"القطار فائق السرعة".. فيلم أميركي ورواية يابانية وجمهور حائر

ملصق ياباني لفيلم القطار فائق السرعة (فليكس)
ملصق ياباني لفيلم "القطار فائق السرعة" (فليكس)

تعتمد الكوميديا أساسا على المفارقة بين ما هو متوقع وما يحدث فعلا، وهذا الفارق ينتج الضحك الذي يعد -في أغلب الأحيان- تعبيرا عن الفرح، لكن سكينا مغروسا في الجانب الأيسر من الصدر لا يمكن أن يكون مضحكا حتى لو كان المشهد ناتجا عن مفارقة تم التمهيد لها على نحو دقيق.

في رواية الكاتب الياباني كاتارو إيساكا ثمة تداخل بين الدماء والضحك الذي يعد ظاهرة اجتماعية في الأساس، حتى أن من يضحك وحيدا يعدّه الآخرون شبه مجنون، وبالتالي فإن نقل الرواية إلى السينما وصناعة فيلم "القطار فائق السرعة" (Bullet Train) 2022 جعل الضحك أقل غرابة، ولكنه لم يعالج أزمة الضحك المتعلقة بسكين مغروس في قلب أحدهم.

يجد المشاهد نفسه أمام عمل أعمق من أن يكون مجرد فيلم ترفيهي يجمع بين الكوميديا والحركة (الأكشن)؛ فأطراف الصراع الخمسة يمثل كل منهم قيمة سلبية أو غريزة مجتمعية شريرة، فبينهم الطماع الذي يرغب في السطو على المال، وهناك من يرغب في الانتقام لقتل ابنه، وثالث مهووس بالسيطرة وتعذيب الآخرين وقتلهم؛ إنها حياة تسير كما لو كانت قطارا ولكل منا محطته المقدرة.

نجح كلا العملين الرواية والفيلم جماهيريا؛ فالعمل الأدبي الذي ينتمي إلى أدب الغموض والجريمة بعد صدوره عام 2010 ترجم عن اليابانية عام 2021 بعد نجاحه باسمه الأصلي "ماريو بيتورو" إلى "القطار فائق السرعة".

ورغم قيام المخرج بعملية "تبييض" للرواية التي دارت حول شخصيات وأماكن يابانية، فإنه لم يقم بذلك كاملا وبقيت رحلة قطار الفيلم من طوكيو إلى مايوركا (جنوبي اليابان) بعد أن كانت إلى كيوتو في الشمال، وبقي سائق القطار وبعض الشخصيات العابرة يابانية.

يقدم صانع العمل المخرج ديفيد ليتش فيلمه منذ البداية بوصفه فيلما ترفيهيا لا علاقة له بالواقع، بما يعنيه ذلك من كون العمل وهميا تماما، وعلى المشاهد أن يستمتع ببهجة السينما وسرعة الإيقاع وانتظامه و"كاريزما" النجم براد بيت، والحركة المصحوبة بكمية كبيرة من الدم؛ فللعمل قواعد خاصة داخله لذا لا تحاول الحكم عليه بقواعد من خارجه.

ساعات السفر

يقضي الشخص ساعات السفر في الطائرة أو القطار أو السيارة لكنه لا يعيش فيها حياته، وبالتالي فتلك الأوقات والتفاصيل هي الأسرع سقوطا من ذاكرة الشخص، لكن الروائي والسيناريست أرادا لتلك الساعات الدرامية أن تصور للمشاهد حياة البشر، حيث يولد الشخص منهم ويشب ليبدأ في البحث عن احتياجاته التي قد تتمثل في حقيبة نقود سيقتل حتى يحصل عليها، لكن هذا الشخص يجد الآخرين أيضا يبحثون عن مصالح هم مستعدون للقتل من أجلها؛ وهي "تيمة" بسيطة ولكنها قاسية؛ ولعل قسوتها هي سر كونها مضحكة، وملخصها أننا نصبح وحوشا في لحظة ما في غابتنا الأرضية رغم النوايا الطيبة التي قد نحملها.

يقف القطار دقيقة واحدة في كل محطة، وهي كافية للهروب والنجاة، وكافية تماما للخروج من لعبة الدماء والمال، ورغم بحث الجميع عن النجاة فإن فكرة النجاة من دون تحقيق الهدف لم ترد في رأس أحد.

في الفيلم -الذي يبدو صورة مصغرة عن عالم يبرز فيه القتلة إلى مقدمة المشهد بينما الأبرياء مجرد وجوه تمر عبرها الكاميرا- نجد 5 من القتلة المأجورين، يكلف كل منهم بمهمة لجلب حقيبة نقود من دون أن يعرف أحدهم الآخر، ولكنهم يكتشفون ارتباطا بين مهمة كل واحد منهم، حيث خطط المجرم الأكبر (الموت الأبيض كما يدّعى في الفيلم) لجمع القتلة الخمسة في القطار وإيجاد صراع بينهم ليقتل كل منهم الآخر، وذلك انتقاما منهم لتسببهم في قتل زوجته.

سرد روائي سينمائي

استخدم المخرج أسلوب سرد مباغت وصادم، وتعمد التنقل بين الماضي والحاضر بحثا عما يربط الشخصيات بشكل تتسق معه مبررات سلوك كل منهم، لذا لم يكن من الغريب أن تسوق جملة على لسان أحد الأبطال إلى مشهد كامل حدث في الماضي ومن ثم العودة، وهو هنا لا يجمد الزمن كما في التقنية المعروفة بالسرد عبر مشهدين متوازيين في الزمن الدرامي نفسه، إنما يعود "فلاش باك" إلى لحظة سابقة باعتبار الماضي لا زال حاضرا في اللحظة.

إنها لعبة السرد التي حاول المخرج استعارتها من سرد الروائي كاتارو إيساكا، بما تحويه من إيقاع سريع واستدعاء للحظات سابقة لاستكمال الصورة، وهي أشبه بلعبة "البازل" التي لا يطلب خلالها المخرج حلا، فهو في الطريق للحل.

الخنفساء

حملت الشخصية التي جسدها براد بيت اسم " ليدي باغ" (بما يعني الخنفساء بالعربية)، ويعتقد أنه صاحب حظ سيئ دائما نتيجة التفاصيل الصغيرة التي يصادفها في حياته، وهو نوع من الوهم أو الميل لعيش دور الضحية، حيث الرجل -كما يبدو في العمل- لديه حظ جيد، خاصة حين يرتد سكين كان موجها إلى عنقه في صدر خصمه.

" ليدي باغ" أو براد بيت ليس مجرد قاتل محترف يكلف بمهمة جلب حقيبة مليئة بالمال والذهب ثم النزول في المحطة التالية للقطار، بل هو قاتل صاحب خبرة، خفيف الظل، ويميل دائما لحل مشكلاته من دون استخدام السلام، والصفة الأخيرة خدعة أخرى أراد بها صانع العمل تقديم الشرير بصورة مقبولة؛ إذ إنه قتل العديد من خصومه بلا مسدس، ويعلن في كل مرة أنه يرفض استخدام المسدس ويرفض الصراع، ويكاد يتوسل لمن يقتلهم كي يتواصلوا معه بالحوار بدل القتال.

رغم أن القاتل في الرواية شاب في الثلاثينيات، فإن بطل الفيلم تجاوز 58 عاما فعليا، ورغم ذلك فإن الممثل المخضرم استطاع استدعاء ذكرياته عن شبابه فأقنع المشاهد بكونه لا يتجاوز منتصف الثلاثينيات.

لم يكن المميز في شخصية البطل ذلك الميل الزائف للسلام وعدم استخدام المسدس في القتل رغم تاريخه كونه قاتلا محترفا، ولكنه ذلك الاتصال الدائم طوال أحداث الفيلم والرواية عبر الهاتف مع مرشدته التي كلفته بالمهمة في البداية لكنها تحولت بعد ذلك إلى صديقة ومرشدة وملهمة له عبر مآزق الفيلم العديدة، وأيضا شارحة لطبيعة ذلك البطل من أجل المشاهد عبر الصوت الصادر من الهاتف، ذلك التواصل الذي منح "ليدي باغ" نوعا من القدرة الأكثر وعيا وسموا من سكان القطار.

المصدر : الجزيرة