"الفتاة الأوفر حظا".. تنمر وقتل جماعي وماض لا يموت

كانت رواية جيسيكا نول تدور حول تلك الضغوط التي تتعرض لها المرأة لتحقيق ما تحلم به من مكانة ومال، وما تدفعه في سبيل ذلك، لكن الفيلم يستعرض حياة فتاة لم تكتب لها النجاة من حادث الاعتداء نفسيا، وإن نجت جسديا.

الفتاة الأوفر حظا(نيتفليكس)
يحاول صناع فيلم "الفتاة الأوفر حظا" الوصول إلى الأسباب الاجتماعية لحوادث القتل الجماعي بالمدارس الأميركية (نيتفليكس)

إذا كان الماضي هو الوقت الذي انقضى، والمستقبل هو الزمن القادم، فالحاضر هو بوابة المستقبل التي يدلف منها الإنسان إلى غده، لكن هل يستطيع الماضي أيضا أن يعبر تلك البوابة إلى المستقبل؟

يؤكد "الفتاة الأكثر حظا" (Luckiest Girl Alive) للمخرج مايك باركر، وسيناريو جيسيكا نول، على إمكانية هذا، بل ويضيف أن الماضي لا ينقضي أبدا ويكاد لا يمر، باعتباره أحداثا لها ما بعدها.

لا يقف الفيلم -الذي يعرض حاليا على شبكة نتفليكس- عند حدود التأكيد على أثر الماضي، بل يحمل مفارقة مدهشة تلخص حال البطلة داخل الصراع الدرامي، وتلخص حالة صناع العمل خارجه.

فكما تعيش البطلة بشخصيتين متناقضتين، ولدت بإحداهما، وصنعت أخرى زائفة، لتظهر بها في المجتمع، فإن صناع العمل قدموا صورة جميلة وشاشة أنيقة، وإضاءة أكثر من رائعة، لكنهم -على ما يبدو- تناسوا تقديم شخصيات يمكنها أن تجعل المشاهد يحب هذا العمل.

يلامس الفيلم أكثر من قضية، ويحمل أكثر من هم، كما يملك صناعه جرأة الحفر عميقا في محاولة للوصول إلى الأسباب الاجتماعية لحوادث القتل الجماعي بالمدارس الأميركية.

تدور الأحداث حول آني فانيلي (الممثلة ميلا كونيس) التي تقيم في نيويورك وتعمل محررة صحفية وتستعد لحفل زفافها الفخم على الشاب الغني لوك هاريسون (الممثل فين ويتروك) الذي ينتمي لعائلة عريقة.

تفاجأ تيفاني بصانع أفلام وثائقية آرون ويكرشام (الممثل دلمار أبوزيد) الذي يدعوها للمشاركة بفيلمه حول حادث قتل جماعي حدث قبل 20 عاما، بينما كانت تلميذة مراهقة في هذه المدرسة، وبعد تردد تقبل المشاركة، لأن واحدا ممن شاركوا في الاعتداء عليها سيشارك بشهادته فيه، لينهار كل ما حاولت أن تبنيه خلال سنواتها السابقة.

وجوه أني المتعددة (الصحافة الأميركية)

رواية وسيناريو

حققت الرواية التي اقتبس منها الفيلم نجاحا كبيرا حين صدرت عام 2015، ويبدو أن ذلك النجاح هو ما دفع نول لكتابة السيناريو وتنفيذ الإنتاج لصالح بطلة العمل ميلا كونيس.

لم تؤكد الكاتبة أن قصة الفيلم هي نفسها قصتها الشخصية، لكنها أشارت إلى كون الأحداث حقيقية وقد تعرضت هي نفسها لبعضها.

قد تؤدي الأحداث التي تقع للإنسان إلى كتابته لرواية جيدة، لكنها ليست شرطا لكتابة سيناريو جيد. ورغم أن لكل نوع قواعده الفنية، فإن السيناريو -على عكس الرواية- عمل مهني خالص يحتاج للتخلص من أي تأثير عاطفي للحدث، والالتزام بالشروط الحرفية.

وقعت بول تحت تأثير أحداث روايتها، واعتبرت أن مشاهد الفيلم قرأ الرواية، فقدمت عملا يحتوي إشارات للأحداث ولم تقدم الأحداث نفسها سوى في مشاهد مبتورة لم يتم إشباعها بالقدر الذي يكفي للتعاطف أو الغضب من أي شخصية في العمل باستثناء "آني فانيلي" التي تعرضت لاعتداء، فانتقمت ونحتت شخصية جديدة تماما وزائفة إلى حد كبير.

كانت رواية نول تدور حول تلك الضغوط التي تتعرض لها المرأة لتحقيق ما تحلم به من مكانة ومال، وما تدفعه في سبيل ذلك، لكن الفيلم يستعرض حياة فتاة لم تكتب لها النجاة من حادث الاعتداء نفسيا، وإن نجت جسديا.

تحولت فانيلي الجميلة إلى كائن بلا روح، وإلى فتاة تحتقر بيئتها التي جاءت منها وتحتقر والدتها، وتسعى إلى أهدافها دون مشاعر، بدءا من عملها وحتى زواجها.

ويبدو الفيلم الذي كتبته نول استكمالا للرواية حيث تحولت الفتاة إلى مسخ بشري مزدوج الشخصية، تكشف كاميرا صانع الأفلام الوثائقية عن سره الرهيب.

ازدواج

تكشف المشاهد الأولى للفيلم عن تقنيتين أساسيتين في صناعته، الأولى تتعلق بمشاهد متوازية بالتناوب بين ماضي محررة صحفية بمجلة متواضعة ومرشحة للعمل في نيويورك تايمز نظرا لمهاراتها المهنية الواضحة، وماضيها الذي يتعلق بكونها تلميذة في مدرسة ثانوية تتعرض لاعتداء جماعي من قبل زملائها، ثم مشهد حادث إطلاق النار الجماعي، وتتصاعد الأحداث على التوازي وصولا إلى استعدادها لحفل زواجها.

ورغم كون الخط الدرامي واحدا حول حياة البطلة، بدأ مع هذه التقنية أن ثمة خطين دراميين وليس واحدا، لكن تتضح الحكمة من ذلك إذا اكتشفنا أن فانيلي التي تعرضت لاعتداء جماعي لم تعد كما كانت قبل الاعتداء، وإنما تحولت إلى كائن مزدوج الشخصية، وبالتالي فإن عرض الحاضر والماضي في الوقت ذاته يؤكد ذلك الفارق بين الشخصيتين ويوضحه.

وتظهر الفتاة مع والدتها التي تقوم بتوصيلها إلى مدرستها بعد أن حصلت على منحة دراسية، وتؤكد الأم لابنتها أن وجودها في تلك المدرسة فرصة جيدة لتلتقي بأبناء الأغنياء، ومع مشاهدها الأولى بالمدرسة تتعرض للتنمر الذي يقع عليها بسبب فقرها.

يتضح أثر ذلك التنمر فيما بعد، حيث تعبر الشابة عن احتقارها لوالدتها، وتتحدث عنها باعتبارها "ريفية تسكن المدينة" أو "فلاحة".

تنتقم الفتاة من تلك الأم التي وجهت لابنتها اتهامات أخلاقية حين كشفت لها عن الاعتداء الذي تعرضت له.

أكد السيناريو على حضور فانيلي عبر استخدام التعليق الصوتي، حيث تحكي قصتها بنفسها، وتبرر أفعالها، ولم يقدم التعليق لحظة ندم واحدة أو إضافة سردية حقيقية، وبدا كأنه محاولة لاختصار المشاهد المصورة أو عجز في التعبير عن مشاعر أشخاص العمل بالصورة.

الصورة وانعكاسها الباهت أو الفتاة ذات الوجهين( الصحافة الأميركية)
الصورة وانعكاسها الباهت أو الفتاة ذات الوجهين (الصحافة الأميركية)

كراهية الذات

نموذج فانيلي ليس مزدوجا لأسباب تتعلق بالطموح، ولكن الكراهية الواعية للذات هي ما دفع الفتاة التي أدركت فقرها أثناء دراستها الثانوية، ثم تعرضت لأسوأ أنواع الإذلال بعد ذلك، فقررت أن تحصل على كل ما يؤهلها لأن تحب نفسها.

لم تستطع الشابة التي توشك على تحقيق أحلامها، بالالتحاق بفريق عمل نيويورك تايمز والزواج من وريث عائلة غنية، أن تتخلى عن طبيعتها، فقد استغلت غياب خطيبها لدقائق عنها في المطعم وانهالت على الطعام حتى أنهته في ثوان معدودة بعد أن كانت ترفض تناوله أمامه بحجة الحفاظ على رشاقتها. وفي المقابل بدت في صالة الألعاب الرياضية وكأنها تتعرض للتعذيب على يد شخص بلا ضمير لتتخلص من الوزن الذي قد يضيفه الطعام، وهو ما يطرح سؤالا حول كشفها لسرها الرهيب وهل تعمدت ذلك لتحرير روحها من ذلك العذاب المستمر والسجن داخل شخصية أخرى؟

"آني" انتقمت ممن اعتدوا عليها، وقتلت شريكها في الجريمة، ولكنها لم تستطع أن تهرب من ماضيها الذي داهمها بينما اعتقدت أنه وقت الحصاد.

المصدر : الجزيرة