ثاني أغلى لوحة في العالم.. هل تستحق لوحة "التبادل" سعر 300 مليون دولار؟

حفظ

لوحة "التبادل" رسمها الفنان الأميركي الهولندي ويليم دي كوننغ عام 1955 (الجزيرة)

تعد لوحة "التبادل" (Interchange) المرسومة عام 1955 بريشة الفنان الأميركي الهولندي ويليم دي كوننغ (1904-1997)، ثاني أغلى لوحة في العالم.

وأثارت اللوحة التي تتبع المدرسة التعبيرية التجريدية، الكثير من الجدل أثناء وبعد بيعها، بسبب المبلغ الخيالي الذي بيعت به عام 2015، حيث اشتراها مؤسس شركة "سيتدال" (Citadel) الملياردير الأميركي كينيث غريفين بسعر بلغ 300 مليون دولار أميركي.

وتعد اللوحة حاليًا ثاني أغلى لوحة في العالم بعد لوحة "سلفاتور موندي" لليوناردو دافنشي، إذ وصفت بأنها إحدى أكبر الصفقات الفنية الخاصة في العالم، واعتبرت "رقما قياسيا في عالم الفنون الباهظة الثمن"، بحسب "سي إن إن".

"بيعت كل بوصة مربعة من هذه اللوحة مقابل مبلغ ضخم من المال" الناقدة الفنية أنيتا لويز هاميل

المذهب الأميركي الغريب

ظهر المذهب التعبيري والتجريدي في الفن التشكيلي بعد الحرب العالمية الثانية في نيويورك بالولايات المتحدة. وبالرغم من أن عددا قليلا من المعارض الفنية كانت تقدم تلك اللوحات للجمهور -إذ اعتبرت الغالبية العظمى من المعارض والمتاحف أن هذا ليس رسما- فإنه بحلول الخمسينيات من القرن الماضي، أصبحت التعبيرية التجريدية هي الاتجاه الفني السائد، لتصبح بذلك أول حركة في الفن التشكيلي ذات نشأة أميركية خالصة، على عكس ما سبقها من حركات فنية نشأت في أوروبا.

وتبنى رواد المذهب فلسفة خاصة مفادها أن الحرية هي المُلهم الحقيقي للفن، وأن سطح اللوحة يجب أن يكون مساحة حرة يعبر فيها الرسام عن مشاعره بانسيابية تامة، دون الالتزام بشكل هندسي ثلاثي الأبعاد أو منظور محدد مألوف للعين.

وعليه، كان التركيز الفني على الخصائص الفيزيائية للألوان والطلاء المستخدم في الرسم، هو الوسيلة الحقيقية للتعبير عن الإحساس والديناميكية والعنف والغموض الذي يكتنف معظم اللوحات التي تتبع ذاك المذهب.

إعلان

وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن قائمة أغلى اللوحات في العالم تضمّ لوحات تجريدية أخرى لرسامين أميركيين أيضًا، على رأسهم جاكسون بولوك الذي يعدّ رائدًا في هذا المذهب، حتى أن لوحته المعروفة باسم "رقم 17 إيه" (Number 17A) تأتي في المركز الثالث في القائمة، بعد لوحتي سلفاتور موندي والتبادل، بسعر 200 مليون دولار أميركي.

الحرب الباردة الثقافية

واتبع دي كوننغ وبولوك وغيرهم من التجريديين نهجا تحرريا كان له دوافع ثقافية سياسية في المقام الأول، على حد ما أتى في كتاب "من دفع للزمار" (Who Paid the Piper) الصادر عام 1993، للكاتبة البريطانية فرانسيز سوندرز، والذي تشرح فيه بشكل موثّق حيل الاستخبارات الأميركية (CIA) في الحرب الباردة للسيطرة على الثقافة. وكيف أن الوكالة استخدمت في ذلك تمويلا ضخما لمُفكّرين وفلاسفة ورسّامين كان بعضهم لا يعلم أنّه مُموّل من وكالة الاستخبارات أصلا.

وارتكزت الوكالة في حربها على سياسة "داوني بالتي كانت هي الداء"، على حد تعبير سوندرز. فقد حاربت الولايات المتحدة في خضم الحرب الباردة المشتعلة مع الاتحاد السوفياتي، الفنّ التصويري الواقعي (الذي كان ذا صبغة اشتراكية) بالفنّ التجريدي (الليبرالي التحرري). وقد موّلت الوكالة في سبيل ذلك معارض عالمية وحملات دعائية تُنظّر لفلسفة التجريدية التعبيرية بوصفها المعبرة عن روح الحرية.

وكذلك رفعت الوكالة من شأن رسّامين بعينهم وعلى رأسهم رواد المدرستين التجريديّة والتعبيرية، في مواجهة اللوحات الواقعية الاشتراكية خاصة أن الواقعية في تلك الفترة كانت مهتمة بإظهار مُعاناة الفقراء والعمال والفلاحين.

واليوم لا يكاد يكون لعدد ضخم من رسّامي الواقعية الاشتراكيّة أدنى ذكر رغم مواهبهم الفذة، وبالطبع لا يوجد لهم أثر في قوائم أغلى اللوحات في العالم.

وترى سوندرز أن التنظير للنسبية في الفكر والفلسفة كما الحرية التامة في التعبير والتشكيل، كان الهدف منه استحالة الوقوف على علامة معرفيّة، أي "التحرر التام" من كل مراجع أو أسس معرفية.

نموذج للوحات الاشتراكية التي تجسّد معاناة الفقراء والعمال (مواقع التواصل)

الحرية الجامحة

من جانبها، ترى الناقدة الفنية أنيتا لويز هاميل -على عكس سوندرز- أن التعبيرية التجريدية "الجامحة والكاسرة" كانت مقدمة للعديد من الأحداث والتغيرات الثقافية في الولايات المتحدة، إذ "كانت مثل مهرجان فني مليء بالمخدرات"، على حد تعبيرها. وبالفعل، خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، بدأت النساء في الخروج من المنزل للعمل، وكانت هناك مظاهرات حاشدة في الشوارع حول الحقوق المدنية وحرب فيتنام.

"أوضح لنا فنانو التعبيرية التجريدية أن الفن والعالم سيتغيران من الآن وإلى الأبد"، هاميل

وهذا التغيير أثر على ثقافة المدن الكبرى كما الضواحي والمقاطعات والبلدات الأصغر، وكان تغييرا دراماتيكيا، وانتقل من أميركا إلى جميع أنحاء أوروبا.

وغيّر الفنانون التعبيريون التجريديون كيفية عرض الفن وكيفية إنتاجه، مما غيّر الثقافة العالمية إلى الأبد في الخمسينيات من القرن الماضي، وخاصة في الستينيات.

إعلان
المصدر: الجزيرة

إعلان