القاهرة كابول.. مقالات مطولة على شاشة التلفزيون

بعد تأجيل عرضه من موسم رمضان الماضي للعرض في موسم رمضان 2021، حظي مسلسل "القاهرة كابول" بمزيد من الدعاية بين جمهور المسلسلات المصرية، خاصة أنه يتضمن بطولة جماعية يبرز خلالها الممثل المصري طارق لطفي بدور يشبه في ملامحه شخصية زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن، ويتناول قضية "الجهاديين" و"التطرف الفكري"، وهو ما جعله على قائمة ترقب العرض الرمضاني.
قصة واعدة بكثير من التشويق مدعومة بإنتاج ضخم يصور الحياة في كهوف جبال أفغانستان وشوارع ألمانيا وأزقة حي السيدة زينب بالقاهرة، وهي قصة كتبها عبد الرحيم كمال وأخرجها حسام علي، وقد وعدتنا بالكثير من التشويق والخبايا، وكشفت جوانب من الأروقة المظلمة، وجاءت لتخيب آمالنا وتغير وجهة الرحلة الدرامية إلى مسار آخر.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsالمؤلف يقرر قتل الفن
بدأ المسلسل بحلقة وأحداث على قدر عال من التشويق، اجتماع يضم 4 أصدقاء قدامى، يمثل كل منهم رمزًا من رموز التأثير، السحر والفن، العقل والسلطة، الإعلام والمال، والخلافة والدين. اجتماع أصدقاء بالمصادفة في ظاهره لكنه لقاء مرتب بين رجل الأمن و"الإرهابي" في حقيقته.
يختار عبد الرحيم كمال -مؤلف العمل- أن يقتل الصديق الطيب رمز الفن والسحر مع الحلقة الثانية ليبقى اللاعبون الثلاثة على مدار بقية حلقات المسلسل.
ويبدو أن المؤلف بهذا الاختيار قرر قتل الصنعة الفنية للحكاية ليحل محلها استعراض أفكار وآراء متباينة. ويؤسس صناع العمل من هذا المشهد لعلاقة المشاهدين مع المسلسل، وستشاهدون قصة خيالية قائمة على عناصر شبه حقيقية، يعرض من خلالها أفكارا حول كل شيء؛ التاريخ والحاضر والإعلام والسياسة والدين والأمن و"الإرهاب" ومصر والعالم، وربما تكون أفكارا طيبة بالطبع، لكنها كثيرة وشاسعة على أن يحتويها عمل درامي واحد حتى لو كان ممتدا لـ30 حلقة أو ما يعادل 15 ساعة.
متقاعد لا يملك سوى الحكمة
سرعان ما تحولت حالة الفضول تجاه المسلسل وأحداثه إلى حالة متباينة ما بين الإعجاب الشديد والسخرية المفرطة من طريقة تناول الأفكار المطروحة حول صراع العقيدة والفكر بين الوسطيين والمتشددين، وهو صراع كان النقطة المحورية التي تنطلق منها وتدور حولها قصة "القاهرة كابول"، وكل العناصر الدرامية داخل المسلسل جاءت لتخدم هذه الفكرة الوحيدة بأسهل الطرق المباشرة، وبخاصة اللهجة الخطابية والحوارات والمونولوجات المنفردة والمطولة التي تغلب على أحداث المسلسل.
وكان الجانب الأكبر من السخرية من نصيب شخصية حسن، أستاذ التاريخ المتقاعد، الذي يحتكر الحكمة في القصة ويوزعها على أبطالها في أوقات فراغه، والأزمة هي أنه لا يملك أكثر من فراغ الوقت.
مقالات مطولة فقيرة دراميا
الفارق بين القصص والحكايات الدرامية -سواء كانت مكتوبة أو مرئية على الشاشة- وبين المقالات هو الدراما، حيث تتطلب القصة -أي قصة- سردا دراميا يحكي تفاصيل عالمها، وبالضرورة تتطلب بناء للعالم الدرامي وللشخصيات وتاريخها، وكذلك فإن تتابعها منطقي وفقا لدوافعها. وليس المطلوب منها أن تشبه الواقع أو تتطابق معه، بل تكون أكثر واقعية وعمقا من الواقع نفسه.
أما المقال فيرتكز على عرض الأفكار إما في نقاط رئيسية أو فقرات مرتبة، بلغة غنيّة أو محدودة، لكن في النهاية ستكون أفكارا مباشرة يقرؤها القارئ ويتفق معها أو يختلف، بينما القصة هي توريط للقارئ أو المشاهد في الأحداث، وذلك بأن يعيش معها ويتتبع شخصياتها ويتفق مع بعضها ويختلف مع البعض الآخر، ويلومها أو يتعاطف مع دوافعها.
كل ذلك غاب عن "القاهرة كابول"، فحتى الحلقة الـ23 من المسلسل جاءت الأحداث المحركة للدراما ضئيلة ومفككة، وشخصياتها متباعدة لا تملك بعدا دراميا يبرر أفعالها ولا أحداثها، وهي شخصيات لا تحتاج لأكثر من جملة واحدة للتعريف بها، بينما ستحتاج إلى فقرات كاملة لرصد الحوار الواعظ بلغة بسيطة ومباشرة.
أي تشابه مع الواقع محض صدفة
ربما كانت النبرة الوعظية الغالبة على المسلسل لتنجح لو قُدّمت قبل 2011، قبل أن يعايش الجمهور خطورة الأفكار المتطرفة على أرض الواقع، فهل يقدم القاهرة كابول رؤية جديدة أو حتى تفسيرًا للواقع الذي عاصره الجمهور؟
لم تنجح شخصيات "القاهرة كابول" في حكي قصة تقترب من الواقع، والتشابه الوحيد الواضح جاء من خلال الشبه الذي اجتهد ممثلو وطاقم مكياج العمل لإبرازه بين الأبطال الرئيسيين وشخصيات حقيقية نعرفها، كالشبه بين طارق لطفي وزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وبين فتحي عبد الوهاب والإعلامي المصري يسري فودة، وأنه الإعلامي الوحيد الذي أجرى لقاءا مع "الخليفة"، وهو ما يتطابق تماما مع واقعة لقاء يسري فودة بقيادات تنظيم القاعدة عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول، والفارق أن الواقع كان أقوى من مشهد اللقاء المصنوع في المسلسل.
يوميات بلا أحداث
خلال ندوة أقيمت في خريف 2019 بالقاهرة، قال الكاتب المصري عبد الرحيم كمال إن مسلسله "أهو دا اللي صار" كان في الأصل قصة قصيرة حول شخصيات علي بحر ووديع البساطي.
صديقان يعيشان على هامش الحياة في "عشة" من "الخوص" على شاطئ الإسكندرية، ومن بعد ذلك توسعت القصة القصيرة لتصبح مسلسلا يحكي حكايتين متوازيتين في زمنين مختلفين يفصل بينهما 100 عام، ويربطهما بيت كبير.
ويبدو أن هذه الحادثة تكررت مع سيناريو "القاهرة كابول"، وربما كانت قصة قصيرة تم تحويلها لمسلسل من 30 حلقة مع تحميلها بالكثير من الحوارات المقالية والمشاهد المسرحية، حول خطورة الفكر "الجهادي التكفيري" الذي يجول في شوارعنا ويجلس معنا على المقاهي ذاتها، لكن نسي صنّاع العمل عنصرا أساسيا في صناعة القصص؛ وهو الحدث الرئيسي الذي تقوم عليه الدراما، فحتى الحلقة الـ23 لم يبدُ للجمهور أنه ثمة حدث منتظر في المسلسل.
أحداث صغيرة متباعدة تحدث لكل شخصية على حدة، ولا رابط بينها غير العلاقة القديمة، ولا تأثير لها، وخطوط درامية لا تتقاطع إلا بنقطة البيت القديم في السيدة زينب، ويمكن أن تمتد إلى مئات الحلقات وعشرات المواسم دون حدث رئيس، فقط يوميات أهل الحارة وحكم أستاذ التاريخ، فيما يشبه مسلسل "دراما الصابون" الإذاعي المصري "عائلة مرزوق أفندي" الذي يذاع منذ عام 1959 وحتى الآن، والذي يوجه خطابا اجتماعيا وعظيا، لكن مدة حلقته لا تزيد على 5 دقائق، فلا مجال لتسرب الملل الذي لم ينجح "القاهرة كابول" في قتله أو جذب انتباه الجمهور بعيدا عن "الكوميكس الساخرة" التي تم تداولها على منصات التواصل الاجتماعي لأيام قليلة قبل أن يتركها الجمهور لصالح "كوميكس" ساخرة ثانية لمسلسلات أخرى.