"واندا فيجن".. الساحرة الحمراء تقع في الحب
في نهاية العمل نقف أمام مشهد قد يفسر كل شيء عن خطاب مارفل الجديد حول واندا الفتاة الممزقة بين كونها الساحرة الأسطورية التي يمكنها الانتصار على كل شيء، والواقعية الطيبة التي تعاني من الصدمة والوحدة الشديدة، وعلى المشاهد أن يختار حياته.

في تحول مفاجئ، استبدل عالم مارفل السحري أبطاله الذين يفضلون الوحدة بأبطال يرغبون في العيش بهدوء مع أسرة وأبناء. أم ساحرة خارقة ترغب في التخلي عن طبيعتها وتدرك اختلافها عن الجميع وتقبله وتطالب الآخرين بقبوله، وأب لا هدف له سوى سعادة أسرته.
مسلسل "واندا فيجن" (Wanda Vision) ليس عملا عاديا في تاريخ مارفل، لكنه رؤية جديدة تشمل -كما يبدو للوهلة الأولى- تغييرا في الهوية التي ميزت عالم مارفل، وهو" سيت كوم" الذي يحفل بالسخرية من حكايات وإعلانات وقيم القرن الماضي.
ما الذي يمكن أن يدفع عالم مارفل الراسخ إلى التحول لصناعة "سيت كوم" للمرة الأولى في تاريخه؟ وهل انحاز ذلك العالم القائم على البطل الفردي الذي ينقذ العالم ويفضل الوحدة إلى فكرة الأسرة والاندماج في المجتمع؟ وهل ينجح عالم مارفل بذلك التحول في السطو على جمهور لا يرغب في التوحد مع أبطال خارقين؟
يعرض المسلسل حياة زوجين خارقين، هما واندا ماكسيموف وتقوم بدورها إليزابيث أولسن، وفيجن ويقوم بدوره بول بيتاني، وينتمي الثنائي إلى شخصيات عالم القصص المصورة الأصلي.
يعيش الزوجان في نزل محاط بسياج أبيض بضاحية هادئة وشاعرية، وتتمتع الزوجة بقدرات تحريك خارقة، أما الزوج فيعمل بنظام أندرويد، ويرغب الاثنان في عيش حياة طبيعية.
وقدم بول بيتاني وإليزابيث أولسن أداء ممتعا ومؤثرا خلال المسلسل.
التخلص من الفردية
عالم مارفل السينمائي عبارة عن مجموعة من الأفلام المنفصلة والمترابطة التي تدور في عالم واحد مستوحى من أحداث القصص المصورة المنتجة من شركة مارفل لإنتاج القصص المصورة الخاصة بالأبطال الخارقين والمملوكة لشركة ديزني.
بدأت الشركة إنتاج هذا العالم بفيلم "الرجل الحديدي" (Iron Man) عام 2008، وتبعه العديد من الأفلام المختلفة.
ويعيش هؤلاء الأبطال الخارقون في حالة انفصال عن المحيط، لكن في "واندا وفيجن" لدينا زوجان يتعمدان إخفاء قدراتهما الخارقة عن الجارة المزعجة أجنيس (كاثرين هان) من أجل بعض الهدوء والسكينة.
وجاءت كل حلقة محاكاة ساخرة لمسلسلات "سيت كوم" الكلاسيكية، ولم يهمل مؤلفو العمل أي تفصيلة في تلك الكلاسيكيات القديمة.
يتخلص الأبطال في هذه النسخة من رغبتهم في الظهور والميل إلى العزلة والبطولة على حساب تكوين أسرة هادئة والعيش بسلام داخل المجتمع.
أما "واندا" الساحرة الحمراء فتتقبل ذاتها، بينما "فيجن" الرجل الآلي يتقبل كونه مختلفا عن الجميع.
ويبقى السبيل الوحيد لإقناع مشاهد مارفل الذي اعتاد على بطولة وفردية أبطاله هو الوقوع داخل قصة حب أسطورية، تجعل أبطاله في سبيلهم للتخلص من كل شيء يبعد أحدهم عن الآخر. هي حيلة رومانسية حالمة لكنها ليست بعيدة عن الواقع الذي يريده مشاهد التلفزيون تحديدًا دون غيره.
يبدأ المسلسل من منطقة كلاسيكية مليئة بالأغنيات الهادئة التي يتراقص عليها حبيبان تزوجا هنا، والآن تعبيرًا عن عالم مليء بالمخاطر يتم التخلُص منه على حساب آخر يشبه الحياة الطبيعية.
بداية حالمة متشككة
رغم سعادتهما الظاهرة، فإن الزوجين يتساءلان عن كيفية العيش داخل مجتمع "يتقبل اختلافهما". ويبدو أن تقبل الاختلاف هو الفكرة أو الهاجس الذي جعل "مارفل" تنساق وراء سياقات خطابية مختلفة في سبيل نشر قناعتها تلك.
وتقبل الاختلاف خطاب يهدف إلى إقناع الآخرين به بأي شكل؛ أي للحد الذي يجعلها تصنع عملا فنيا ربما يقف في تعارض تام مع أفكارها السابقة عن أبطالها الوحيدين الذين لا يحركهم سوى إنقاذ العالم.
وإلى جانب هوس الإقناع بتقبل المختلف، ربما أرادت مارفل كذلك توسيع دائرة جمهورها واستقطاب قاعدة جماهيرية أوسع بالدخول إلى عالم التلفزيون وجمهوره الهادئ الذي لا يريد أبطالا خارقين.
لذلك قررت مارفل العمل على إرضاء جمهورها المستهدف عن طريق زوجين يمارسان حياة يومية تشبه "روتين" حياة المشاهد على حساب الأعمال الخارقة التي شكلت صورها الذهنية وتميزها الخاص.
لقد جاء عرض مسلسل "واندا فيجن على منصة "ديزني بلس" (Disney Plus) عالميا ومنصات أخرى محلية لدينا في العالم العربي كبوابة تمهيدية للمرحلة الرابعة لمارفل وعوالمه المتخيلة، وتقبل العالم العربي ذلك المسلسل الأسري، بينما رفض عرض أحد أفلام مارفل الأخيرة لتعارض محتواها مع تفضيلاتها وأخلاق جمهورها العربي.
نقطة قوة
ثمة نقطة قوة تجعلنا نتقبل المخاطرة نوعًا ما في سياق حكايته المتنوعة؛ فأحداث الحلقة الأولى تدور في خمسينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت صدور مسلسل " أنا أحب لوسي" (I Love Lucy)، في حين تدور أحداث الحلقة الثانية في ستينيات القرن الماضي وتذكرنا بمسلسلي "مسحور" (Bewitched) و"حلم جياني" (Dream of Jeannie)، وتدور الحلقات التالية في سبعينيات القرن العشرين وما بعدها.
تخلصت مارفل خلال المسلسل من اعتيادها على صناعة أحداث مليئة بالتشويق والإثارة ليتحدى التصنيفات المعتادة، مما يجعله أكبر مخاطرة من مارفل حتى وقتنا الراهن.
إنها طريق وعرة تتهكم على كلاسيكيات "سيت كوم" الروتينية، كما تتهكم في كل حلقة على فواصل إعلانات قديمة، تطأ قدمها عالما قد لا ينجح تمامًا.
وأعلنت مارفل أن فكرة تقديم موسم ثان لن تكون جيدة، لكن من الممكن أن تنشأ احتمالية طرح فيلم في المستقبل.
وتحاول الشركة العملاقة بشتّى الطرق تمرير تقبل الاختلاف وتوسيع دائرة مشاهديها بضربة واحدة شديدة الذكاء، وتمكنت خلالها من العمل على جزء آخر والسعي لتنفيذ فيلم لجمهورها السابق بالمعايير الأسرية الجديدة الحالمة.
وجوهر العمل في فكرة تقبل الأشياء، حتى لو كانت تنتهي إلى عدها أوهاما لدى واندا التي خلقت فيجن كما خلقت الأطفال من وهمها، وكان هوسها ببناء أسرة كافيا ليتم ذلك.
وفي نهاية العمل نقف أمام مشهد قد يفسر كل شيء عن خطاب مارفل الجديد حول واندا الفتاة الممزقة بين كونها الساحرة الأسطورية التي يمكنها الانتصار على كل شيء، والواقعية الطيبة التي تعاني من الصدمة والوحدة الشديدة، وعلى المشاهد أن يختار حياته.