية (DocAviv).
- مؤسسة تسويق المحتوى الإسرائيلي (CoPro).
- هيئة البث الإسرائيلية الرسمية (KAN).
ناهيك عن عدم إدراج أي أفلام ممولة حكوميا من إسرائيل في البرنامج الرسمي، وهذا التحول من "لا سياسة واضحة" إلى "قواعد مدونة" يشكل سابقة في المشهد المهرجاني الأوروبي، ويوفر شفافية أكبر لصناع الأفلام.

قالت "إيزابيل" إن هذا القرار لم يأتِ من ضغوط خارجية، بل هو تطبيق للمبادئ الجديدة، وإن المهرجان أوقف تعاونه من قبل مع مؤسسات روسية وإيرانية لأسباب مماثلة.
ومع ذلك، يبقى الباب مفتوحا أمام السينمائيين الإسرائيليين المستقلين، الذين لا تربطهم علاقة تمويلية بحكومتهم، على أساس "التقييم الفردي" لكل حالة.
حضور عربي وخط تحريري جديد: شجاعة إبداع وقضايا ملحة
حافظ "إدفا" 2025 على حضور عربي قوي ومتنوع جغرافيا، فإلى جانب الحضور المعتاد من فلسطين ولبنان وسوريا، برزت أفلام من العراق، منها "فلانة" للمخرجة زهراء رودنغ في المسابقة الدولية، وكذلك من المغرب، والجزائر، والأردن، ومصر.
يعكس هذا التوسع شبكة العلاقات التي بنتها "إيزابيل" أثناء عملها في صندوق "بيرثا"، ويبحث هذ الخط التحريري الجديد عن "الشجاعة الإبداعية" في تناول "القضايا الملحة"، كما وصفته مديرة المهرجان.

يتجلى هذا في اختيار 3 أفلام قصيرة لافتتاح المهرجان، بدلا من فيلم طويل واحد، وهي خطوة تهدف إلى "تحديد النغمة"، وإعطاء فرصة أكبر للأصوات الصاعدة. الفيلمان الإيرانيان "بينما كنت أحتضر" و"سعادة"، والفيلم الفلسطيني "ذاكرة متقاطعة"، ستشكل معا افتتاحية متعددة الأصوات، تركز على التجريب الفني والبعد الإنساني.
كما أن توثيق ما يحدث في غزة كان حاضرا بقوة، بأفلام منها "توأم غزة، عُد إليّ" للمصور محمد الصواف، وكذلك مشاريع في "منتدى إدفا"، منها "أختي غزة" لإبراهيم جبالي ومحمد أميرو، مما يؤكد أن المهرجان يبحث عن قصص إنسانية عميقة، تتجاوز التغطية الإخبارية المباشرة.
لماذا يهم هذا التحول عربياً؟
فهم التحولات في إدفا ضروري للسينمائيين العرب لعدة أسباب:
أولا: توفر السياسة الجديدة معايير مكتوبة، تعتمد على حقوق الإنسان وحرية الصحافة، بدلا من غموض "التقييم الفردي"، وهذا يعني أن المشاريع النقدية للأنظمة القمعية في المنطقة العربية لها موقع طبيعي في فلسفة المهرجان.
ثانيا: خبرة "إيزابيل" الطويلة في صندوق "بيرثا" تعني أنها تعرف بنفسها مئات السينمائيين من الجنوب العالمي، الذين دعمتهم على مدى عقدين. هذه العلاقة المباشرة قد تترجم إلى فهم أعمق للسياقات الإنتاجية في المنطقة العربية، واهتمام أكبر بالأصوات الناشئة.

ثالثا: مع تصاعد القضية الفلسطينية في الوعي العالمي، أصبح "إدفا" منصة أساسية للسرديات المضادة، فالسينمائيون العرب الذين يوثقون الاحتلال والحروب والقضايا الحقوقية يجدون اليوم في أمستردام مساحة استقبال واضحة.
شبكات الإنتاج والتمويل: بنية تحتية ناضجة
يعكس نضج الشراكات الإنتاجية العربية الأوروبية بنية تحتية متطورة، ففيلم "فلانة" مثلا هو إنتاج مشترك عراقي فرنسي قطري، دعمه صندوق "أفاك" وصندوق "إدفا بيرثا"، ومر بـ"مساحة مشاريع إدفا". وهذه الشبكات متعددة الأطراف تعكس احترافية متصاعدة في التمويل المشترك.
الأهم من ذلك، إطلاق صندوق الأفلام الفلسطينية في مايو 2025، بشراكة بين "إدفا بيرثا" و"أفاك" و"دعم الإعلام الدولي"، الذي يمنح منحا تتراوح بين 5 آلاف إلى 15 ألف يورو.
وقد جاء الإعلان الأول عن المشاريع المدعومة متزامنا مع المهرجان في نوفمبر 2025، مما يوفر بنية تحتية جديدة لدعم السينمائيين الفلسطينيين.

كما استمر المعرض الفلسطيني السنوي "منصة فلسطين السينمائية" للعام الخامس، منظما من مؤسسة الأفلام الفلسطينية، وتلك إشارة إلى علاقة مؤسسية مستدامة بين "إدفا" والسينما الفلسطينية.
هكذا لا يبدو أن الدورة 38 مجرد تغيير إداري، بل إعادة تموضع سياسي لأكبر مهرجان وثائقي في العالم، والرسالة الواضحة للسينمائيين العرب هي أن الباب مفتوح، والمهرجان متعطش لأصواتهم، بشرط الأصالة الفنية والالتزام الحقوقي.
في عصر تتصاعد فيه أصوات المقاطعة والاحتجاج، يشكل فهم خريطة القوى في المهرجانات الكبرى مهارة أساسية لكل صانع أفلام، يسعى للوصول إلى الجمهور العالمي.
