"سكة طويلة" يقفز بالسينما السعودية عشرات الخطوات إلى الأمام

ينتمي فيلم "سكة طويلة" إلى نوع أفلام الطريق، وهي أفلام تدور أحداثها خلال رحلة بالسيارة يقوم بها الأبطال (مواقع التواصل الاجتماعي)

بدأت منصة نتفلكس قبل أيام، عرض فيلم "سكة طويلة" (Route 10)، وهو الفيلم السعودي الثاني على المنصة بعد "شمس المعارف" الكوميدي، وكلاهما من بطولة براء عالم، الشاب الخارج من عالم اليوتيوب والحديث عن السينما إلى بطولة أفلامها مباشرة.

يقدم "سكة طويلة" دليلا على أن السينما السعودية تقفز إلى الأمام كل عام عشرات الخطوات، وتصبح على وشك منافسة بقية السينمات العربية بجدارة بعد طول تعطل.

قصة فيلم "سكة طويلة"

تبدأ أحداث فيلم "سكة طويلة" بناصر (براء عالم) ومريم (فاطمة البنوي)، أخ وأخت يسافران إلى أبو ظبي لحضور زفاف والدهما على زوجته الجديدة بعد وفاة والدتهما. ولكن في اللحظة الأخيرة تصلهما مكالمة بإلغاء الحجز، فيكون الحل الوحيد السفر برا باستخدام السيارة عبر طريق شبه مهجور يُطلق عليه اسم "طريق 10".

وخلال الرحلة، تبدأ سيارة رباعية الدفع في تتبعهما، بحيث يحاول السائق جرّهما إلى حادث قاتل، بل يقوم بدهس ناصر مباشرة عندما حاول التفاهم معه بشكل ودي، فأصيب الأخير بجروح طفيفة لسرعة رد فعله.

ينتمي فيلم "سكة طويلة" إلى نوع أفلام الطريق، وهي أفلام تدور أحداثها خلال رحلة بالسيارة يقوم بها الأبطال، يجتازون مناطق مختلفة من بلادهم، تتوازى مع الصعوبات النفسية التي يضطرون إلى مواجهتها. وعادة ما يصاحب هذه الأفلام استعادة الذكريات أو محاولة قراءة الذات أو شريك الرحلة، وكشف الكثير من الأسرار الخفيّة.

في الفيلم، نجد أن مريم تعتب على أخيها عدم التواصل بينهما رغم عيشهما في المنزل ذاته. ومن خلال الحوار، نعرف أن الأم ماتت بعد صراع مع مرض السرطان، وأن الأخوين يعيشان مع أب ظالم يفرض شروطا قاسية في العمل، وبسبب تلاعبه بالمواصفات الخاصة بأدوات البناء مات عدد من عماله مؤخرا. ويسيطر على الابن شعور بالمرارة تجاه والده الذي يحاول إجبار ابنته على الزواج من رجل لا ترغبه.

شخصية الأب كانت المفتاح لعقدة الفيلم، فظهور سائق السيارة البيضاء، الموتور، لا يبدو عشوائيا بالنسبة إليهما، إذ يكتشفان أن الحجز (في الطائرة) لم يتم إلغاؤه من الأساس، بل كانت تلك مكيدة مدبرة لإجبارهما على قيادة السيارة في هذه الرحلة التي تستغرق 8 ساعات في الصحراء.

ثم يبدأ الشقيقان البحث عن عدو لهما، أو لوالدهما، قد يرغب في الانتقام منهما بهذه الطريقة. والقائمة تطول بين العداوات الشخصية والعملية، وعشرات الأشخاص الذين قد يرغبون في الثأر من الأب. ويحاول الشابان، حتى النفس الأخير، الدفاع عن أنفسهما ضد هذا المعتدي أيا كانت هويته، ليكتسب الفيلم مذاق المغامرة المثيرة، بين كر وفر ومحاولة استنجاد بآخرين لا تُجدي.

سينما لا تشبه إلا نفسها

تتميز تجارب السينما السعودية على قلتها بأصالتها الخاصة. ولأن العينة التي يمكن دراستها محدودة، نجد أن هذه السمة واضحة جدا، فهي سينما لا تحاول التشبه بالأفلام الغربية إلا قليلا. وتلك التي تشبّهت سقطت من ذاكرة الجمهور، ومنها فيلم "سيدة البحر" الذي عُرض في العام 2019، ولكن يصعب أن يذكره أحد لتجربته التي تميل إلى الغرائبية، لدرجة لا يتذوقها المشاهد العربي.

في المقابل، فإن التجارب الأحدث، مثل "شمس المعارف" و"سكة طويلة" تبدو أكثر بساطة؛ فالأول فيلم كوميدي عن شاب مفتون بالسينما يرغب في صناعة الأفلام، ويتورط مع أحد مدرّسيه الذي يكتشف تصويره فيديوهات مضحكة حول معلمي المدرسة، ويضطر إلى مجاراته لتصوير فيلم رعب ركيك ومتواضع من حيث المستوى الفني، باسم "شمس المعارف".

الفيلم هنا يسخر من ضعف ثقافة صنع الأفلام السعودية، ويقدم تجربة صانعي أفلام تشبّعوا بمشاهدة أفلام السينما العالمية، ولكنهم عديمو الخبرة بالصنعة ذاتها، فأتت النتيجة كارثية كما هو متوقع. وتمتع العمل بخفة الظل والسخرية من الذات بذكاء.

أما تجربة "سكة طويلة"، فاستغلت جانبا آخر من الواقع السعودي. تلك الصحاري الممتدة آلاف الأميال، والطرق البرية الطويلة التي تصل بين المدن من جهة، وبعضها بعضا من جهة أخرى، ويسودها هدوء أقرب إلى الوحشة، وتصلح تماما لفيلم طريق تشوبه الإثارة.

استفاد العمل من جغرافيا بلاده بقوة، ورغم خبرة مخرجه عمر نعيم في السينما الأميركية وتقديمه أفلاما ناجحة، فإنه لم يصبغ عمله بصبغة هوليودية جوفاء، بل مزج بين معارفه التقنية والخبرات الفنية التي اكتسبها في أعماله السابقة، وطبيعة البلد التي تم التصوير فيها.

هذا لا يعني أن فيلم "سكة طويلة" لا تشوبه مشكلات؛ فهو كتجربة جديدة يُعد ممتازا، لكن عابه المشاهد الختامية، إذ غلبت صبغة الغموض على العمل، ولم يهتم المخرج بتوضيح الجاني حتى النهاية. فمن يكون المنتقم؟ ولماذا؟ هل يشكل ذلك الشخص مجازا ظلم الأب الذي امتد ليقع أذاه على أبنائه؟

ترك الرجل الغموض وراءه، وبدلا من أن يختم المخرج فيلمه بالأخ والأخت يستكملان رحلتهما، قرر أن يضيف مشهد مواجهة فجّة بينهما وبين الأب، مما أضعف العمل وأضفى عليه مسحة من السذاجة.

يشار إلى أن السينما السعودية تتقدم بخطوات ملموسة، ومع دعم "مهرجان البحر الأحمر" صناعة السينما في المملكة، ومساهمته في إنتاج أفلام جديدة، من المتوقع أن تكون هذه السينما منافسا جديا في الشرق الأوسط بأصالتها قبل الخبرات التقنية لصانعيها.

المصدر : الجزيرة