من المزاح إلى الحرب.. كيف وصل الممثل الكوميدي إلى رئاسة أوكرانيا؟

رغم وجود تشابه بين أحداث مسلسل "خادم الشعب" والواقع، فإن الواقع غير كوميدي على الإطلاق.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (مواقع التواصل الاجتماعي)

في عام 2015 أنتجت أوكرانيا مسلسلا بعنوان "خادم الشعب" (Servant of the People)، تتناول أحداثه الوضع السياسي في البلاد وتسلط الضوء على عدد من القضايا في إطار كوميدي، ولكن ما لم يتوقعه أحد هو أن بطل المسلسل فولوديمير زيلينسكي (44 عاما) سيصبح الرئيس الفعلي للبلاد بعد أعوام قليلة.

وستنقلب المزحة إذن إلى واقع، وخلال حكمه يتفاقم صراع بلاده مع روسيا المتواصل منذ نحو 7 سنوات، ويتطور الأمر مؤخرا ليصل إلى تهديدات بغزو روسي وشيك للبلاد.

واشتهر زيلينسكي لسنوات عديدة بين زملائه الأوكرانيين بحسه الفكاهي، وعمل ممثلا كوميديا ومديرا تنفيذيا في التلفزيون والسينما، وقاد فرقته الكوميدية "كفارتال 95" قبل تقلّده منصب رئيس البلاد في مايو/أيار 2019.

وكان أبرز وآخر أعمال زيلينسكي هو مسلسل "خادم الشعب"، الذي تنبأ بمستقبله، حيث لعب دور مدرس لمادة التاريخ في إحدى المدارس العامة يدعى فاسيل بتروفيتش هولوبورودكو، وأدت الصدفة إلى تحوّله من رجل من عامة الشعب إلى رئيس منتخب للبلاد بأغلبية ساحقة، وبشكل كوميدي تبدأ حياته بالتغير على جميع الأصعدة.

فولوديمير زيلينسكي في أحد المشاهد قبل أن يصبح رئيسا لأوكرانيا (مواقع التواصل الاجتماعي)

من الخيال إلى الواقع

وتدور أحداث المسلسل حول تحوّل حياة فاسيل من مدرس إلى رئيس للبلاد بعد أن صوّره أحد تلاميذه وهو يتحدث غاضبا عن الفساد في أوكرانيا، وينتقد الحكومة والنخبة بلهجة حادة. وبشكل غير متوقع على الإطلاق، انتشر الفيديو الذي حمل عنوان "مدرس تاريخ يفقد صوابه" انتشارا كبيرا، وبدأ الناس بمطالبته بالترشح لرئاسة البلاد بسبب استيائهم أيضا من الفساد والحكومة والنخبة.

وبتوالي الأحداث غير المتوقعة، ترشّح فاسيل بالفعل في انتخابات الرئاسة، ورغم أن استطلاعات الرأي لم تظهر تقدمه على باقي المرشحين، فإنه حقّق نجاحا مبهرا وفاز بنسبة 67% من الأصوات.

وهنا يظهر الفارق الشاسع بين حياة العامة الذي أصبح منهم رئيس البلاد، وبين حياة نخبة البلاد ومسؤوليها، وتنقلب حياة فاسيل رأسا على عقب، ويدلّه مساعدوه على كل شيء يحتاجه، بداية مما سيرتديه من الملابس والأحذية والساعات، إلى طريقة حديثه وتعبيرات وجهه وما سيقوله للصحافة والشعب.

وتنقلب معاملة من حوله له، فبعد أن كان مجرد مدرس مهمش يتلقى الانتقادات والتوبيخات من مديرته، أصبح الجميع يهابه ويتمنى مقابلته، ويتحوّل مع مرور الوقت إلى زعيم حقيقي يلتف الشعب حوله ويسانده لمحاربة الفساد وبذخ النخبة التي تحاربه.

شهرة ممهدة

وفي عام 2018، تم تأسيس حزب "خادم الشعب" الذي يحمل اسم المسلسل التلفزيوني ذاته، ويقوده زيلينسكي. وفي العام التالي، ترشّح إلى الرئاسة وفاز على الرئيس السابق بيترو بوروشنكو بحصوله على ما يقرب من 73% من الأصوات، وكانت كلمته عقب فوزه هي "أعدكم، لن أخذلكم أبدا".

وساهمت الشهرة الواسعة التي كسبها الرئيس الأوكراني من دوره في مسلسل "خادم الشعب" بعد إتقانه دور زعيم البلاد، في وصوله إلى الحكم وتحقيقه فوزا ساحقا صادما في الانتخابات، عقب أقل من 4 أعوام من عرض المسلسل الكوميدي لأول مرة، ورغم وجود تشابه بين أحداث المسلسل والواقع، فإن الواقع غير كوميدي على الإطلاق.

وحتى بعد وصوله إلى الرئاسة، تمتع زيلينسكي بارتفاع كبير في شعبيته، وقالت ماريا زولكينا، المحللة السياسية في مؤسسة "المبادرات الديمقراطية" ومقرها العاصمة كييف، لصحيفة "لوس أنجلوس تايمز" (Los Angeles Times) الأميركية، إنه "خلال عامه الأول ونصف العام في المنصب، حافظ زيلينسكي على مستوى عال من الشعبية والثقة مقارنة بالرؤساء السابقين في المرحلة نفسها من ولايته".

غير أنها أشارت إلى أن هذه الثقة بدأت بالتبخر مع بداية تصاعد التوترات بين كييف وموسكو العام الماضي، وتظهر استطلاعات الرأي الآن أن عدد الأوكرانيين الذين لا يثقون بزيلينسكي هو ضعف عدد أولئك الذين يثقون فيه.

وبحسب الصحيفة الأميركية، تعرض زيلينسكي للانتقادات بسبب أعضاء الدائرة المقربة منه، إذ إن الكثير منهم هم من المخضرمين في صناعة الكوميديا الذين يتمتعون بخبرات سياسية قليلة، ومنهم أندريه يرماك، وهو منتج أفلام ومحام يرأس حاليا مكتب الرئيس وينظر إليه على أنه يتمتع بنفوذ كبير.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الكثيرين، ومنهم منتقدو زيلينسكي، يعتبرون أن وصوله إلى رئاسة البلاد بعد أن كان ممثلا دليل على ديمقراطية البلاد ونظامها.

المصدر : مواقع إلكترونية