في مسلسل "الفراشات السوداء".. لماذا يقتل الكاتب بطل روايته؟

قدم صناع العمل حالة لونية مدهشة طوال العمل، وحرصوا بشدة على الإمتاع البصري من خلال مشاهد عامة للمناطق التي تنقّل إليها الأبطال في رحلات القتل، وكانت تتم في الصيف، ومن شاطئ إلى منشأة سياحية إلى غرفة في فندق جاء فعل القتل القبيح محاطا بتفاصيل لونية دافئة

جرانبيرجر يشير ببسلاحه المفضل(سي ان سي)
غرانبيرغر يشير بسلاحه المفضل (الصحافة الفرنسية)

إذا كانت الفنون البصرية الأميركية -سواء كانت أفلاما أو مسلسلات- تتميز بالحرفية والإتقان والطموح الدائم نحو الإبداع شريطة عدم الخروج عما يحبه الجمهور فإن المخيلة الفرنسية تحظى بكل السمات السابقة باستثناء أنها أكثر ميلا إلى المغامرة بالسير قدما ودون تردد نحو الجديد تماما وغير المطروق سابقا مهما كانت قسوته أو غرائبيته.

ولعل المثال الأبرز على ذلك هو مسلسل "الفراشات السوداء" (Les papillons noirs) للمبدعين "أوليفييه أبو" و"برونو ميرل"، والذي يعرض على شبكة نتفليكس في 6 حلقات مدة كل منها 50 دقيقة، ورغم العدد القليل نسبيا من الحلقات فإنه من الصعب الإشارة إلى الإحساس بأنه عمل قصير زمنيا، ذلك أن كثافة الأحداث وثقلها وقدرتها على التأثير في الحالة النفسية للمشاهد جعلت أثر المسلسل أطول من زمنه بكثير.

اختار مبدعو العمل اسم "الفراشات السوداء" باعتباره مجازا يلخص قدر البطل والذي صادف بالفعل -في مشهد بديع- سربا من الفراشات السوداء، فيما كان يقود سيارته نحو منزل رجل عجوز يحكي ذكريات حب دموي.

تعد الفراشة السوداء في الثقافة الغربية رمزا للطاقة القوية التي تغير الحياة وترمز أيضا إلى الولادة الجديدة، وفي أحيان هي علامة موت.

اعترافات قاتل عجوز

3 خطوط درامية تسير متوازية تتقاطع قليلا في البدايات، لكنها تلتئم بشكل نهائي في الحلقة الأخيرة، ليكشف المسلسل عن أوراقه كاملة بعد بانوراما لونية مدهشة، وأداء بديع وميلودراما يصعب احتمالها، وسلسلة من جرائم القتل الوحشي يصعب التأكد من فاعلها رغم أن كل جريمة عرضت بكامل تفاصيلها أكثر من مرة في سياق العمل نفسه.

مودي يستمع إلى اعترافات قاتل لم يكن أنه والده(بروجرامز تي في)
مودي يستمع إلى اعترافات قاتل لم يكن يدري أنه والده (الصحافة الفرنسية)

يرصد الخط الدرامي الأول حياة كاتب روائي يكتب باسم مستعار هو مودي، لكن اسمه الحقيقي هو أدريان وينكلر (يجسد دوره الممثل نيكولا دو فوتشيل)، ويعاني من جفاف إبداعي، ويفقد الثقة في موهبته، وتتشكل لديه قناعة بأن ذلك النجاح الذي حققه في السابق كان مصادفة، خاصة أن ماضيه السابق على الكتابة يحفل بالكثير من العنف وإدمان الكحول والسجن، لكل هذه الأسباب يقبل عرضا من عجوز وحيد يدعى ألبرت ديسيديريو (يجسد دوره الممثل نيلز أريستروب) لكتابة مذكراته في شكل روائي.

يعقد الكاتب والعجوز جلسات يسجل خلالها الرجل على جهاز تسجيل صغير مذكراته طبقا للترتيب الزمني لحدوثها، ويكتشف "مودي" أن ما يحكيه العجوز ليس قصة حب كما زعم له، وإنما قصة بشعة لقاتل متسلسل وشريكته، يحاول الكاتب أن ينهي الأمر ويتخذ قرارا بعدم الاستمرار في الاستماع إلى العجوز وإلغاء المشروع، لكنه يعود إليه ليستكمل القصة.

الخط الروائي الثاني يتعلق بما يحكيه العجوز عن طفلين يعيشان في ظل حرب عالمية طاحنة، تخوض الطفلة حربها للنجاة بالهروب من المتنمرين نظرا لواقع والدتها ومهنتها في تجارة الجسد، والتي حلق شعرها بالكامل وبشكل علني كما يحدث لصاحبات هذه المهنة في ذلك الوقت.

ينقذ الطفل "ألبرت" الطفلة "سولانج" من تنمر زملائهما، وتنمو بينهما علاقة تمتد عبر الحكاية، وبينما يقضيان وقتا على أحد الشواطئ تتعرض سولانج للتحرش، يرتكب الثنائي (ألبرت وسولانج) أول جريمتي قتل، لتستمر الجرائم التي تتحول إلى جزء من حياتهما.

الخط الدرامي الثالث يتعلق بمحقق الشرطة "كاريل" (يجسد دوره الممثل سامي بوعجيلة)، والذي يبحث بإلحاح غريب وراء سلسلة من جرائم القتل الغامضة، والتي كان من ضمن ضحاياها والده، وحين يكتشف القاتل يصبح هو آخر الضحايا.

أداء مختلف

طبقا لمنهج المخرج إيليا كازان مؤسس "أستوديو الممثل" في نيويورك، فإن فن التمثيل ينقسم إلى 3 مستويات، أبسطها المحاكاة أو تقليد الشخصية المراد تجسيدها، وهناك الممثل المتأمل، والثالث الممثل الفيلسوف، وفي "الفراشات السوداء" قدم فريق الممثلين والممثلات كل هذه الأنواع، لكن الممثل نيكولا دوفوتشيل -الذي جسد دور الكاتب مودي- قدم نموذجا حقيقيا للممثل المتأمل الذي يطلق تلك الطاقة الكامنة من خلال عينيه قبل أن ينطق، فيلقي بالحالة النفسية إلى وجدان المشاهد، سواء كانت حزنا أو فرحا أو ندما.

نجح دوفوتشيل في السطو على حالة المسلسل وتصدير صراع الهوية بين ماض شخصي إجرامي يشمل والدين من القتلة، ومستقبل لكاتب موهوب ولامع، لكنه لا يعرف شيئا عن نفسه، بما في ذلك اسمه الحقيقي.

ألبيرت وسولانج في رحلة القتل( لو ديفوار)
ألبرت وسولانج في رحلة القتل (الصحافة الفرنسية)

"سولانج" الشابة أو الممثلة إليزيه كوستيس قدمت أداء معياريا، لكنه جاء خاليا من الروح، خاصة في الرواية البديلة التي اعتبرتها القاتلة الأصلية للضحايا، واعتبرت أن اعترافات العجوز ألبرت ما هي إلا تضحية جديدة من الرجل الذي وهبها حياته منذ لحظة لقائهما في الطفولة.

جسد الممثل أكسل غرانبيرغر -الذي قدم دور ألبرت ديسيديريو شابا- حالة شباب السبعينيات والثمانينيات وارتدى موديل "الشارلستون" مع إطالة الشعر بشكل لافت وتفاعل مع دور المحب الغيور والقاتل المهووس بشكل مرعب يشي بقدرة مدهشة وفهم عميق للأبعاد النفسية للشخصية في نسختها القاتلة.

الممثلة هيني رينتس -التي جسدت شخصية ناستيا شقيقة "سولانج"، والتي تعمل فنانة وشم- قدمت اليأس والبوهيمية في صورهما النمطية، كما عبرت عن فوضاها النفسية كابنة لأب قتيل ما زالت ذكرى مشاهد طعنة عالقة بذاكرتها رغم كونها طفلة تبلغ 5 أعوام فقط في ذلك الحين، تلك الفوضى التي شكلها مشهد القتل والتي لم تكن إلا محاولة لإغلاق جرح لم يندمل.

مونتاج وألوان ساخنة

لعب مونتاج المسلسل دور البطولة المطلقة، بل لعله أبرز ما في العمل، فرغم التعقيد الشديد بين العبور إلى المستقبل والعودة إلى الماضي في مشاهد متتابعة عبر 3 خطوط درامية تتقاطع بالتدريج فإن ذلك التنقل بين الأزمنة جاء واضحا وسلسا وشارحا تفاصيل القصة بذكاء مثير للإعجاب.

احتفظ المخرج بمفاجآت عدة، بينها كون الكاتب نفسه هو ابن القاتل المتسلسل سابقا والراوي العجوز حاليا ومن ثم كشفها بإشارة صغيرة، ثم فجرها بين الأب وابنه، وتحت وقع المفاجأة ولعله أيضا تحت تأثير جينات القتل قتل الابن أباه.

المحقق كاريل أو الممثل سامي أبو عجيلة بخطه الدرامي المستقل تم تقديمه في البداية وفي مشاهده المتتابعة -سواء في عمله أو في حياته الشخصية- كشخصية غريبة داخل السياق الدرامي ولم تظهر علاقته بالعمل إلا حين ظهرت صورة ألبرت ديسيديريو بين أوراق القضية، ومن ثم تكشفت ملامح تلك الميلودراما التي قتل خلالها الثنائي القاتل والد المحقق فيما كان طفلا رضيعا ثم سلماه إلى دار أيتام.

ذلك التلاعب هو ما يضفي على العمل إثارة خاصة، ويعود الفضل فيه إلى ذلك التتابع المدهش عبر مونتاج ذكي ومتقن.

سولانج العجوز لم تتوقف عن القتل أبدا(بروجرام تي في)
سولانج العجوز لم تتوقف عن القتل أبدا (الصحافة الفرنسية)

صنع مبدعا العمل حالة لونية مدهشة طوال العمل، وحرصا بشدة على الإمتاع البصري من خلال مشاهد عامة للمناطق التي تنقّل إليها الأبطال في رحلات القتل، وكانت تتم في الصيف، ومن شاطئ إلى منشأة سياحية إلى غرفة في فندق جاء فعل القتل القبيح محاطا بتفاصيل لونية دافئة.

بالغ مبدع العمل في التلاعب بالألوان حين قرر أدريان وينكلير أن يهجر منزله ويقيم في مكان بعيد لمواصلة كتابة رواية "ألبرت وسولانج"، وبينما يقيم بعيدا حصل على جهاز التسجيل وقد سجلت عليه الحقيقة المرة، إذ قال العجوز القاتل إنه الأب، وسمع أدريان فغرق في بانوراما لونية في شكل هندسي خماسي الأضلاع وأخذت الألوان أشكالا هندسية أصغر، لكنها متداخلة ومتحركة في الوقت ذاته، بينها وبين الأسود كتعبير عن الظلام التام وإخفاء الحقائق، ثم ظهرت درجات الأحمر والأصفر، ثم اللون البنفسجي الذي ساد تقريبا كل مشاهد العمل باعتباره لون الحزن ولون ورد البنفسج الذي تزدان به جلسات العزاء بعد الموت.

المصدر : الجزيرة