المرأة في روايات إحسان عبد القدوس.. ضحية في الرواية ومدانة في السينما

شكلت قصص عبد القدوس جنبا إلى جنب مع روايات نجيب محفوظ ويوسف إدريس نبعا جارفا لصنّاع الأفلام من أجل إثراء السينما المصرية.

فاتن حمامة من فيلم "إمبراطورية ميم" (مواقع التواصل الاجتماعي)

القاهرة- "هما السبب في أني أكذب.. لو أدوني (أعطوني) حريتي وخلوني أخرج وأسهر زي ما يعجبني (كما أحب) مكنتش (لم أكن) خفت منهم وكذبت عليهم.. ويمكن مكنتش هربت من المدرسة كمان".

صدرت رواية "أنا حرة" عام 1954 للكاتب إحسان عبد القدوس وحققت نجاحا كبيرا، واعتبرها النقاد التطبيق العملي لأفكار قاسم أمين عن حرية المرأة، لتتحول إلى فيلم سينمائي عام 1959، من بطولة لبنى عبد العزيز وشكري سرحان وحسين رياض وزوزو نبيل، ليشكل الفيلم واحدا من أبرز ملامح عالم إحسان عبد القدوس وحكاياته عن الحرية وتحدي التقاليد الراسخة والتحولات في المجتمع المصري عقب ثورة يوليو/تموز 1952 في مصر.

في "أنا حرة" تناول إحسان عبد القدوس قضية تمرد المرأة على المجتمع، ومواجهة البطلة القمع الذي يمارسه أهلها عليها، حيث تقطن في حي العباسية، مع عمتها وزوج عمتها، فترفض الخضوع لسيطرتهما وترفض عروض الزواج، فتتمرد البطلة على سطوة الأهل، وتنطلق في حياتها.

ولد عبد القدوس في مثل هذا اليوم في الأول من يناير/كانون الثاني 1919، أمه هي السيدة فاطمة اليوسف مؤسسة مجلة روز اليوسف، وكان والده ممثلا.

ترأس إحسان رئاسة تحرير روز اليوسف في سن 26 عاما، وانطلق قلمه يقدم عشرات القصص والروايات، حتى وصل مجموع ما كتبه إلى 600 عمل، اقتبست منها السينما والتلفزيون كثيرا من روائعها.

إحسان عبد القدوس
الكاتب والروائي الراحل إحسان عبد القدوس (مواقع التواصل الاجتماعي)

من الأدب إلى السينما

شكلت قصصه ورواياته مادة خصبة لصناع السينما والتلفزيون لتقديم أعماله، ليصبح واحدا من أكثر الأدباء الذين تحولت قصصهم لأعمال سينمائية، فهو صاحب "لم يكن أبدا لها صانع الحب"، و"بائع الحب"، و"النظارة السوداء و"أين عمري"، و"الوسادة الخالية"، و"الطريق المسدود"، و"لا أنام"، و"في بيتنا رجل"، و"شيء في صدري"، و"البنات والصيف"، و"لا تطفئ الشمس"، و"ثقوب في الثوب الأسود"، و"بئر الحرمان"، و"النساء لهن أسنان بيضاء"، و"الهزيمة كان اسمها فاطمة"، و"حتى لا يطير الدخان"، و"الراقصة والسياسي" وغيرها.

تميزت أعماله بالجرأة الشديدة، حيث تناول العلاقات العاطفية والزوجية في قصصه، مخترقا الخطوط الحمراء مما جعله يواجه كثيرا من الانتقادات، وأجبرت صناع أفلامه على تغيير بعض الحبكات والنهايات لقصصه.

إحسان عبد القدوس رواية أنا حرة مواقع التواصل الاجتماعي
رواية أنا حرة للكاتب الراحل إحسان عبد القدوس (مواقع التواصل الاجتماعي)

نماذج مختلفة للمرأة

في عام 1957 قدم المخرج صلاح أبو سيف فيلم "الوسادة الخالية" عن قصة لإحسان، من بطولة عبد الحليم حافظ ولبنى عبد العزيز، ثم عاد بعد عامين ليقدم "أنا حرة"، حيث تلعب لبنى عبد العزيز دور الفتاة أمينة التي تتمرد على تربيتها وتقاليد المجتمع، ليتسابق كبار مخرجي السينما المصرية على تقديم قصص إحسان للجمهور.

دخل المخرج هنري بركات عالم إحسان، وقدم لنا رائعتيه "في بيتنا رجل" (1961) و"الخيط الرفيع" (1971). في الفيلم الأول نرى قصة حب بريئة تربط المناضل الشاب إبراهيم حمدي (عمر الشريف) بشقيقة صديقه نوال (زبيدة ثروت)، حيث يجمعهم بيت مصري أصيل يختفي فيه إبراهيم عن أنظار البوليس، وفي الفيلم الثاني نتتبع منى (فاتن حمامة) الفتاة الفقيرة التي تتخذ عشيقا ثريا كبيرا في السن تحت ضغوط الحياة.

 أفلام مثيرة للجدل

كانت أفلامه مثيرة للجدل كقصصه، تدخلت الرقابة لحسم مصير البطلة مريم فخر الدين في فيلم "البنات والصيف" (1960) من إخراج صلاح أبو سيف، لينتهي الفيلم بانتحارها عقابا لها على خيانة زوجها عكس مجريات القصة الأصلية.

في "إمبراطورية ميم" (1972) يقدم لنا المخرج حسين كمال -عن قصة لإحسان- نموذجا للأم المثابرة في تعاملها مع أبنائها وسبل التربية الحديثة، حيث تقدم الفنانة فاتن حمامة دور السيدة منى، التي تتحمل مسؤولية أبنائها الستة بجانب عملها في وزارة التربية والتعليم بعد رحيل زوجها، وتقع في حب رجل الأعمال أحمد رأفت (أحمد مظهر)، فهل يمكن أن تتزوج من جديد وتحافظ على أداء واجباتها تجاه أسرتها الكبيرة في نفس الوقت؟

نرى في فيلم "دمي ودموعي وابتسامتي" (1973) للمخرج حسين كمال دراما اجتماعية عن الفتاة ناهد (نجلاء فتحي) التي تتورط في علاقة آثمة مع رجل أعمال، بموافقة زوجها الرسمي مضحية بالشاب الذي أحبته.

إحسان عبد القدوس فيلم دمي ودموعي وابتسامي مواقع التواصل الاجتماعي
الملصق الإعلاني لفيلم "دمي ودموعي وابتسامتي" عن رواية للراحل إحسان عبد القدوس (مواقع التواصل الاجتماعي)

وقدم كمال قصة "العذراء والشعر الأبيض" في فيلم بنفس العنوان عام 1983، ليحكي قصة دولت (نبيلة عبيد) التي تتزوج من مدحت (محمود عبد العزيز)، وتساعده ليصبح من كبار رجال الأعمال، و نظرا لعجزها عن الإنجاب يقرران تبني طفلة اسمها بثينة (شريهان)، التي تتحرك مشاعرها تجاه مدحت في مراهقتها، وكعادة كمال اضطر لإحداث بعض التغييرات على القصة التي كتبها عبد القدوس حتى تكون صالحة للسينما، ويتقبلها المشاهد وتمررها الرقابة.

الراقصة والسياسي

في "الراقصة والسياسي" (1990) حول وحيد حامد قصة قصيرة كتبها إحسان تدور أغلبها على هيئة حوار بين راقصة وسياسي إلى فيلم سينمائي مثير أخرجه سمير سيف، يتناول الظلم في استعمال السلطة، حيث تقرر الراقصة سونيا سليم (نبيلة عبيد) فتح دار لرعاية الأيتام، لكنها تصطدم بالسلطة التي ترفض طلبها.

بنات عبد الغفور البرعي

عاد اسم عبد القدوس في منتصف التسعينات -بعد وفاته في 12 يناير/كانون الثاني 1990- في المسلسل التلفزيوني شديد النجاح "لن أعيش في جلباب أبي"، إخراج أحمد توفيق، سيناريو وحوار مصطفى محرم، عن قصة صعود عبد الغفور البرعي (نور الشريف)، وقصة الحب التي تربطه ببائعة الكشري فاطمة (عبلة كامل)، ليصطدم الأب بطموحات ابنه عبد الوهاب، واستعرض المسلسل شخصيات بناته الأربعة "سنية، وبهيرة، ونفيسة، ونظيرة".

غاب عبد القدوس عن السينما والتلفزيون طويلا، حتى عاد في رمضان 2017 في مسلسل "لا تطفئ الشمس" للمخرج محمد شاكر خضير، ليحقق نجاحا كبيرا كعادته، في معالجة عصرية للقصة والفيلم الذي تم تقديمه عام 1961.

 

الكتابة المباشرة للسينما

ابتعد إحسان عن الكتابة المباشرة للسينما طوال حياته، ما عدا مرة واحدة عقب زواجه ومروره بأزمة مادية كبيرة، فعمل محاميا وقاصا وصحفيا، وكتب 3 سيناريوهات للسينما في يوم واحد، وقرر أن يقابل الموسيقار محمد عبد الوهاب ليبيعها له، لكنه قابل عزيزة أمين، وقرأ لها السيناريوهات، فدفعت له 240 جنيها، وفقا لجريدة الأهرام.

رد الاعتبار للسينما

شكلت قصص عبد القدوس جنبا إلى جنب مع روايات نجيب محفوظ ويوسف إدريس نبعا جارفا لصناع الأفلام لإثراء السينما المصرية بأهم التحف السينمائية.

كتب الشاعر صلاح عبد الصبور عام 1957 أن أفلاما مثل "لا أنام" و"الوسادة الخالية" و"رد قلبي" ردت الاعتبار إلى السينما المصرية لأنها مأخوذة عن روايات أدبية ولكن مفهومه للسينما بصفة عامة يظل من خلال منظور أدبي يجعل منها وسيلة للتعبير عن الأدب، وليست لغة جديدة مستقلة للتعبير الدرامي.

ووفق سامح فتحي صاحب كتاب "إحسان عبدالقدوس بين الأدب والسينما"؛ فإن أول أفلامه مأخوذة من روايات إحسان كان "أين عمري" (1956)، وآخرها "الراقصة والسياسي" (1990).

ويرى فتحي أن حسين كمال هو المخرج الأكثر تغييرا لنصوص إحسان عند تقديمها للسينما، بينما كان صلاح أبو سيف الأكثر التزاما بالقصة الأدبية، مع تعديل بعض النهايات كما في "لا أنام" و"أنا حرة.

المصدر : مواقع إلكترونية