مسلسل "سيد الخواتم: حلقات القوة".. نجاح نقدي وإخفاق جماهيري

رغم التقييمات النقدية العالية للمسلسل فإن الكثير من الأصوات كانت مضادة له، وعارضت الإيقاع البطيء للأحداث، ومحاولة مطها وزيادة الشخصيات لجعل القصة البسيطة تمتد إلى أكبر عدد ممكن من الحلقات

مسلسل "حلقات القوة.." فقدَ حيويته بسبب تجاهل تاريخ الشخصيات (آي إم دي بي)

بدأت منصة "برايم فيديو" (Prime Video) التابعة لـ"أمازون" في عرض مسلسل الفانتازيا "سيد الخواتم: حلقات القوة" (The Lord of the Rings: The Rings of Power) في 1 سبتمبر/أيلول الماضي، ليصبح أهم وأشهر أعمال المنصة منذ إطلاقها وأكثرها مشاهدة بواقع 25 مليون مشاهدة لأول حلقتين فقط خلال 24 ساعة من طرحهما.

تقييم المسلسل على موقع "روتن توماتوز/ الطماطم الفاسدة" (Rotten Tomatoes) بلغ 84%. والغريب أنه أثار إعجاب النقاد لكنه أشعر المشاهدين بالملل على ما يبدو، فقد حصل على معدل 34% فقط من الجمهور.

يمتد الموسم الأول من "سيد الخواتم: حلقات القوة" لـ8 حلقات، وبدأ بالفعل تصوير الموسم الثاني في بريطانيا، بعدما صور الموسم الأول في نيوزيلندا، كما كان حال الأفلام الأصلية.

عالم مشتق من روائع تولكين

أبدع الكاتب جي آر آر تولكين في بناء عالمه الفانتازي الذي سماه "ملك الخواتم" (The Lord of the Rings) عبر 3 روايات ضخمة نشرها في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، وأصبحت هذه الروايات وما تبعها من أعمال ملحمة أسطورية، وجزءا مهما من خيال الملايين، خاصة بعدما تحولت إلى ثلاثية من الأفلام الأيقونية بالاسم ذاته في بداية الألفية الثالثة.

ولأن "أمازون" لا تملك حقوق الروايات، فقد ابتكرت قصة تدور أحداثها في عالم "الأرض الوسطى" الذي أسسه تولكين وفي زمن سابق لأحداث رواياته، يستعرض قصص بعض الشخصيات التي ظهرت في الأعمال اللاحقة، وصراعا بين الخير والشر كالمعتاد، في شكل ملحمي عملاق يعتبر من أفضل الإنتاجات التلفزيونية من الناحية البصرية على الأقل.

يستند مسلسل "سيد الخواتم: حلقات القوة" على فكرة أن الزمن يتحرك في شكل دورات تاريخية، وبالتالي هو يحكي قصة تقع في فترة زمنية مختلفة تمامًا لكنها تحمل أصداء القصة التي يعرفها محبو الروايات والأفلام.

استغل المنتجون الحلقات الأولى لتعريف المشاهدين على شخصيات المسلسل الجديدة والقديمة في زمن مختلف، واستعراض جغرافيا العمل الواسعة. ومنذ الحلقة الرابعة، بدأت الحركة تجاه المعركة التي ستحدد مصير الأرض الوسطى في هذا الزمن، فقد مرت أجيال منذ ظهور ملك الظلام "سورون" بينما الجيوش التي تقودها الجنية "غالادريل" ظلت تتبعه هو وجحافله، ولكن تكلفة الأرواح كانت مرتفعة، ومرت سنوات منذ شوهد أي شخص يعود إلى هذه الجماعة الشريرة، وغالادريل ما زالت مقتنعة أن هناك شرا قابعا تحت السطح، وبعد محاولة نفيها، تخوض رحلة تتبع فيها حدسها السليم.

أين سحر تولكين؟

من شاهد أفلام "ملك الخواتم" و"الهوبيت"، ثم حاول قراءة الروايات المبنية عليها يصطدم بكَم التفاصيل التي يحملها العمل الأدبي، فتولكين لم يبتدع فقط سلالات مختلفة من الكائنات الطيبة والشريرة، بل اصطنع لغات خاصة لها، وصراعات قديمة مرت عليها قرون ولكن ذات تأثير على الحاضر، فحتى النباتات في قصصه لها تاريخ وشخصية مضفرة بعناية في نسيج الحكاية الأصلية التي دومًا ما تدور حول رحلة تحتاج إلى تحالف الأنواع المختلفة من أجل الوصول لهدف طيب ما.

ولكن الأفلام استطاعت اختزال الكثير من التفاصيل غير الضرورية وحتى تلخيص قصص تاريخ الشخصيات، بما لا يخل مع بنائها، ولكن في الوقت ذاته لا تشعر المشاهد بالملل، أو تخرجه عن خط القصة الرئيسية.

ما حدث مع المسلسل هو العكس تمامًا، فدون الأصل الأدبي افتقد العمل إلى العمود الفقري للقصة، أو الرحلة التي يجب أن يقوم بها الأبطال، فهي في النهاية مجرد حرب بين خير وشر، يمكن تلخيصها في فيلم مدته ساعتان، أو 3 أفلام كما في الثلاثية، لكن هنا يجب مدها إلى 16 حلقة، فاحتشد العمل بالتفاصيل غير الضرورية، ومحاولة تأصيل للعلاقات بين الكائنات المختلفة، التي كانت لا تستغرق في الأفلام سوى 10 دقائق والمشاهد المعجب بالسلسلة بالتأكيد يعرفها بالفعل.

غياب الرؤية الإبداعية

وخلال محاولة صناع "سيد الخواتم: حلقات القوة" استخدام إحدى الشخصيات القديمة والمهمة وهي غالادريل أفقد صناع العمل الشخصية تاريخها وأهم سماتها، ففي روايات تولكين غالادريل هي الجنية التي التي تترك منطقة أهلها التي تشبه الجنة حتى تتجول في الأراضي الوسطى وتستخدم قوتها في إحلال السلام، وفي الأفلام قدمت الدور الممثلة الموهوبة "كيت بلانشيت"، في المسلسل تحولت إلى مقاتلة لا يشق لها غبار، لا تمتلك حكمة أو سلاما نفسيا، وتحركها رغبتها في الانتقام.

هذا التغيير الكبير في بناء الشخصية جعل الاستفادة المرجوة منها معدومة، فمن المفترض أن تقدم إحساسًا بالأصالة والاستمرارية وصلة وصل بين الأفلام والمسلسل، ولكن في النهاية جاءت لتبرز أن هذين الكيانين مختلفان تمامًا.

من المؤكد أن المسلسل افتقد إلى حد بعيد رؤية المخرج بيتر جاكسون الإبداعية، التي كانت الأساس في عملية تحويل الروايات إلى الستة أفلام السابقة، وكشف المخرج الحائز على جائزة أوسكار أن الأستوديو طلب منه المشاركة في المسلسل ذي الميزانية الضخمة ووعدوا بإرسال السيناريو إليه ثم لم يتصلوا به مرة أخرى أبدًا .

طبقًا لتصريحات جاكسون لموقع "ذا هوليود ريبورتر" (The Hollywood Reporter’)، لقد "سألوني عما إذا كنت أرغب في المشاركة -أنا و[الكاتب والمنتج فران والش]- وقلت إن هذا سؤال مستحيل الإجابة عنه دون رؤية نص. لذلك قالوا: بمجرد أن نحصل على نص الحلقتين الأوليين، سنرسلهما إليك. ولم تظهر هذه النصوص مطلقًا. هذا آخر شيء سمعته، ولا بأس".

على الرغم من التقييمات النقدية العالية لـ"سيد الخواتم: حلقات القوة"، فإن الكثير من الأصوات كانت مضادة له، وعارضت الإيقاع البطيء للأحداث، ومحاولة مطها وزيادة الشخصيات لجعل القصة البسيطة تمتد إلى أكبر عدد ممكن من الحلقات، الأمر الذي جعل الكثير من علامات الاستفهام حول قدرة المسلسل للحفاظ على معدلات التقييم وعدد المشاهدات.

المصدر : الجزيرة + وكالات