"المخدوعون".. ثلاثة أجساد فلسطينية نازحة تواجه الموت في الصحراء

ارتكزت السينما -وهي آخر ذروات الحداثة- على تثبيت محطات التاريخ ووضع إمكانية لاستعادتها، من خلال حفظها في ذاكرة ما تقاوم سلطة التجهيل. وبوجودها تولّد فن جديد متجاوز للزمن الذي يفصلنا عن التاريخ، وخضعت هذه الإمكانية لحكاية تدجنها السلطة في أغلب الأحوال، لكن الصوت الآخر تولدت له مساحة غيرية من التعبير القوي الذي توفره الشاشة.

أما في الشأن الفلسطيني، فهناك نشاط شبه جماعي يحاول طمس الحكائية السينمائية البديلة، بسبب قدرتها على البقاء، وعلى كسر وحدانية الصوت الواحد، الذي يؤطر الحوادث التاريخية في مساحة موجهة، بحكاية واحدة لا تقبل أي جانب آخر.

من جهة أخرى، فإن هاجس الجودة الفنية وقف أمام سرديات فلسطينية سينمائية طموحة، وقعت تحت سلطة التوثيق، فلجأت إلى الحقيقة المجهّلة على حساب المادة الفيلمية.

لكن المحاولات الواعية تعاملت مع السينما بوصفها نشاطا فنيا مفتوحا على العالم، يمكن أن يكون سياسيا من دون أن ينزع عن نفسه الحمولة الفنية والجمالية، التي تجعل المادة قائمة على خبرة جمالية، ينبثق منها الواقع بما فيه من خبايا وأصوات مطموسة.

هذه الأصوات ظلت محتفظة بالتجدد وإنتاج تنويعات حكائية، تجعلنا نتساءل عما وراء ظاهر الكارثة الإنسانية، حيث يتحول الجمع الإحصائي والمعلوماتي إلى زخم من النماذج البشرية، لدينا إمكانية لفهمها على نحو إنساني لا يستبق التعاطف.

في هذا السياق، يحضر فيلم "المخدوعون" (1972) الذي أخرجه توفيق صالح عن رواية "رجال في الشمس" للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، فيضع علاقة ممتدة عبر الذاكرة البصرية للسينما، تقربنا من قسوة هزيمة داخلية، ونزوح إجباري نحو الفردية.

رواية غسان كنفاني "رجال في الشمس"

وهو ينثرنا أفرادا في عراء صحراء حقيقية في الفيلم، ومجازية في حياتنا المعاصرة، تنذرنا بأن هذا التفكك الإنساني لا يمكن أن ينتج إلا مآلات فردية، تقتل القدرة على التعاطي الإنساني وتثمين القتل والتهجير، ومزيد من القتل يخص مجتمعا يعنينا، يشاركنا مساحة من الجغرافيا، وشيء من التاريخ، وكثير من تشكلات الهوية.ولأن فيلم المخدوعون صدر في وقت تراجع الأنظمة العربية عن دعم الشأن الفلسطيني، فإن حيثيات العمل عليه تمثل جزءا مركزيا من موضوعه، نظرا لوجود تقاطعات بين أزمة شخصيات الفيلم، وأزمات محطات العمل عليه.

إعلان

ولا يعني ذلك بالضرورة أن يضفي قيمة فنية على الفيلم، لكنه يحيلنا إلى فهم أعمق للدور العميق، الذي يشبك المجاز السينمائي بالواقع العربي المعاش في تلك الحقبة.

توفيق صالح.. ناصر الحق أيام خذلان النظام العربي

لم يكن المخرج المصري توفيق صالح مرحبا به في الوسط السينمائي المصري، خلال النشاط السينمائي العام تحت ظل نظام ثورة يوليو. وفي حواره الطويل مع الكاتب بلال فضل (مجلة العربي الجديد) يذكر الظروف القاسية التي أخرجته من مصر، لتحييده ومنعه من العمل، وقد انتهت بفشل العمل على فيلم "المخدوعون".

المخرج توفيق صالح

وفي سوريا، وافقت هيئة السينما بصعوبة على إنتاج الفيلم، وحين انتهى منه المخرج رفضته لجنة المشاهدة، بحجة أنه "دون المستوى"، حتى عُرض على نقاد فرنسيين بوساطة من أحد أصدقاء توفيق صالح، ثم شق طريقه إلى مهرجان كان.

مُنع توفيق من السفر ولم يشاهد فيلمه على شاشة السينما، وعقب انتشار الفيلم عالميا وعربيا، ضُيّق عليه في تونس، فسافر إلى العراق عام 1973، وعمل مدرسا للسينما.

شخصيات الفيلم.. وحدة المصير المثقل بأعباء الذاكرة

عادة ما يواجه الفلسطيني في الخيال الأدبي أو السينمائي عقبة الحدود، وأيا كانت وجهته فإن الحدود هي أكثر ما يعيده إلى قسوة الشتات وحقيقتها الصلبة، كأنها ليست ضرورة جغرافية، بقدر ما تنطوي على جانب إنساني، يتعلق بتنظيم علاقة الوجود مع الأرض، فمتى نأمن بالوجود في الوطن؟ ومتى يصبح المكان حفرا مستكينة في عمق الذاكرة، نقاوم بها شعور التهديد الذي يرافقنا ونحن في الخارج؟

وعلى أساس الحدود، وما تضفيه على الوضع الإنساني من إباحة وقتل للحياة بأكملها، تبنى حكاية "المخدوعون" التي اقتبس إطارها العام من رواية غسان كنفاني.

يقوم الفيلم على تعددية صوتية مقسمة على 3 شخصيات، وهم أبو قيس وأسعد ومروان، أما أبو قيس (الممثل محمد خير حلواني) فهو فلسطيني فقير يعول عائلة صغيرة، ويعيش في بيت طيني، وهو منهزم تحت وطأة ذاكرته التي تعيده إلى التهجير، فقد فقدَ البيت وشجرات الزيتون وفرص الحياة الآمنة.

فلسطينيون ثلاثة اجتمعوا على هدف لا يعرفون مصيره

ينصحه صديقه أسعد بالسفر إلى الكويت، والعودة بوفرة مالية تعينه على الحياة، وتؤمّن للعائلة فرصة معيشة جيدة.

أما أسعد (الممثل بسام لطفي) فهو شاب فلسطيني نزح إلى الأردن، وقد جعله عمله السياسي متهما سياسيا، يتحرك من حدود إلى أخرى، وخلالها عادة ما يبدو مباحا للموت في الصحراء وخبث المهربين.

وأما مروان (الممثل صالح خلقي) فهو ابن عائلة فلسطينية مهجرة، تخلى عنها الابن الأكبر بعد الاستقرار والزواج في الكويت، مثله مثل الوالد الذي يتمنى أن يعيش تحت سقف إسمنتي بدلا عن البيت الطيني، لذلك تخلى عن بقية العائلة، وتزوج امرأة كسيحة تمتلك بيت أحلامه.

تجتمع الشخصيات الثلاثة تحت بند تجاوز الحدود والحركة من مسمى جغرافي إلى الآخر، بحثا عن النجاة التي تحقق الأحلام.

سراب أمل في عز انقطاع السبل.. رمزية الصحراء

العالم الذي يعكسه الفيلم منذ بدايته إنما هو حيز تهديدي، يحاول التخلص من التداعي الكامل، لذلك تأتي البداية مع أبو قيس تائها في الصحراء، يحاول أن يشم رائحة الأرض التي تعيده إلى رائحة زوجته، ملمح من الحنين المفعم بالأسى يستبدل سريعا، فنراه تائها في صحراء هي في الأساس ليست مكانا حقيقيا، فعلى الأقل يمكن أن نعرف في المكان الحقيقي من أين يبدأ، وأين ينتهي؟

الملصق الدعائي لفيلم المخدوعون

ويأتي المكان الأبدي، كأنه لا مكان في الفيلم، فيحيل قلق الحدود إلى فضاء فيلمي عام، يتشاركه الأبطال الثلاثة، ليجتمعوا على اختلافهم الجيلي وأمنياتهم المعيشية الفردية، تحت أزمة التحرك فرديا.

إعلان

من خلال هذا الأساس، عبّر توفيق صالح عن تفكك المجتمع العربي خلال هذه المرحلة، وهذا جانب شكّل بعدا كبيرا من شخصيات رواية "رجال في الشمس"، لكن بقيت اختلافات في الرموز التاريخية التي شكلت شخصيات الوسيطين.

ملامح السياسة في الرواية والفيلم.. أثقال الهزائم

في رواية كنفاني ملمح سياسي مباشر، يجور على الرمز الروائي وضرورة تحديد عالم الحكي، لذلك تتحرك الشخصيات وتشتبك مع التاريخ اشتباكا أكبر من عالمها الروائي، لكنها في نفس الوقت ترتكز على جذر لروح الهزيمة التي تجمعها.

المخدوعون يتجهزون لرحلة الموت

يُعرف مآل الفردية الذي طغى على الشخصيات الثلاثة من خلال جذر تفكك الجماعة، بداية من العائلة، مرورا بذكر الأمكنة الأولى للشخصيات التي تعود إلى قرى فلسطينية مثل الرملة والطيرة، وهي بلدات سقطت، لكنها شهدت على وجود جيوش عربية دافعت عنها.

في فيلم "المخدوعون" نفس الملمح السياسي، لكنه مضمن داخل روح هزيمة أخرى، تنطلق في أحد أوجهها من العلاقة الذاتية بين المخرج وتأثره بنكسة 1967، وما تركته من فراغ حياتي وتفكيك لمعية المجتمع، لذلك نرى الفيلم يركز أكثر على الهشاشة التي تغرق فيها الشخصيات، ولأي درجة تتحرك في عالم يدرك جيدا أنها صيد سهل، يمكن أن يلتقط فجأة من دون أن يحدث ذلك أي أثر.

أبو الخيزران والإخصاء الأخلاقي

بما أنها ترتكز على قسوة الرفض من حدود إلى أخرى، وتحاول الحركة هاربة بطرق غير شرعية، يربي الفيلم شخصياته الثلاثة لتمثل هاجس أن محاولات الخلاص المرتجلة قد تتداعى ببساطة، أمام نموذج بديل لنفس الظرف السياسي والاجتماعي.

يلتقي مروان وأبو قيس وأسعد في البصرة بالسائق أبو الخيزران (الممثل عبد الرحمن آل رشي)، وهو سائق يعمل على سيارة ذات خزان كبير، ينتقل بين البصرة والكويت. وكان قد عمل سائقا أيام الاحتلال البريطاني لفلسطين، ثم سائقا للقوات الشعبية ضمن المقاومة، ثم فقد ذكورته حينما داس على لغم، ومنذ ذلك وهو يبحث عن "المال أولا، ثم تأتي الأخلاق".

حين يلتقي الثلاثة وأبو الخيزران، تتأطر حالة استهلاك النازحين ونزع ما بقي من إنسانيتهم على يد أبو الخيزران، وهو يمثل أيضا نتيجة أكثر تطرفا لهذا الإلقاء الفردي في العراء، من دون مرجعية جماعية وفرصة إنسانية للشعور بالآخر.

المخدوعون أعلى الخزان

يعكس إخصاء أبو الخيزران دلالة لخطورة اليأس تجاه المجتمع، فيتعامل مع الأشياء بأولية عالم الحيوانات، كل طرف يقتات على الآخر الأكثر ضعفا، كما أن لديه قدرة على شرعنة التفاوض الحر مع الواقع، عبر علاقة تجهل القياس الأخلاقي، وتمركز الرغبة الشخصية التي ترواغ ملاحقة هزيمة الماضي الكاملة للحاضر، بافتراض أن نجاة الفرد هي النجاة الكلية.

وخلال رحلة التهريب من البصرة إلى الكوفة، تصل الشخصيات إلى ذروة دوافعها التي يعوزها الحضور البشري، فتتحرك من خلال الإجبار، ويكون البقاء من نصيب مركز القوى الأكبر، متمثلا في "أبو الخيزران" الذي يشارك الشخصيات نفس مسببات التداعي، ومع ذلك هو من يقتات عليهم لينأى بنفسه عن مواجهة خيبات ماضيه.

ثلاثة أجساد في العراء

منذ بدايته، اتجه فيلم "المخدوعون" إلى التماهي مع أساس المشهدية في النص الأدبي، وتمثل ذلك في مشاهد الفيلم الافتتاحية، حيث نرى أبو قيس يتحرك بحدة بين زمنين، زمن الحاضر الذي يتيه فيه منفردا في الصحراء، ما بين حدود فلسطين والبصرة، وزمن ماضي كان صعبا، لكن كان به شيء من الحضور الجماعي.

فقد كانت لديه عائلة، ولديه أفكار حول الحياة والترقي المادي، ومع ما بهذه الأفكار من قلق، فإنها تطرح في إطار يضع مساحة آمنة بين الحياة التعيسة، وبين الهلاك من دون وجود أي أثر.

ثلاثة أجساد منثورة في الصحراء

اعتمد توفيق صالح على أسلوب الاستحضار "الفلاش باك"، ليعكس كثافة وحدة التحولات في النص الأدبي، لذلك ظهر الجزء المتعلق بأبو قيس مثيرا للقلق، داخل الحياة وخارجها في نفس الوقت، تحوطه صحراء المكان الذي ينتمي إلى الموت أكثر ما ينتمي إلى الحياة، فجاء أداؤه التمثيلي يحمل انفعالات مكشوفة، ذات همّ كتيم وضعف بيّن يوحي بالحصار والتورط.

شذرات الماضي.. مرحلة مفصلية في التاريخ الفلسطيني

اعتمد توفيق صالح على طباع حسية في النصف الأول من الفيلم، للتعبير عن البعد التاريخي للأزمة، من غير أن تتورط في سردها تفصيليا. فنرى الشخصيات تبدأ من نتيجة مسيرة ماضية، وما يعتمد عليه الفيلم هو محاولة فهم آثار هذه النتائج.

إعلان

وهنا يستعاد الحس الإنساني استعادة مركزة، فكل شخصية لها استقلاليتها في المأساة، ولها مشتركاتها العامة مع الشخصيات الأخرى، ولأن الجماعية تتولد من قذف الأشخاص من حدود إلى أخرى، ومن حياة إلى ثانية أقل آدمية، فإن استدعاء الحياة القديمة بما فيها من إطار حياتي مفهوم يشمل العائلات قبل أن تتفكك، والعلاقة المعرفة مع المكان المعيشي تأتي بوصفها حيوات زائلة نراها من خلال تاريخ بعيد.

لم يعمل الفيلم على التناول الرمزي للأحداث، بل حاول أن يحدق في أصلها الواقعي، ويعكسها بأكبر قدر ممكن من الإخلاص، لأن واقع هذه المرحلة التاريخية وتداعيها الحاد، لا يحتاج لمجاز يثمنه على مستوى القيمة، لكن التطعيمات الفنية تمثلت في القدرة على توظيف مناخ بصري وتقني لتطورات الحكاية.

ففي النصف الأول من الفيلم، ارتكزت المادة السينمائية على كثافة موسيقية، وقطعات مونتاج سريعة وتداخل زمني. عكست هذه الأدوات مدى التورط الفردي للمخدوعين، كما خلقت علاقة تنافرية بين الحاضر والماضي، الذي مثل -على نحو دلالي- مرحلة مفصلية في تاريخ الشأن الفلسطيني، بين نكبة 1948 وما تلاها من تراجع عربي، والتحول الفلسطيني إلى الشتات.

حيوات منثورة في الصحراء

ضيقت الحكاية بالتتابع حتى رحلة الهروب من البصرة إلى الكويت، عبر خزان مياه حديدي في عز نهار صيف حار، وعند هذا الحد من الحكاية، تحولت لغة الفيلم إلى مشاهد حوارية طويلة، تتكشف فيها الشخصيات أكثر، وإيقاع الحركة الزمنية يأتي من حركة السيارة عبر الصحراء، ومراحل تهريب المخدوعون في الخزان.

ومع أن مآل المخدوعين مؤسس تأسيسا دراميا في نهاية الفيلم، فقد حافظ توفيق صالح على تثمين موتهم، من خلال التركيز على حبسهم داخل الخزان، على حدود الخروج من البصرة.

تعكس تلك المشاهد أجسادا مستباحة على اختلاف مدى عافيتها، حيوات منثورة في الصحراء، مفعمة بالرغبة في الخلاص، لكنها صيد سهل، لذلك تموت ببساطة شديدة، بسبب حوار بين أبو الخيزران وأحد الموظفين على حدود الكويت، عن حكاية مفتعلة بأن أبو الخيزران -الذي فقد ذكورته- يرافق راقصة ويسهر معها.

"لماذا لم يقرعوا باب الخزان؟"

قدم غسان كنفاني في روايته شخصيات غارقة في تأثيرات الحيثيات السياسية، وانطلق توفيق صالح من نفس الأساس، لكنه سحب العالم إلى مساحة ضيقة بها تجهيل متعمد للتفاصيل التاريخية، حتى يضفي عليها أساسا بديلا، وهو الأساس الإنساني.

جاءت المفارقة عند سؤال الرواية "لماذا لم يقرعوا باب الخزان؟" حين كانوا يختنقون من الحر، لتكون محطة في معالجة الفيلم، فقد أعطى للمخدوعين فرصة قرع الخزان، لكن بلا أثر ولا نتيجة، بل الموت المجاني هو نفس المآل.

كان قرع الخزان مقدمة سؤال آخر، فأين انتهى صدى صوت قرع الخزان؟ لماذا لم يسمع؟ هل لأنها كانت استغاثة هشة من حيوات مباحة؟ أم لأننا لم نرد –أو لم نستطع- أن نسمع شيئا؟

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان