في يوم الترجمة.. تعرّف على أنيس عبيد رائد ترجمة السينما في الشرق الأوسط

على مدى 40 عاما انفردت معامل "أنيس عبيد" بترجمة الأفلام الأميركية والهندية والأوروبية في مصر.

كان أول فيلم أجنبي روائي ترجمه "أنيس عبيد" هو "روميو وجولييت" في عام 1944 (مواقع التواصل الاجتماعي)

عبر تاريخ الحضارة الحديث، لعبت الترجمة دورا رئيسا في نقل مظاهر الحضارة والمعرفة، ما بين الثقافات المختلفة، وبها انتقلت الفلسفة اليونانية إلى العرب، وعن طريقها انتقلت العلوم الطبيعية والحيوية من العرب إلى أوروبا.

ولا تزال الترجمة أقصر الطرق لنقل المعارف والخبرات وحتى الترفيه بين الثقافات المتنوعة، فبإمكان مواطن عربي أن يشاهد فيلما كوريا دون صعوبات، وبإمكان شخص من جنوب شرق آسيا أن يشاهد فيلما من شمال أوروبا دون أن تنقص متعته بسبب اختلاف اللغات والثقافات.

وبمناسبة اليوم العالمي للترجمة نصحبكم في رحلة قصيرة حول مراحل ترجمة الأفلام إلى العربية.

شاشتان للأحداث ولوصفها

ظهرت فكرة ترجمة الأفلام الأجنبية عام 1912 على يد "ليوبولد فيوريللو" الإيطالي المقيم في مصر، وكانت الترجمة تُكتب على ألواح زجاجية يعرضها الفانوس السحري (البروجكتور) على شاشة صغيرة بجوار الشاشة الأصلية التي يعرض عليها الفيلم. بيد أن هذه الطريقة لم تكن عمليّة بشكل كاف، إذ لم تكن تترجم حوار الفيلم كاملا، بل كانت عبارات قليلة تصف ما يحدث في هذا الجزء من الفيلم، ولم تنتشر هذه الطريقة كثيرا نظرا لتكلفتها وصعوبة متابعة الأحداث وترجمتها على شاشتين منفصلتين.

لذلك، في الأغلب اقتصرت مشاهدة الأفلام الأجنبية على العالِمين بلغتها من المقيمين في مصر، إما من الأجانب المقيمين أو بعض المثقفين من المصريين.

أنيس عبيد.. رائد الترجمة

بعدما تخرج الشاب أنيس عبيد في مدرسة الهندسة عام 1932، سافر إلى باريس للحصول على درجة الماجستير في الهندسة، وهناك تغير مسار حياته. ففي مقر الجامعة -حيث كان يدرس- شاهد مصادفة إعلانا عن فتح باب التقدم لدورة تدريبية حول كيفية دمج الكتابة على شريط السينما.

وكانت الدورة بهدف دعم الأفلام العلمية لكتابة التعليقات والمصطلحات العلمية على الشاشة لتوضيح الصورة وشرحها للجمهور، وقد قرر أنيس الالتحاق بالدورة. وفي أثناء دراسته تذكر كيف كانت متعته بالمشاهدة تفسد بسبب اضطراره للعب دور المترجم لحوارات وأحداث الأفلام التي يشاهدها مع أصدقائه في مصر قبل السفر، فأضاءت في ذهنه فكرة أن يتوسع باستخدام التقنية الجديدة لاستخدامها في الأفلام السينمائية للمصريين.

كان أنيس واسع الثقافة ومحبا للسينما الأجنبية، وكان شابا من أسرة ثرية في الـ24 من عمره حين عرف عن حضور طاقم فيلم "الوردة البيضاء" إلى باريس لإعداد ومونتاج الفيلم ودمج الصوت بالصورة، فسعى لمقابلتهم، ومصادفة شارك بصوته في الفيلم بقول جملة واحدة.

واحتفظ بعلاقة طيبة مع مجتمع صناعة السينما، ومنهم محمد كريم مخرج أول فيلم مصري ناطق. وقد ساعدته هذه العلاقة -بعد عودته من باريس- لدخول الوسط السينمائي من باب المونتاج السينمائي، حيث عمل كمونتير لفيلمي "كله إلا كده" و"الغندورة" عام 1934، ثم توقّف بعدهما نهائيا عن ممارسة المونتاج لصالح التركيز على مشروعه الأول وهو ترجمة الأفلام وطباعة الترجمة على شريط السينما.

وعلى مدار 5 سنوات، خاض عبيد تجربة ترجمة الأفلام الأجنبية إلى العربية في محاولة لإقناع أصحاب دور العرض بإتاحة الترجمة والاستفادة من خدماته وخبراته، وترجم مجموعة أفلام قصيرة بتقنيته الجديدة، واضعا الكتابة أسفل الشاشة، كما هو متبع حتى اليوم، وقدمها في عروض خاصة مجانية حتى يتأكد الصناع من فرص نجاحها، إلا أنه لم يثر حماسة الكثيرين لمشروعه الجديد لخوفهم من عدم اهتمام الجمهور بالأفلام الغربية.

واصل عبيد محاولات إقناع مستوردي الأفلام وأصحاب دور العرض عبر عدة مقالات وكتابات نشرها في جريدة الأهرام آنذاك، وتكللت محاولاته بالنجاح في عام 1939 حينما أصدر مجلس الوزراء المصري قرارا بإلزام جميع دور العرض السينمائي بعرض ترجمة عربية مصاحبة لكل الأفلام الأجنبية.

المهندس يساند المترجم

بعد 5 سنوات من ترجمة الأفلام الأجنبية القصيرة، كان أول فيلم أجنبي روائي ترجمه "أنيس عبيد" هو "روميو وجولييت" في عام 1944، وقد نجح الفيلم نجاحا مبهرا وحقق إيرادات غير مسبوقة، واستقبله الجمهور بترحاب كبير، حيث ظهرت الترجمة للمرة الأولى في دور العرض المصرية أسفل الشاشة بشكل سلس لا يفصل المشاهد عن المتابعة، فكانت هذه بداية رحلة نجاحه في ريادة عالم الترجمة السينمائية، وتدريجيا بدأ في إنجاز أعمال أكثر، ثم توسّع بشكل ضخم في أوائل الستينيات من القرن الـ20 الماضي، وكان يترجم كل الأعمال الأجنبية التي يعرضها التلفزيون المصري.

وفي عام 1950، وبمهاراته الهندسية التي اكتسبها من دراسته السابقة، تمكن أنيس عبيد من ابتكار ماكينة لطباعة الترجمة العربية على الأفلام الأجنبية على أشرطة الـ16 مليمترا، وفي نفس العام أنشأ مع شريك لبناني في بيروت "معامل خوري وعبيد للترجمة"، وقد انتهت هذه الشراكة عام 1979، فيما واصلت معامل أنيس عبيد عملها في القاهرة لترجمة الأفلام، لتظل عبارة "طبعت الترجمة بمعامل أنيس عبيد" خالدة على أشرطة الأفلام الأجنبية في مصر والشرق الأوسط.

وعلى مدى 40 عاما انفردت معامل "أنيس عبيد " بترجمة الأفلام الأميركية والهندية والأوروبية في مصر، وتمكنت من تعريف المصريين بروائع السينما العالمية، وفي الثمانينيات أنشأ التلفزيون المصري قسما خاصا بترجمة الأفلام الأجنبية وتبعته بعد ذلك التلفزيونات العربية، وظلت تستعين بمعامل أنيس عبيد الذي فتح نوافذ متسعة أمام المشاهدين العرب لمشاهدة إنتاج العالم السينمائي، وقد استمرت معامله حتى بعد وفاته في 16 أكتوبر/تشرين الأول 1988.

أسعار معامل أنيس عبيد للترجمة (مواقع التواصل الاجتماعي)

"سحقا، تبا لك"

"سحقا، تبا لك" "اللعنة" أو "اذهب للجحيم"؛ كانت هذه هي الحلول الأسلم التي اختارتها معامل أنيس عبيد لنقل ألفاظ السباب والشتائم أميركية الطابع إلى المتحدثين بالعربية.

وربما تمثل تحفظا زائدا تفرضها حتمية التواصل مع الجمهور، لكنها إشارة على قواعد صارمة اتبعتها معامل أنيس عبيد في نقل حوارات الأفلام، وقد ساهمت في دخولها إلى كل بيت عبر شاشات التلفزيون، لكن مع نهاية التسعينيات وبدء الألفية وبالتزامن مع الثورات التقنية في التواصل وبرامج تشغيل الأفلام صارت العملية أسهل، إذ يستطيع أي شخص أن يقوم بتحميل الترجمة من الإنترنت ودمجها ببرنامج "فيرتوال دوب" (VirtualDub) مع تحيات مترجمين يحملون أسماء مستعارة مثل "براد بيت 2" أو "أمير الصحراء".

ورغم أن تلك المحاولات مهمة لكن ينقصها التوفيق أحيانا، وغالبا ما تتسم بالعشوائية، إذ يندفع بعض المترجمين أحيانا لكسر الحاجز والتفاعل مع المشاهد والتعبير عن آرائهم فيما يترجمونه، حيث تحتوي الترجمة على تنبيهات أثناء المشاهدة أو في بداية الفيلم، مثل عبارة "فيلم رائع لكن البطل سيموت في النهاية".

المصدر : مواقع إلكترونية