فيلم "المرأة الملك".. جيش النساء ينتصر في معركة المقاطعة

قدمت المخرجة فيلم حركة متكاملا من حيث محتويات الكادر، واستخدمت أدوات المرحلة التي يحكي عنها بخبرة ومهارة، وساعدها في ذلك الموهبة المتفجرة للممثلة فيولا ديفيس التي أنتجت العمل بتكلفة بلغت 50 مليون دولار.

في فيلم "المرأة الملك" تقود ديفيس المحاربات في داهومي (سوني بيكتشرز)

واجه فيلم "المرأة الملك" (The Woman King) عاصفة من الاتهامات بتمجيد تجارة العبيد في أفريقيا بالقرنين الـ 17 و18، وذلك فور بدء عرضه بالولايات المتحدة وكندا منتصف سبتمبر/أيلول الجاري، وانطلقت دعوات مقاطعته على موقع تويتر.

ورغم ذلك حقق الفيلم إيرادات عالية وحصل على تقييم نقدي 95%، وتقييم جماهيري 99%، كما استقبل بحماس كبير في مهرجان تورنتو الذي عقد الفترة من 8 إلى 18 سبتمبر/أيلول الجاري.

لم يكن الفيلم، الذي تقدم أدوار البطولة فيه ممثلات من أصل أفريقي، أول عمل له علاقة بالتاريخ يتعرض لمثل هذه الاتهامات.

كانت المحاولات الأولى لصناعة أفلام تاريخية بالسينما الإيطالية بين عامي 1910 و1914، لكن أول محاولة جادة لإعادة قراءة الماضي سيرا نحو المستقبل جاءت من خلال الفيلم الأميركي "ميلاد أمة " (The Birth of a Nation) عام 1915 للمخرج والرائد السينمائي الأميركي ديفيد غريفيث، والذي أثار موجة من الجدل ما زالت باقية حتى اليوم واكتسب لقب "الفيلم الأكثر استهتارا بالعنصرية في التاريخ" وعلى مدى أكثر من قرن لم يحدث أن صدر فيلم تاريخي من دون أن يثير الكثير من الجدل والنقاش حول موثوقية الأحداث فضلا عن الاشتباك مع رؤية صناعه.

بطلة "المرأة الملك" ومنتجته فيولا ديفيس لم تنكر الوقائع ولم تزعم أن قصة الفيلم هي الحقيقة، لكنها صرحت لمجلة "بيبول" (People) قائلة "بدأت قصة الفيلم بينما كانت المملكة في حالة تغير، وكان القادة يبحثون عن طريقة ما للحفاظ على حضارتهم ومملكتهم على قيد الحياة، وقصة الفيلم خيالية".

قصة هوليودية

"المرأة الملك" للمخرجة جينا برينس- بيثوود تدور قصته حول صراع بين مملكتي داهومي، وأويو، ويقوم الملك "غيزو" بإنشاء جيش من النساء لحماية مملكته من "الأيو" الذين يقومون باختطاف الأفارقة وتوريدهم كعبيد لتجارالرقيق الأوروبيين.

تقود "نانسكا" (ديفيس) جيش النساء وتشرف على إعداد العناصر الجديدة للقتال، وتلفت نظرها فتاة جديدة مميزة بقوة إرادتها وطاقتها الكبيرة. تتأكد نانسكا -التي يطاردها ماض قاس تعرضت خلاله للاعتداء- أن تلك الفتاة هي ابنتها.

يحاول جيش"الأوتو" ابتزاز "داهومي" واستعباد أفرادها، لكن جيش النساء يقف مدافعا ببسالة عن المملكة، وتبرز نانسكا، لكن زوجة الملك تحاول خطف الأضواء منها، ويدرك الملك الخدعة، فيعلن "نانسكا" المرأة الملك.

وخلال القرن الـ 17، كانت الآغوجي (Agooji) قوة محاربة متمرسة في المعركة، وكلها من الإناث واحتلت مكانة خاصة داخل مملكة داهومي الأفريقية. كان معظمهم من العبيد السابقين، ولم يسمح بالالتحاق بهذا الجيش سوى للأشجع والأقوى، وكانت محاربات داهومي يُعتبرن "أهوسي" أو زوجات الملك.

ومعروف تاريخيا أن مملكة "داهومي" كانت محطة رئيسية لاستعباد الأفارقة وتوريدهم للأوروبيين والأميركيين، وشكلت النساء نسبة تصل إلى 40% من جيش المملكة، واشتهرت هؤلاء النساء بالشراسة والقوة، وأطلق عليهن "محاربات الأمازون".

قدمت المخرجة فيلم حركة متكاملا من حيث محتويات الكادر، واستخدمت أدوات المرحلة التي يحكي عنها الفيلم بخبرة ومهارة، وساعدها في ذلك الموهبة المتفجرة للممثلة ديفيس التي أنتجت العمل بتكلفة بلغت 50 مليون دولار، لكن فريق العمل من الممثلات المساعدات شكلن جيشا من المؤديات الموهوبات، وهن الابنة "ناوي" (توسو مبيدو) و"إيزوغي" (لاشانا لينش) و"أمينزا" (شيلا أتيم).

فيلم أبيض قاتم

كانت "أمينزا" ترغب في حوار منفرد مع "نانسكا" فأشارت إليها، وانطلقا سيرا على الأقدام للحديث حول هموم خاصة لا يصح النقاش فيها أمام الآخرين، وجاء المشهد جميلا بالانتقالات والكادرات وزوايا الكاميرا، وساعد الأداء الصادق للممثلتين على ذلك، لكن المشكلة الكبرى أنه مشهد أبيض تماما.

في ثقافة الغرب يحدث ذلك بحذافيره، فحين يريد أحدهم حوارا خاصا، يمكن للشخصين أن يسيرا معا للحوار، لكن الثقافة الأفريقية ليس فيها هذا المعطى البسيط. والثقافة الأفريقية تجعل الشخصين يبحثان عن مكان بعيد قليلا للجلوس والحوار، فثقافة الشمس الساطعة لا تترك "التمشية" خيارا لمن يريد الحوار، وقد تكرر المشهد كثيرا، وأضيفت إليه طبيعة الحوار (الأبيض) من حيث ردود الأفعال والإيماءات وخاصة بين قائد "الأويو" المغتصب أوبا أدي (جيمي أودكويا) ونانسكا.

كانت الأزمة الثانية للفيلم هي شخصية الملك "غيزو" والتي جسدها الممثل جون بوييغا، فجاء أداؤه باهتا لا يرقى لمستوى أداء أي من ممثلات العمل أو ممثليه، وإن قدم في مشهد تنصيب الملكة انفعالا نادرا لم يتكرر في العمل، رغم تهديد تتعرض له المملكة طوال العمل واضطراره للاستسلام، وتقديم تعويضات لخصومه.

لعبة الانعكاس

لعبت النار دورا لا يقل أهمية عن التمثيل والحركة داخل الكادر في جماليات العمل، إذ شكل انعكاسها دراما موازية لدراما العمل، كما شكلت حركة انعكاس المصابيح المشتعلة للإضاءة (النار مصدر الضوء في ذلك الزمن) دورا مساعدا للبطلة نانسكا في إظهار طبيعة ذلك الألم الذي تعانيه نتيجة هزائم الماضي والوقوع في الأسر والإصابة، والآلام النفسية نتيجة الاعتداء عليها.

والأمر نفسه تكرر مع ضوء القمر، وساعد النوعان من الضوء على رسم لوحة رائعة للمقاتلات اللاتي قمن بدهن أجسادهن بالزيت، ليصبح من الصعب على الخصم القبض عليهن، وبدت النساء كأنهن مصدر الإضاءة وليست النار أو القمر.

رغم الهجوم، يبقى الفيلم رحلة 6 من الممثلات استطعن أن يشكلن فريقا من الأفريقيات قررن القيام بأدوار البطولة في هوليود، في مغامرة لا يجرؤ على خوضها أحد، ثم حققن نجاحا نقديا وماليا لا يمكن إنكاره.

المصدر : الجزيرة + وكالات