فيلم "انظر كيف يهربون".. البحث عن القاتل على طريقة أجاثا كريستي

See How They Run
فيلم "انظر كيف يهربون" قدم عالم أجاثا كريستي بطريقة مبتكرة (الصحافة الأميركية)

عُرض مؤخرا في دور السينما فيلم "انظر كيف يهربون" (See How They Run) بطولة طاقم ذهبي من الفائزين بالأوسكار: سام روكويل وأدريان برودي، والمرشحة لأكثر من مرة سيرشا رونان، وقدم قصة مشوقة للبحث عن قاتل على طريقة الكاتبة البريطانية أجاثا كريستي.

وألهمت كريستي الملايين بروايتها التشويقية الكثيرة، وصنعت عالما له قواعده الخاصة في البحث عن القتلة، وفي السينما تم اقتباس أعمالها بشكل مستمر، وكذلك محاكاة أسلوبها في بعض الأفلام، ولكن "انظر كيف يهربون" قدم عالم كريستي بطريقة مبتكرة جعلته يستحق معدل تقييم 74% على موقع "الطماطم الفاسدة/ روتن توماتوز" (Rotten Tomatoes).

البحث عن القاتل على طريقة كريستي

تبدأ أحداث "انظر كيف يهربون" في أحد مسارح لندن التي تعرض مسرحية مقتبسة من رواية لكريستي والجاري تحويلها إلى فيلم سينمائي، وبعد العرض رقم 100 للمسرحية تتم إقامة حفل ضخم للاحتفاء بطاقم عمل المسرحية والفيلم معا، وهناك تقع جريمة قتل لمخرج الفيلم المزمع إنتاجه، ويبدأ المحقق ستوبارد ومساعدته في البحث عن القاتل بين مجموعة من المشتبهين.

يحمل "انظر كيف يهربون" أكثر من "تناص" (أي تشابه بين نص ونص داخل نفس العمل) فلدينا جريمة القتل التي تشبه روايات كريستي المعتمد بناؤها بشكل أساسي على جريمة غامضة يقوم بها قاتل مجهول، وتمضي الأحداث بالبحث عنه، هذا هو التناص الأول، بينما الثاني بين أحداث الفيلم الذي نشاهده، والفيلم الجاري إنتاجه بداخله، الذي اقترح مخرجه نهاية مختلفة لرواية كريستي المقتبسة، وتتشابه مع النهاية التي يصل إليها الفيلم الحقيقي.

يبدو الأمر مثل قصة داخل قصة داخل قصة، كلها في نفس الإطار التشويقي للبحث عن القاتل، والتي تمت صياغتها بشكل ذكي وخفيف الظل لا يشوش المتفرج بل تجعله يتماهى مع عمليات التناص التي يحاول فك شفراتها بنفسه ويخرج التشابه بين كل عمل وآخر داخل نفس الفيلم.

ولتحقيق هذه الغاية، يشمل الفيلم العديد من المشتبه بهم، وجميعهم لديهم دوافع مشروعة للقتل، بما في ذلك الاختلافات الإبداعية والأسرار التي يفضلون إخفاءها، ومن المفيد أن الضحية هنا شخصية مكروهة على نطاق واسع. وذلك ساعد الطبيعة متعددة الطبقات لهذا الفيلم.

الأفلام التي تدور أحداثها فيما يشبه عالم كريستي شهدت مؤخرا انتعاشة بعد النجاح الكبير لفيلم "أخرجوا السكاكين" (Knives Out) الذي ترشح للأوسكار، ومن المنتظر عرض الجزء الثاني منه قبل نهاية العام، فعلى الرغم من رواج الروايات منتصف القرن الماضي فإن المشاهدين لازالوا متشوقين للأفلام التي تجمع بين التشويق والإثارة والكوميديا الخفيفة، وهو المزيج الذي أتقن المخرج توم جورج تقديمه في فيلم "انظر كيف يهربون".

فيلم على شاكلة أعمال ويس أندرسون

"انظر كيف يهربون" الفيلم السينمائي الأول في مسيرة مخرجه الذي كان أغلب مجال خبرته في التلفزيون بأعمال بعضها حقق نجاحا ملحوظا مثل "هذه الدولة"  (This Country) الذي دارت أحداثه كذلك في نفس الحقبة الزمنية منتصف الخمسينات، ولكن إلى هنا ينتهي التشابه بين أعماله السابقة وجديده، والذي يقترب أكثر من عالم المخرج الأميركي "ويس أندرسون".

تتميز أفلام أندرسون بأسلوب واضح سواء من الناحية البصرية أو إدارة الممثلين فائقي الشهرة الذين تعج بهم أفلامه، وكذلك الحيوية الشديدة في السرد التي تجعل المشاهد يلهث وراء الإيقاع السريع للحوار.

يبدأ "انظر كيف يهربون" بما يسمى "راوي ما وراء القبر" الصوت الذي يصحبنا طوال الأحداث للقتيل نفسه الذي يأخذنا في البداية لجولة في الماضي تعرفنا على الأحداث والشخصيات الأساسية، ثم نصل إلى لحظة وقوع الجريمة، ويبتعد تاركا المساحة للتحقيق الذي يحدث على طريقة "من فعلها؟".

مسرحية "مصيدة الفأر" التي بدأ بها الفيلم حقيقية، تُعرض حتى الآن في لندن، وقام ببطولتها في وقت من الأوقات الممثل ديك أتينبورو، ومن الشخصيات الحقيقية الأخرى التي استحضرها صناع الفيلم المنتج الشهير جون وولف.

وعلى الرغم من أن الفيلم يحمل من الكوميديا الكثير، الأمر الذي ظهر بشكل واضح في الإعلان التشويقي الخاص به، إلا أنه في النهاية كان ملتزما بعملية البحث عن القاتل، فتتبع المشتبه فيهم واحدا بعد الآخر، ليظهر شبكة من العلاقات التي أدت في النهاية لظهور الحقيقة بشكل درامي ومسل وكوميدي.

يحمل "انظر كيف يهربون" شغف صناعه بروايات كريستي، وكذلك صناعة المسرح والسينما، والتداخل الذي يمكن أن يحدث بين الفنون المختلفة، وذلك عبر أداء تمثيلي جيد، قدم في النهاية 98 دقيقة من التسلية والكوميديا والتشويق.

المصدر : مواقع إلكترونية