مارلين مونرو.. 60 عاما على الرحيل وحكايات لم تنفد

صورة لنجمة هوليود مارلين مونرو قبل وفاتها بأسابيع قليلة (الفرنسية)

على عكس المتوقع، حصل فيلم "شقراء" (Blonde) على تقييمات منخفضة للغاية على المستويين الجماهيري والنقدي؛ فنال تقييما بنسبة 42% من قبل المشاهدين، وبنسبة 52% من قبل النقاد على موقع "روتن توميتوز" (Rotten Tomatoes)، وذلك رغم الضجة التي صاحبت صنعه، كون أحداثه تتناول حياة واحدة من رموز الجمال في تاريخ هوليود وهي مارلين مونرو.

ويعد "شقراء" الفيلم الـ16 الذي يتم تقديمه عن حياة مارلين مونرو، التي لطالما ألهمت صناع الأفلام والكتاب والروائيين بالأعمال. والفيلم مأخوذ عن رواية تحمل الاسم ذاته للكاتبة جويس كارول أوتس صدرت عام 2000، وحققت أعلى المبيعات في الولايات المتحدة الأميركية.

كانت مونرو ممثلة ومغنية وعارضة أزياء أميركية، قدمت 29 فيلما في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وصنفها معهد الفيلم الأميركي واحدة من أعظم أساطير الشاشة النسائية في العصر الذهبي لهوليود، لذلك من المنطقي أن تكون قد رويت قصتها عدة مرات، خاصة بعد وفاتها المأساوية عام 1962 نتيجة جرعة كبيرة من الحبوب المنومة.

يعيد فيلم "شقراء" الجديد تصوير حياة مارلين مونرو بدءا من طفولتها التعيسة، باسمها المثبت بشهادة ميلادها نورما جين، ثم يرصد صعودها إلى النجومية وقصص الحب في حياتها، ويصنع الفيلم حالة ضبابية لا يمكن التمييز فيها بين الحقيقة والخيال، لاستكشاف الفارق الكبير بين مارلين الإنسانة وصورتها المنعكسة في المجال العام.

الفيلم من إخراج آندرو دومينيك، وهو مخرج أفلام وكاتب سيناريو أسترالي مولود في نيوزيلندا، اشتهر بعمله "كيلنغ ذيم سوفتلي" (Killing Them Softly) عام 2012، وأخرج حلقات من سلسلة "مايند هانتر" (Mindhunter) التي عرضت على منصة "نتفليكس" (Netflix) عام 2019.

توافق أوتس (مؤلفة الرواية) على اختيار آندرو دومينيك ليكون مخرج الفيلم، إذ تقول لموقع "ياهو موفيز" (Yahoo! Movies) "إنه مخرج رائع للغاية. أعتقد أنه نجح في إظهار تجربة نورما جين بيكر من منظورها، بدلا من رؤيتها من الخارج، حيث ينظر الرجل إلى امرأة. لقد انغمس في منظورها هي".

رؤية قصة فيلم "شقراء"

تبدأ قصة فيلم "شقراء" (Blonde) عام 1933، حين تعيش نورما جين ذات الـ7 أعوام في لوس أنجلوس مع والدتها المصابة بالفصام، في بيت علقت على جدرانه صور تشبه إلى حد كبير الممثل الشهير كلارك جيبل، في إشارة إلى ما أشيع عن كونه والد مارلين مونرو.

تشتعل النيران في المنزل أكثر من مرة، وتحاول الأم إغراق ابنتها، مما يدفع السلطات إلى وضع الطفلة نورما جين في مؤسسة للرعاية الاجتماعية تابعة للحكومة.

عام 1950، حين تصبح نورما جين النجمة مارلين مونرو، تتعرض للاعتداء الجسدي في مكتب رئيس أحد الاستوديوهات في هوليود. يعرض دومينيك -في مساحة زمنية قصيرة بالنسبة للفيلم- كيف تحولت مارلين إلى لعبة بين يدي الرجال، وكيف كان زواجها الأول من نجم البيسبول جو ديماجيو مأساويا بسبب الضرب وسوء المعاملة، وكيف كان زواجها من الكاتب المسرحي الشهير آرثر ميللر بائسا بسبب الاستغلال.

يمعن الفيلم في كشف المزيد من القبح؛ فيستعرض مشهد استدعاء مارلين مونرو إلى غرفة فندق الرئيس الأميركي جون كينيدي، فتتساءل: "هل أصبحت الآن أعمل في خدمة الغرف؟".

أسباب فشل فيلم "شقراء"

استطاع المخرج دومينيك أن يحقق القليل من المتعة والبهجة، خاصة في تلك المشاهد التي حملت صدقا كبيرا من قبل الممثلة آنا دي أرماس، فضلا عن مشاهد حوار مارلين مونرو مع زوجها الثاني الكاتب آرثر ميللر على الشاطئ. في هذا المشهد بالتحديد، يقدم صناع العمل حقيقة أن الشابة الحسناء بحثت دائما عن الأب الذي حرمت منه، فتعرضت للاستغلال بشتى الطرق.

قدمت الممثلة آنا دي أرماس دورا مذهلا، استحضرت خلاله روح وسلوك مارلين مونرو، فضلا عن ملامحها، وهو نموذج نادر في صنع المفارقة بين أداء ناجح، وفيلم يلامس بالكاد حافة النجاح.

يتبني دومينيك -وهو كاتب السيناريو أيضا- رؤية الرواية نفسها، إذ يحاول جلب التعاطف واستدرار الشفقة وبيان مدى الظلم الذي وقع على مارلين مونرو، بدءا من طفولتها التعيسة بين أب غير معروف وأم مريضة نفسيا، ثم استغلال الرجال لتلك الطفلة في كل مراحل حياتها ونجوميتها انتهاء بانتحارها عن عمر 36 عاما.

تظل حالة استدرار الشفقة صالحة للكتابة والقراءة، لكن مشاهدتها على الشاشة أمر غير مقبول بنسبة كبيرة، خاصة إذا كانت القصة عن نجمة نالت من الشفقة الكثير في 15 فيلما سابقا عنها، فضلا عن كونها مرتبطة بالبهجة لدى الجمهور.

"سادية إخراجية"

جاءت أقسى الانتقادات من الناقد ريتشارد برودي في مجلة "نيويوركر" (The New Yorker)، حيث اتهم المخرج دومينيك بالسادية، "فحتى لو كان فيلم شقراء، الذي كتبه وأخرجه آندرو دومينيك، قد عرض وجهة نظر متعاطفة ومميزة عن الحياة الخاصة لمارلين مونرو، لكانت كارثة سينمائية. الفيلم مبتذل بشكل يبعث على السخرية، إذ تبدو قصة مونرو كما لو تم توجيهها من خلال فيلم ميل غيبسون (آلام المسيح). تحمل الشخصية سلسلة ساحقة من العذاب الذي لا هوادة فيه، والذي -بعيدًا عن إثارة الخوف والشفقة- يعكس نوعا خاصا من السادية الإخراجية".

وتبقى فكرة التباعد الزمني والتحولات طوال 60 عاما منذ رحيلها عاملا هاما في تغيير الذوق والأجيال وتخفيف حدة الانبهار بالنجمة الراحلة، وبالتالي فالجمهور الذي شاهد الفيلم متوقعا بهجة ومتعة، خرج وقد أدرك أن مشاعره تم ابتزازها شفقة وتعاطفا مع نجمة ماتت حتى قبل أن يولد.

قد يلعب "الفلاش باك" (الاسترجاع الفني) دورا جيدا في سياق الفيلم من حيث الشكل والمضمون، لكن دومينيك أضاف إلى مشاهد الأبيض والأسود لمارلين مونرو مشاهد كارتونية لا تصلح للعرض على الأطفال، وقد صنف الفيلم بالفعل للكبار بسبب مشهدين أحدهما مع الرئيس الأميركي جون إف كينيدي، وهو فضلا عن كونه مشهدا مسيئا، فإنه لا يمثل أي ضرورة درامية في العمل.

لعب المخرج على مساحات الشائعات التي حاصرت مارلين مونرو في حياتها وبعد موتها، ليقدم في النهاية صورة لفتاة يتم استغلالها من الجميع، وللمفارقة قدم صناع العمل نموذجا للاستغلال التجاري كذلك.

المصدر : الجزيرة + وكالات