مسلسل "المتهمة".. لماذا يصر صناع الدراما على التكرار؟

على الرغم من تصدّر مسلسل "المتهمة" قوائم المشاهدة على منصة العرض، فإن العمل نال هجومًا كبيرًا من الجمهور، كما ناله أيضًا نصيب من النقاد الذين انتقدوا ضعف الحوار والشخصيات التي لم يكتمل بناؤها بما يكفي لتُبرز براعة أصحابها بالتمثيل.

مسلسل المتهمة (مواقع التواصل الاجتماعي)

يعدّ مسلسل "المتّهمة" واحدا من أحدث الأعمال الدرامية القصيرة والأصلية التي بدأ عرضها أخيرًا على منصة "شاهد"، محققًا مشاهدات مرتفعة أهّلته ليحتل المرتبة الثانية ضمن الأعمال العشرة الأكثر مشاهدة عبر المنصة.

عُرض من المسلسل حتى الآن 9 حلقات، ومن المفترض عرض الحلقة الأخيرة خلال أيام، إذ ينتظرها الجمهور بشغف بسبب طبيعة المسلسل البوليسية والمعتمدة على التشويق والإثارة والرغبة في معرفة هوية القاتل.

مسلسل لبناني بطابع مصري

مسلسل "المتهمة" دراما لبنانية من تأليف وإخراج تامر نادي، وبطولة الممثلة التونسية درة والممثل اللبناني عادل كرم، إلى جانب مجموعة من النجوم المصريين من بينهم رشدي الشامي، وعلي الطيب، ودياب، ومها نصار، ومحمد عبد العظيم.

ومع أن الإنتاج لبناني والتصوير جرى في لبنان، إلى جانب كون البطلين الرئيسيين غير مصريين، فإن الأحداث بأكملها تدور في مصر، ومن المفترض أن الأبطال أنفسهم يحملون الجنسية المصرية، مما جعل البعض يستنكرون اختيار المخرج لطاقم التمثيل، إذ اقترح بعضهم ريهام عبد الغفور اسمًا بديلًا لدرة.

وعلى الرغم من تصنيف صانعي العمل له ضمن فئة الرعب، فإن حبكته تبدو أقرب إلى فئة الجريمة والتشويق؛ فالأحداث تبدأ بجريمة قتل بشعة لرجل، تُتهم فيها زوجته التي سرعان ما تتعرض لحادث يُفقدها الذاكرة. ومن أجل إثبات براءتها، تهرب بعيدًا عن أنظار الشرطة، بينما تحاول البحث عن أي دليل لمصلحتها أو ما يُذكّرها بحقيقة ما جرى.

 لعبة الجريمة والقاتل والمحقق

المتابع الجيد لمسلسلات منصة "شاهد" في المدة الأخيرة سيجد أن أغلبها يدور في الفلك ذاته؛ جريمة قتل يشوبها الغموض، ثم مُحقق من الشرطة يجتهد للوصول إلى الجاني، بالإضافة إلى كثير من لقطات "الفلاش باك" التي تكشف ماضي الشخصيات ودوافعهم، يصحبها بعض المفاجآت وصولًا إلى الخاتمة غير المتوقعة.

شاهدنا ذلك في أعمال مثل المسلسل المصري "منعطف خطر"، والمسلسل السوري-اللبناني "ستيليتو" المقتبس عن "فورمات" التركي بالاسم نفسه ولا يزال عرضه مستمرا حتى الآن، وحتى المسلسل المصري "الليلة واللي فيها" تضمن بعض الخطوط الدرامية ذاتها.

باسل خياط يتفوق على دياب

لكن يبقى مسلسل "منعطف خطر"، الذي انتهى عرضه أخيرًا، العمل الأفضل من بين ما قُدّم ضمن الفكرة نفسها، وقد لعب بطولته باسل خياط وباسم سمرة وريهام عبد الغفور، إذ برع خياط في دور المُحقق المتشكك وصاحب الماضي التعس. وبمقارنة الممثل دياب في دور الشرطي بمسلسل "المتهمة"، نجد خياط متفوقًا بمراحل على دياب.

ثمة شبه واضح بين دوري دياب وخياط لم يتوقف عند طبيعة وظيفة كليهما، من حيث الجريمة ومحاولة حلها، فضلًا عن تقاطعهما أيضًا بمسألة الحياة الزوجية المنتهية لكل منهما، والإصرار على تربية الابنة بعيدًا عن الزوجة السابقة التي تزوجت برجل آخر، والأهم عدم قدرة أي منهما على تحقيق ذلك، تاركين مسؤولية الطفلة لآخرين، ومستمرين بالتعنّت في منح الأم فرصة للاهتمام بابنتها.

من جديد، ترجح الكفة لمصلحة "منعطف خطر"، ليس بفضل مستوى التمثيل وحسب، بل أيضًا على مستوى الإخراج والكتابة الشديدة الحساسية التي برع بها الكاتب محمد المصري واستطاع من خلالها سبر أغوار الشخصيات وتفسير مدى تأثير صدمات الماضي في الحاضر والمستقبل.

لكن، لنفترض أن المقارنة جاءت لمصلحة مسلسل "المتهمة"، فهل يشفع ذلك لمنصة "شاهد" الدوران في الدائرة ذاتها وحول الحبكة عينها، كونها نجحت سابقًا في جذب الانتباه؟ أم بات على أصحاب المنصّة الانتباه لما يختارونه، إذا ما أرادوا ألا يُصاب الجمهور بالملل ويبحث عن التغيير عبر منصات أخرى؟ خصوصًا أن الأعمال الأخيرة التي عرضتها شاهد، مثل "وعد إبليس" و"المتهمة"، خيّبت آمال كثيرين.

كيف يمكن قياس النجاح؟

على الرغم من تصدّر مسلسل "المتهمة" قوائم المشاهدة على منصة العرض، فإن العمل نال هجومًا كبيرًا من الجمهور، كما ناله أيضًا نصيب من النقاد الذين انتقدوا ضعف الحوار والشخصيات التي لم يكتمل بناؤها بما يكفي لتُبرز براعة أصحابها بالتمثيل، كما جاء في دور النجم رشدي الشامي.

الهجوم الأكبر كان من نصيب الفنانة درة التي حمل اسم المسلسل صفتها كـ"متهمة"، مما أوحى بأنها البطلة، ومع ذلك جاءت مشاهدها قليلة ومتفرقة. وكعادة أعمال درة والانطباعات العامة حولها، فإنها اتُّهمت بالتمثيل المتواضع. وثمة من يلفت إلى حُسن اختيارها للأدوار ومحاولاتها المستمرة لصقل موهبتها من دون جدوى، كونها تظل كل مرة تقريبًا غير قادرة على مجاراة مَن حولها أو تقديم أفضل أداء يستحقه الدور، خصوصًا أن دورها كان يسمح لها باستعراض بعض الطاقات التمثيلية، بخلاف معظم الأدوار الأخرى في العمل ذاته.

عادل كرم لم يقدم أيضًا دورًا يليق بأعماله الفنية، وبدت مشاهده أشبه بـ"المبتورة". وعلى الرغم من اجتهاده في العمل على تحسين لهجته المصرية، ظلت مخارج حروفه غير واضحة ومتآكلة، ويمكن القول إنه مقارنة بدرة يفوز بمرتبة الحلقة الأضعف بالمسلسل.

اتهامات كاذبة أم هجوم مُستحق؟

الآراء السلبية تجاه "المتهمة" فسّرتها درة بأنها هجوم مسبق ومتوقع من "أعداء النجاح" الذين يتربّصون بها مع كل عمل تقدمه، مبرّرة عدم صحته بالإحصاءات التي تُشير إلى تصدُّر المسلسل "قائمة الأعلى مشاهدة".

في المقابل، حظي المسلسل باستحسان بعض صانعي الدراما، مثل المؤلف عمرو محمود ياسين الذي وصف أداء درة بالرائع والاحترافي، بل أشاد بانتصارها للشخصية والمضمون بعيدًا عن الاهتمام بالمظهر والأزياء والمكياج. وقال إن هذه ليست المرة الأولى التي تُقدم درة على خطوة كتلك، إذ فعلتها سابقًا في أعمال أخرى، مثل مسلسل "سجن النسا" ومسلسل "العار"، وتجربتها معه في مسلسل "نصيبي وقسمتك".

أداء مميز لعلي الطيّب

وبمتابعة الحلقات الست الأولى من مسلسل "المتهمة"، سنجد أن علي الطيب هو الأفضل بين الممثلين، إذ برع بأدائه السهل الممتنع، ويمكن القول إنه حمل على عاتقه جزءًا ضخمًا من مسؤولية إجبار الجمهور على الاستمرار بمشاهدة العمل على الرغم من السلبيات.

لكن، مع الحلقة السابعة والثامنة -وهما الأفضل بالمسلسل حتى الآن- انضم إلى ركب المتألقين الفنانان محمد عبد العظيم ومحمود غريب، اللذان لفتا الانتباه على الرغم من صغر حجم دوريهما.

في انتظار نهاية مسلسل "المتهمة"

يشهد هذا الأسبوع نهاية مسلسل "المتهمة"، وقد تبارى المشاهدون في توقع أحداثه المقبلة، ولكن بسبب تلاحق تلك الأحداث سريعًا في الحلقات الأخيرة، فقد تفاوتت التوقعات.

لهذا، لا يستطيع أحد الجَزم إذا ما كانت النهاية ستفاجئ الجمهور ببراءة درة أم بثبوت التهمة عليها؟ أو هل بالفعل مراد هو من قتل شريف أم العكس؟ أم ثمة مؤامرة حاكها طرف آخر لا يمكن توقعه؟

هذا التفاوت في الآراء إلى حد التناقض أحيانًا يمكن اعتباره مؤشرًا ضمنيا لنجاح العمل على مستوى الحبكة، حيث الإثارة والغموض، خصوصًا أن ذلك جاء بإخراج جيد وسيناريو تصاعدي يحبس الأنفاس.

لكن، إلى متى ستظل الحبكة وحدها تكفي؟ وإن نجح ذلك مع المسلسلات القصيرة، ما الذي عساه ينقذ المسلسلات الطويلة من براثن عدم استكمال الجمهور المشاهدة، فور إصابته بخيبة الأمل؟

المصدر : الجزيرة