"الغرفة 207".. تقليد غربي أم باب جديد لدراما الرعب العربية؟

مسلسل الغرفة ٢٠٧
"الغرفة 207" يمكن عدّه من أفضل أعمال الرعب الأصلية التي قدمتها منصة "شاهد" رغم بعض الملاحظات والانتقادات (مواقع التواصل)

داخل فندق "لونا" في مدينة مرسى مطروح في عام 1968، يتعرف موظف الاستقبال الجديد جمال الصواف (الممثل محمد فراج) على غرفة غريبة الأطوار تختار قاطنيها بعناية، وترحب بهم بسلسلة من المفاجآت المخيفة، التي تختلف من حلقة إلى أخرى في 10 حلقات من مسلسل الرعب الجديد "الغرفة 207" الذي يُعرض على منصة "شاهد".

يستند العمل -الذي كتبه تامر إبراهيم وأخرجه محمد بكير- إلى قصص منشورة لكاتب الرعب المصري الراحل أحمد خالد توفيق، ويشارك في بطولته محمد فراج وريهام عبد الغفور وناردين فرج ومراد مكرم ويوسف عثمان ومريم الخشت.

وتتنوع الحكايات داخل الفندق؛ كل القصص تبدأ وتنتهي بالطبع في "الغرفة 207″، مع تنوع في سرد ماضي الأبطال أو ضيوف الغرفة الجدد الذين نتعرف عليهم في كل حلقة. إنها الغرفة التي تختار ضحاياها بدقة، وتلعب معهم أشنع الألعاب، لتغير حياتهم ومصائرهم المختلفة، بل يمتد تأثيرها إلى موظفي الفندق أنفسهم، وعلى رأسهم موظف الاستقبال نفسه جمال الصواف. لكن يبقى السؤال: هل نجح صانعو "الغرفة 207" في تقديم عمل رعب عربي، أم جاء مقلدا لأعمال الرعب الغربية التي يألفها المشاهد المخضرم؟

من وراء الطبيعة للغرفة 207

قبل عامين، عرضت منصة "نتفليكس" مسلسلها المصري الأصلي الأول "ما وراء الطبيعة" لمخرجه عمرو سلامة وماجد الأنصاري، في 6 حلقات فقط مقتبسة عن سلسلة الروايات الشهيرة للكاتب نفسه أحمد خالد توفيق.

الفارق الأبرز بين مسلسلي "ما وراء الطبيعة" و"الغرفة 207″ أن الأول يستند إلى سلسلة روايات شهيرة لها جمهور كبير انتظر بلهفة تحول القصص المنشورة منذ التسعينيات إلى مسلسل درامي أولته "نتفليكس" اهتماما كبيرا، لكن جمهور رواية "الغرفة 207" محدود للغاية، إذ لم يحظَ العمل الدرامي بالاهتمام ذاته من الجمهور، ولم تكن هناك توقعات مسبقة كبرى كما حدث مع "ما وراء الطبيعة".

كما يُحسب لصناع "ما وراء الطبيعة" اهتمامهم الشديد باختيار قصص تنتمي إلى أساطير عربية، مثل: "لعنة الفراعنة"، ووحش حارس الكهوف "العساس" أو النداهة (وهي من الأساطير الريفية المصرية التي يزعم الفلاحون أنها امرأة جميلة جدا وغريبة تظهر في الليالي الظلماء في الحقول، لتنادي باسم شخص معين، فيقوم مسحورا ويتبع النداء إلى أن يصل إليها، ثم يجدونه ميتا في اليوم التالي)، في حين يقدم "الغرفة 207" قصص رعب تقليدية شاهدها الجمهور في أفلام الرعب الغربية مرارا.

قصة واحدة على الأقل

كان الراحل أحمد خالد توفيق قدّم روايته بالإشارة إلى مقولة الكاتب الأميركي ستيفن كينغ "بالإضافة إلى قصص دفن الأحياء، على كل كاتب رعب أن يقدم قصة واحدة على الأقل في غرف الفنادق المسكونة، لأن غرف الفنادق أماكن مخيفة بطبعها. تخيل كم من الناس نام على الفراش قبلك". وأشار إلى قصة ستيفن كينغ "1408"، نافيا أن يكون قد قرأها قبل أن يكتب "الغرفة 207″، على الرغم من أن الروايتين تدوران عن غرفة فندق غريبة الأطوار.

هنا يعود كاتب السيناريو تامر إبراهيم إلى ملعبه الأصلي، وهو الذي عرفه القراء طبيبا يكتب أدب الرعب، بل وشارك خالد توفيق نفسه في كتابة قصص "قوس قزح" سابقا، قبل أن يشق طريقه في كتابة السيناريو للسينما والتلفزيون، فقدم فيلما لم يحقق نجاحا باسم "على جثتي" (2013) للفنان أحمد حلمي مع المخرج نفسه محمد بكير.

عن رؤية المخرج

بعد أيام من بداية تصوير "الغرفة 207" العام الماضي، وفي ظروف غير معلنة، تم استبدال مخرج المسلسل محمد بكير بتامر عشري، وربما كان ذلك هو السبب الأول في الانتقادات التي وجهها البعض للمسلسل. بكير نفسه لم يتوقع أن يتم ترشيحه لإخراج المسلسل، ويقول -في تصريحات صحفية- إنه قرأ عن بدء تصوير المسلسل، وتمنى أن يخرجه، ثم تم ترشيحه له لأن "الأوضة (الغرفة) ندهتني".

بالطبع يمكن للمشاهدين رؤية شغف صناع المسلسل في تفاصيل العمل، وهنا يبدو واضحا غياب رؤية المخرج، التي تجعل من مجموعة قصص رعب ممتعة عملا فنيا متكاملا، بداية من السيناريو وأداء الممثلين والديكور والتصوير وكل عناصر الوجبة الدرامية. ربما كانت هذه الرؤية لدى مخرج العمل الأول تامر عشري، لكن استبداله ربما كان سبب الشعور بأن ثمة شيئا ما يغيب عن العمل، مع شعور المشاهد أحيانا ببطء الإيقاع وطول زمن الحلقات التي تصل إلى الساعة.

لا شك في أن هناك اجتهادا كبيرا في اختبار أماكن التصوير والديكور الذي ينتمي إلى زمن الستينيات، وتقديم ممثلين مختلفين في كل حلقة، بالاستعانة بالممثل الفلسطيني المميز كامل الباشا في دور العم مينا، ومشاهد المؤثرات البصرية، لا سيما المشاهد الحربية في الحلقة السادسة، كما اجتهد كاتب السيناريو تامر إبراهيم في تقديم خلفيات الشخصيات ورسم علاقاتها الاجتماعية الشائكة، والربط بين خيوط لم تقدمها القصص المنشورة بطرق مبتكرة.

الدراما حلم السينما

قد يختلف أو يتفق المشاهدون على المسلسل الجديد، لكنه بالتأكيد إضافة جيدة للاستفادة من ميراث كاتب راحل له جمهور عربي واسع يُعد بالملايين. وإذا كنا لم نرَ موسما ثانيا من عمله الأشهر "ما وراء الطبيعة"، فإن بوسع منصة "شاهد" بالتأكيد استكمال إنتاج أعماله الأدبية بعد "حظك اليوم" الذي سبق تقديمه في مسلسل بعنوان "زودياك" عام 2019.

ومن المثير للحزن أن كاتب القصص أحمد خالد توفيق لم يرَ حلمه في غزو عالم السينما والتلفزيون في حياته، وهو الذي رأى السينما أرقى الفنون وأفضلها قيمة، قائلا "فكرة الكتابة للسينما تراودني دائما، بل إن قراءتي في فن السيناريو أكثر من قراءتي الأدبية، ولكنها تصطدم دوما بكثير من التعقيدات".

الأديب الدكتور أحمد خالد توفيق
من المثير للحزن أن كاتب القصص أحمد خالد توفيق لم ير حلمه في غزو عالم السينما والتلفزيون في حياته (مواقع التواصل)

وتحدث توفيق عن العثرات التي واجهتها مشروعاته الدرامية، بل إنه حلم أن يكتب مسلسلا يتناول الرعب بشكل جديد ومختلف، مضيفا أن "ما لم يتم غزو الدراما والسينما، سأعتبر نفسي لم أحقق كل ما أردته".

دراما الرعب

طوال عقود كان الرعب غائبا عن الدراما العربية، لأسباب إنتاجية تتعلق بالتكاليف أو الاعتقاد خطأ بابتعاد الجمهور العربي عن هذا النوع، حتى قدم الممثل عمرو واكد والمخرج أحمد خالد مسلسل "أبواب الخوف" عام 2011، وتناول يوميات صحفي شاب يسعى في كل حلقة إلى إجراء تحقيق صحفي لفك أسرار حادثة أو واقعة غريبة مرت عليها سنوات طويلة. وحقق المسلسل نجاحا ملموسا، ثم أولت منصة "نتفليكس" اهتماما كبيرا بالرعب في أول إنتاجها العربي، عبر المسلسل الأردني "جن"، ثم أول إنتاجها في مصر بمسلسل "ما وراء الطبيعة"؛ مما شجع منصة "شاهد" أيضا على تقديم مسلسلات رعب مختلفة، وآخرها "الغرفة 207".

لم ينتهِ عرض المسلسل الجديد بعد، لكن ما رأيناه حتى الآن يكفي للحكم عليه، إذ يمكن عدّه من أفضل أعمال الرعب الأصلية التي قدمتها "شاهد"، رغم بعض الملاحظات والانتقادات، وكلها تهدف أساسا إلى رؤية عمل مميز، قد يكون أفضل كثيرا لو حقق نجاحا كافيا ليشجع منتجيه وصانعيه على تقديم موسم ثانٍ، لأن "الغرفة 207" لم تنته بعد من ألاعيبها مع ضيوفها.

المصدر : الجزيرة