الملك لير: تحفة شكسبير التي تشكّلت في عشرات اللوحات التشكيلية

يموت الملك لير في النهاية من شدة الحزن والحسرة، بعدما أودت شخصيته المحبة للثناء والمدح بحيوات بناته الثلاث، وبذلك يسدل شكسبير الستار على إحدى روائع الأدب الكلاسيكي، تاركاً القارئ -كالعادة- ليدرك طبيعة المسرح الهزلي الذي يُسمى الحياة

تحكي مسرحية "الملك لير" (King Lear) قصة أب أراد تقسيم مملكته على بناته الثلاث، كلٌ وفقَ مقدار حبها لأبيها. غير أنه نسي أن التعبير عن الحب بالكلمات أمرٌ سهل، وأن إثبات هذا الحب بالأفعال أمرٌ نادر. سخط الملك على ابنته الصغرى كورديليا، التي رفضت التعبير عن حبها بالكلمات وقالت إنها تحبه فقط كما تحب ابنة أباها.

في المقابل، انخرطت الشقيقتان الكبيرتان، غونريل وريغان، في التعبير بإسهاب عن مشاعرهما لأنهما ترغبان في استقطاع الجزء الأكبر من مُلك بريطانيا من الملك، الذي يحب أن يُمدَح ويُثنى عليه وأن يكون محط إعجاب الآخرين بشتى الوسائل.

وهكذا، تدور رحى الصراع لتظهر مقدار العقوق الذي ستقدم عليه الشقيقتان الكبيرتان في حق أبيهما، وكيف أن كورديليا التي رفضت التعبير عن حبها بالكلمات هي من ستموت في سبيل إنقاذه -في النهاية- بسبب صدق حبها له، ولأنها لم تكن تطمع في المال والمُلْك.

الفصل الأول

هذا العمل المسرحي، الذي اعتبره النقاد من أقوى التراجيديّات التي ابتدعها شكسبير، كان مصدر إلهام لرسامين كُثُر قدموا فصول المسرحية الخمسة في لوحات عدة، مثل لوحة الرسّام الأميركي إدوين أوستن آبيي (1852-1911)، الذي رسم الفصل الأول من المشهد الأول عام 1898، قبل أن ترحل كورديليا مع زوجها ملك فرنسا الذي رفض أن يدفع مهرا لأبيها الذي تبرّأ منها.

اشتهر آبيي برسم اللوحات المستمدة من الأعمال الأدبية؛ نرى في اللوحة مشهدا دراميا للملك لير، حيث تقف كورديليا -بطلة تلك التراجيديا- في قلب اللوحة، بعدما تخلى عنها والدها للتو في المشهد الافتتاحي للمسرحية، كما تقف ابنتا الملك الكبيرتان على يسار اللوحة، إحداهما في ثوب قُرمزي والأخرى في ثوب أسود، بينما تقف بقية الشخصيات على يمين اللوحة.

الملك لير ، الفصل الأول ، المشهد الأول متحف المتروبوليتان للفنون (ويكيبيديا)
الملك لير، الفصل الأول، المشهد الأول متحف المتروبوليتان للفنون (ويكيبيديا)

مشهد انقلاب الشقيقتين الكبيرتين على الصغرى قدمه أيضا الرسّام البريطاني غوستاف بوب (1831-1910) في لوحته الشهيرة "بنات الملك لير الثلاث"، المرسومة عام 1876، التي يُظهر فيها الأختين غونريل وريغان على اليمين، تنظران نحو كورديليا (الواقفة على اليسار) بامتعاض وغضب.

الفصل الثاني والثالث

بعدما قسّمَ الملك لير مُلكه مناصفة بين ابنتيه، تبدأ الشقيقتان في الانقلاب على الأب لتقويض نفوذه والانفراد بحكم المملكة، فتقومان بطرد والدهما من القصر في جو عاصف. مشهد الملك لير وهو مطرود من قصره في عاصفة شديدة بلا مأوى قدّمه الرسام البريطاني بنجامين ويست (1738-1820)، الذي اشتهر برسمه الموضوعات التراجيدية والملحمية بحرفية ومهارة شديدة.

نرى في لوحته "الملك لير في العاصفة"، المرسومة عام 1788، تمثيلا تراجيديا دراميا للملك في منتصف اللوحة، بثياب وشعر متناثرين وهيئة رثة بعدما طردته ابنتاه، ومن حوله مهرج ورجلان مجهولان ووزيره الذي يدعى غلوستر، والذي بحث عنه طويلا حتى عثر عليه، ليطمئنه أن جيشا فرنسيا قد وصل إلى بريطانيا -بقيادة ابنته الصغرى كورديليا- بهدف إنقاذه وإعادته إلى العرش.

الملك لير في العاصفة في متحف الفنون الجميلة في بوسطن(ويكيبيديا)
الملك لير في العاصفة في متحف الفنون الجميلة في بوسطن (ويكيبيديا)

 

ولكن، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن؛ يقبض دوق كورنوال، زوج ريغان، على الوزير غلوستر بتهمة الخيانة، بعدما بشره بأن كورديليا قادمة لإنقاذه، ثم تقوم ريغان بتعذيب غلوستر، وتأمر أحد الخدم بأن يقتلع عينيه، لكن الخادم ينهار ويتوتر بعد فقئه العين الأولى، فتغضب ريغان وتقتل الخادم وتقوم بنفسها باقتلاع العين الأخرى. ومثلما فعلت مع أبيها، تقذف بالوزير غلوستر خارج أسوار القصر في العاصفة، بعدما صار ضريرا.

الفصل الرابع والخامس

تعثر كورديليا على أبيها، وتُحضِره من قلب العاصفة ليقيم في خيمتها، وترعاه بإشراف أطباء. قدم الرسام البريطاني فورد مادوكس براون (1821-1893) هذا المشهد في لوحته "لير وكورديليا"، المرسومة عام 1854، حيث تقف كورديليا قلقة، على يمين المشاهد، تتابع حالة أبيها من كثب، بينما يقف إلى جوارها طبيب، وجوقة موسيقية في الخلف تعزف للملك على أمل أن يوقظه صوت الموسيقى.

لير وكورديليا ( موقع تيت)
لوحة لير وكورديليا (موقع تيت، لندن)

 

تدور معركة حامية الوطيس بعد ذلك بين الجيشين الفرنسي والبريطاني. لكن الجيش الفرنسي يلقى هزيمة ساحقة تؤدي في النهاية إلى اقتياد لير وكورديليا إلى السجن حيث يتم إعدامها. وفي غضون ذلك، تقتل غونريل أختها ريغان، بدافع الغيرة والطمع، باستخدام السم ثم تنتحر بعدما أدركت حجم السوء الذي أقدمت عليه طوال تلك الفترة.

قدم الرسام الأيرلندي جيمس باري (1741-1806) في لوحته "الملك لير ينعى كورديليا"، المرسومة عام 1788، مشهدا مأساويا للملك الذي يبكي على جثة ابنته الوحيدة التي أحبته بصدق وماتت فداء له.

الملك لير ينعي كورديليا (ويكيبيديا)
الملك لير ينعي كورديليا (ويكيبيديا)

يموت الملك لير -في النهاية- من شدة الحزن والحسرة، بعدما أودت شخصيته المحبة للثناء والمدح بحيوات بناته الثلاث، وبذلك يسدل شكسبير الستار على إحدى روائع الأدب الكلاسيكي، تاركا القارئ -كالعادة- ليدرك طبيعة المسرح الهزلي الذي يُسمى الحياة.

المصدر : الجزيرة + وكالات