فيلم "هيا هيا".. عندما تمنحك الأقدار فرصة استكشاف العالم بعيون الأطفال

تُفاجئنا إجابات الأطفال وتضعنا أمام أنفسنا، بين خائف ومرتبك ومتفائل، وآخر يرغب بشدة في أن يكون متماشيا مع العالم، ومن يبحث عن الحقيقة منذ الصغر ويرغب أن يراه العالم.

في فيلمه الأخير "هيا هيا" (C’mon C’mon) طرح المخرج مايك ميلز دراما عائلية عميقة، حيث يلعب النجم خواكين فينكس (جوني) دور صحفي إذاعي في منتصف العمر، يسافر عبر البلاد لإجراء مقابلات مع عدد لا حصر له من الأطفال والمراهقين عن أفكارهم حول المستقبل والمجتمع والحياة، وإلى أين يتجه العالم.

تضع تلك الإجابات والأفكار المشاهد في حالة يقظة منذ بداية الفيلم. وسيجد كل مشاهد نفسه في واحدة من الإجابات ويستعيد طفولته ومراهقته، وربما يتمنى لو سأله أحد هذه الأسئلة في الوقت المناسب.

بسبب ظروف سفر أخته ومرض زوجها، يضطر جوني للبقاء مع ابنها، ذي التسع سنوات، وهو بلا أي خبرة مسبقة في التعامل مع الأطفال.

يعيش جوني حياة تقليدية، يحاول قضاء يومه بصورة بسيطة، مع محاولاته المستمرة لإيقاف الأزمات قبل أن تسوء، أو حتى محاولة مساعدة شخص بحاجة إلى المساعدة دون أن يفكر كثيرا فيما وراء أفعاله الشخصية وكأن الحياة خلقت على هذا النظام.

ربما يطرح الكبار الأسئلة على الأطفال، لكنهم لا يطرحونها أبدا على أنفسهم. اعتاد جوني أن يطرح الأسئلة على الجميع، لكن الطفل الفضولي يعكس الأمر ولا يكف عن طرح الأسئلة على الخال ليترك فيه عن طريق تلك الأسئلة أثرا لا ينسى.

من خلال رعايته لابن أخته رعاية كاملة، مثل موظف بدوام كامل، يكتشف جوني رؤية جديدة للعالم، ويعرف مدى صعوبة أن تكون أحد الوالدين، وكل ما يحمله ذلك الأمر من مسؤولية، وكل ما يصاحبه من لحظات السعادة والإحباط التي لا تنفصل أبدا.

استكشاف الحياة

يستكشف الفيلم الديناميكية الجديدة في حياة جوني بصدق بعدما تغير نمط حياته بسبب وجود الطفل، حيث يحاول تحقيق أقصى استفادة من الموقف الصعب، محاولا حماية الطفل من الحقائق القاسية لمرض والده الذي اضطر أمه لمصاحبته في السفر، بالإضافة إلى محاولات التكيف مع فضول الطفل ومراوغاته المستمرة.

في بعض المشاهد يسرق الصغير وحضوره الكاميرا بطريقته الطفولية المتدفقة وأسلوبه المتمرد حين يحاول أن يفرض وجوده ورأيه، لكن يبقى الأداء الحساس غير المتكلف لفينكس هو أساس الفيلم.

يتتبع الفيلم اللحظات الجميلة من التواصل والتفاهم بين البطلين، بالإضافة لزلاتهما الشخصية وتوتر علاقاتهما، مثل مشهد اختفاء الصغير داخل المتجر الكبير وحالة الذعر الذي شعر بها الخال، وكيف قدمها فينكس بصدق وبراعة.

يؤثر ذلك على العلاقة بينهما، ويحاول الخال إعادة العلاقة لمسارها المحب مجددا، معتمدا على التجريب الكامل حتى يصل إلى طرق مناسبة للتواصل مع الفتى، طرق لم يلقنها له أحد لكنها مسارات اكتشفها من خلال تعامله مع الطفل.

تجريب المخرج مع الأبطال

ابتعد المخرج بهذا الفيلم عن المعتاد، واختار التصوير كاملا بالأبيض والأسود. هناك كثير من الأفلام الحديثة التي اختار مخرجوها أن يصوروها بتلك التقنية، لأسباب مختلفة.

واختيار ميلز لهذه التقنية كان موفقا، يعطي انطباعا بأن الفيلم بعيد عن الزمن الحالي وتعقيداته، حيث التصوير بلونين فقط، بعيدا عن صخب الألوان، يسمح بمزيد من تدرجات الرمادي على الشاشة، وهو اختيار مثالي للشخصيات التي لا تزال تستوعب واقعها الجديد.

ولم يتعامل مع المشهد بشكل سطحي، لكنه يغوص فيه ولا يغفل أبدا خلفية كل مشهد، سواء كان ذلك وسط المدينة الصاخب أو في منزل مليء بالذكريات، أو تحت فروع شجرة بلوط قديمة، مما يضفي خلفيات مفعمة بالذكريات وترددات مشاعر البشر في كل مشهد.

وبدا ذلك واضحا في المقارنة البصرية الدقيقة بين مدينتي لوس أنجلوس ونيويورك، مع إظهار الأرصفة المضاءة بضوء الشمس في الأولى مقابل المباني المزدحمة والروح القاتمة في الثانية وحتى في التوهج الرومانسي للتصوير بالأبيض والأسود، فإن لكل مدينة منهما شخصيتها الخاصة التي تؤثر على قاطنيها أو ضيوفها بشكل يختلف عن الأخرى.

هيا.. لنفكر

"هيا هيا" دراما صادقة حول المشاعر والعلاقات، تروى من وجهة نظر مختلفة قصة أفراد الأسرة الواحدة، من خلال الأسئلة التي طرحت على مدار الفيلم وإيقاعه اللطيف الهادئ، وهو ما يمكن أن يعيدنا لذكرياتنا الخاصة عندما فقدنا في متجر أو شارع ونحن صغار.

يبني الفيلم عالما فاضلا يسمح للجميع بالأسئلة التي تساعدنا على التعرف على بعضنا البعض، بعيدا عن وحشة العالم الحقيقي ورهاب البشر الذي أصبح شائعا في عالم حديث مليء بالاغتراب.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية