لماذا أغضب مسلسل "البحث عن علا" أبناء الطبقة المتوسطة في مصر؟

تدور أحداث مسلسل "البحث عن علا" في عالم مواز لا ينتمي العامة إليه.

مسلسل "البحث عن علا" حظي بعدة مقومات للنجاح لكنه أخفق في رصد الواقع (مواقع التواصل)

خلال 24 ساعة من عرضه، نجح المسلسل المصري "البحث عن علا" في احتلال المرتبة الأولى بقائمة الأكثر مشاهدة على منصة "نتفليكس" متفوقا على الأعمال المنافسة، وهو ما تزامن مع تصدّر وسم #البحث_عن_علا قائمة الأكثر تداولا على تويتر ومحركات البحث، بينما أصبح "ترند" على منصات التواصل خاصة مع تناقض ردود الأفعال حوله.

جدل سابق للأوان

مع بداية العام، تم عرض الإعلان التشويقي الخاص بالمسلسل، والكشف عن نية طرحه في أول فبراير/شباط الجاري، وبالرغم من أن مدة الإعلان لم تتجاوز بضع دقائق، فإن رواد منصات التواصل سرعان ما بدؤوا التكهّن بطبيعة المسلسل، بل وصل الأمر ببعضهم للاعتراض مُعلنين رفضهم العمل.

وعلل هؤلاء ذلك بأن العمل يبدو بعيدا كل البعد عن جزئه الأول، المسلسل الكوميدي المنفصل-المتصل "عايزة أتجوز" الذي صدر في 2010. فبطلة الموسم الأول ابنة طبقة متوسطة، تُشبه الكثير من الفتيات العاملات اللاتي يبحثن عن "ظل راجل" من أجل الستر والاستقرار، ويحسبن حساب المجتمع والقيل والقال قبل كل خطوة، أما البطلة الحالية فمختلفة قلبا وقالبا.

هذا الجدل الدائر حول العمل، والاتهامات المُسبقة التي وجهت لمؤلفة الجزء الأول غادة عبد العال، جاءت في صالح العمل، إذ ضاعفت أعداد منتظريه، حتى من الذين لم يحبوا "عايزة أتجوز" في السابق.

أين الطبقة المتوسطة؟

يبدأ الموسم الجديد من المسلسل بعد مرور 13 عاما على الحلقة الأخيرة من الموسم السابق، لنكتشف زواج علا وإنجابها طفلين. ومع أن حياتها تبدو جيدة ومستقرة، فإنها تُفاجأ بزوجها يخبرها برغبته في الطلاق، فإذا بها تعود من جديد وحيدة دون مقدمات.

وخلال الحلقات نتابعها وهي تعاود اكتشاف نفسها، وتحاول التكيّف مع وضعها الجديد وتحقيق أحلامها الضائعة.

بالنظر لأبطال العمل، لم يتبق من الموسم الأول سوى هند صبري وسوسن بدر بطلتين رئيسيتين، وسط اختفاء تام لباقي أفراد أسرة البطلة، مما بُرر دراميا بوفاة الأب وسفر الشقيق إلى الخارج. وفي الوقت نفسه، تبدو البطلة هنا مختلفة وإن حملت نفس الاسم والمؤهل، إذ تعيش حياة أكثر رفاهية وقد تغيّرت اهتماماتها واختياراتها وذائقتها الفنية، سواء في عاداتها أو ملابسها.

وإن كان هذا بدا مقبولا تحت اسم مرور السنوات والنضج ومهنة الزوج الناجحة باعتباره طبيبا نفسيا بالإضافة إلى انتمائه لعائلة ثرية، لكنه لم يكن كافيا لكَمّ لا بأس به من المشاهدين الذين لم يستسيغوا الفكرة، وقد أثار استياءهم أن تكون الطبقة التي يستعرضها الجزء الحالي لا تمت بصلة للطبقة المتوسطة التي بُني عليها الجزء الأول، معلنين أنه كان من الأفضل عرض المسلسل بصفته عملا جديدا دون إسناده إلى مرجعية قديمة تُحيّر الجمهور.

انقسام بين النساء

أما المتفرّجات من النساء فقد انقسمن إلى مجموعات: الأولى جاءت من نصيب المطلقات اللاتي شاهدن العمل وشعرن بالحنق، لأن الدراما المُتناولة لا تعكس بأي شكل المشكلات المادية والنفسية والمجتمعية التي يواجهنها في الشارع المصري، ومن أفراد الأسرة وزملاء العمل والأصدقاء وحتى حارس العقار.

في حين عاب البعض على السرد الدرامي والحبكة، خاصة مع تصنيف غادة عبد العال -التي ساهمت في كتابة الموسم الحالي مع مها الوزير- بالكاتبة النسوية التي تنتصر لقضايا المرأة، واصفين القصة -من وجهة نظرهم- بالمهينة للمرأة التي ظهرت خلالها مجرّد تابعة للزوج، تركت من أجله أحلامها وطموحاتها، وحتى حين رحل بدلا من تحمّل المسؤولية بجدية وشجاعة، ظلّ جزء كبير من شغلها الشاغل البحث عن علاقة بديلة ورجل آخر ترتبط به حتى قبل أن تنتهي شهور العدة.

أما الاتهام الأخير الذي وجهه البعض لصناع العمل، فكان البعد عن الواقع، بداية من فرصة العمل والنجاح والشهرة التي حظيت بها البطلة من أول محاولة وخلال أشهر قليلة، مرورا بالعلاقة الجيدة والدوائر الضيقة بين البطلة وطليقها وقبول كل منهما أن يحظى الآخر بشريك جديد فور الانفصال، ووصولا لشركاء العلاقات الكُثر التي وجدتهم البطلة في زمن قياسي، كما لو أن الارتباط بشريك متفهِّم لظروف حياة المرأة المطلقة وخاصة التي تعول أطفال، أمر شائع وعادي!

لماذا نجح "البحث عن علا"؟

بعد كل ما ذُكر أعلاه، قد يتساءل البعض كيف حصد العمل شعبيته الجارفة التي أهلّته لاعتلاء قمة "نتفليكس"؟

لحسن الحظ، حَظَى المسلسل بعدة مقومات نجاح. فبعيدا عن تفاصيل الحبكة التي تم الاختلاف حولها، وإذا تعاملنا مع العمل باعتباره مسلسل "لايت-كوميدي" جديد لا علاقة له بـ"عايزة أتجوز"، وأن أحداثه تدور في عالم مواز لا ينتمي العامة إليه، فسنستطيع النظر للنصف المليء من الكوب ونرى الإيجابيات، سواء تلك التي تمثلت في الحوار الذي أتى حقيقيا بشدة، خاصة المحادثات التي دارت بين البطلة ووالدتها أو البطلة وابنتها، والنجاح بصبغِه بكوميديا خفيفة وراقية، أو التصوير الممتع بصريا بين إضاءة وديكور وأزياء، والموسيقى التصويرية الشديدة العربية والمناسبة تماما للعمل.

 

كذلك جاء قصر العمل وظهور ضيف شرف جديد في كل حلقة (يسرا، خالد النبوي، عباس أبو الحسن، فتحي عبد الوهاب) في صالح المسلسل، إذ جعل المتفرج لا يشعر بالملل، حتى أن البعض شاهد الحلقات الست في يوم واحد.

موسم ثالث قريبا

قد يكون من المبكر الحديث عن موسم جديد، لكن أمام النجاح الذي حققه المسلسل والنهاية المفتوحة التي اختُتمت بها الأحداث، نتوقع أن نشهد موسما آخر قريبا يستعرض مغامرات جديدة لعلا عبد الصبور، فهل يتدارك صنّاعه الأخطاء ويقدمون نموذجا أقرب إلى الواقع الذي نعيشه، أم يكتفون بنسب المشاهدة؟

المصدر : الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي