قضايا عربية بعيون نسائية.. مخرجات استخدمن لغة السينما للبوح بمشكلاتهن

نادين لبكي وكوثر بن هنية من أبرز المخرجات الشابات اللاتي نقلن قضايا أوطانهن إلى العالمية (الفرنسية)

نجح بعض المخرجات العربيات في كسر الصورة النمطية للسينما، وخلقن مساحة إبداعية مختلفة لمشروعهن السينمائي، ففي الوقت الذي تكتسح فيه السينما التجارية، كان انحياز هؤلاء المبدعات للسينما التي تخاطب العقل والوجدان، ونقل الواقع السياسي والاجتماعي وحياة المهمشين والمقهورين، وقضايا المرأة بمختلف أزماتها، فأصبح اسم كل واحدة منهن مرتبطا بأفلام تحمل قيمة فنية وفكرية.

لبكي وأزمات لبنان

استطاعت المخرجة نادين لبكي أن تنقل الواقع اللبناني إلى العالم من خلال أفلامها التي عرضت في محافل عالمية مختلفة.

لبكي التي انتقلت للسينما بعد تخصصها لسنوات في عالم الفيديو كليب، قررت أن تثقل تجربتها الفنية بتقديم صورة واقعية للأزمات التي يعيش فيها الشعب اللبناني.

ففي فيلمها الروائي الأول "سكر بنات -2007" الذي قامت بتأليفه والتمثيل فيه إلى جانب كونها المخرجة، وبصورة بعيدة عن النمطية قدمت بشكل شيق وخفيف الظل قضايا نسائية شائكة وشديدة الحساسية، من خلال مجموعة من القصص الأنثوية.

تجتمع بطلات العمل في صالون تجميل لا يفرق بين زبائنه في الدين أو العرق، فالمعاناة واحدة للجميع، سواء التي تعاني من هجر زوجها بعد أن وصلت لسن اليأس فتحاول الادعاء بأنها لا تزال تحيض، ونموذج الفتاة التي تعاني من طباع خطيبها الشرقية المتشددة والمؤذية أحيانا.

ويكتسب فيلمها الثاني "هلأ لوين -2011" أهميته في كونه رسالة احتجاج ضد الطائفية، من خلال قرية منعزلة في مكان بعيد عن بيروت، لا تصلهم الأخبار وتحاول النساء في القرية إلهاء الرجال عن أخبار الحرب الطائفية بين المسلمين والأقباط، خاصة أنهم يعيشون في تفاهم وسلام بعيداً عن أي خلافات، لكن بمرور الوقت يتورط أهالي القرية في الحرب.

وأخيرا في فيلم "كفر ناحوم" الذي نافس على سعفة مهرجان كان الذهبية في عام 2018، هذه المرة نقلت نادين لبكي مرارة جديدة وغصة جديدة في حلق المجتمع العربي من خلال الطفل زين اللاجئ السوري الذي يحاول التمرد على الحياة التي وجد نفسه بها ويقرر رفع دعوى ضد والديه.

مخرجات من رحم المعاناة الفلسطينية

ومن رحم المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني خرجت العديد من الأفلام التي تحمل توقيع مخرجتين، اختلفت كل منهما في التجربة الخاصة بها، لكن جمعهما الهم الفلسطيني.

فالمخرجة نجوى النجار في 3 أفلام قدمتها كان همها نقل الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون على أرضهم، بداية من فيلم "المر والرمان" في 2010 الذي نقلت من خلال مشاهده تعرضهم لقهر الاحتلال في نقاط التفتيش وفي الطرق، ومصادرة الأراضي، ونقلت في مشاهد أخرى التوغل الإسرائيلي بالسيارات العسكرية، لكنها غلفت كل ذلك في قصة رومانسية لبطلة الفيلم قمر التي تنتظر عودة زوجها من سجون الاحتلال.

وجاءت التجربة الإخراجية الثانية لها استكمالا للقضية التي تشغلها من خلال فيلم "عيون الحرامية", وهو مستوحى من واقعة حقيقية عرفت بالاسم نفسه، واستهدف من خلالها ثائر حماد السلوداي أحد الكمائن الإسرائيلية شمال مدينة رام الله وقتل 11 جنديا إسرائيليا.

وفي عام 2019 قدمت تجربتها الثالثة "بين الجنة والأرض"، فمن خلال محاولات حصول بطلي الفيلم على تصريح لدخول المنطقة الإسرائيلية لاستكمال أوراق الطلاق في محكمة الناصرة نرى معاناتهما أثناء رحلة استغرقت ساعات طويلة.

وخلال حضورها العام الماضي 2019 في مهرجان الجونة السينمائي حيث كرمت بجائزة الإنجاز الإبداعي اعترفت المخرجة مي مصري في ندوتها بأن لديها التزاما تجاه القضية، وتحاول دائما سرد التجارب التي عاشتها ومعاناة من حولها من خلال أفلامها المتنوعة بين الروائي والوثائقي، ومنها تحت الأنقاض وأطفال جبل النار وأحلام معلقة ويوميات بيروت و3 آلاف ليلة.

كوثر بن هنية.. وقائع حقيقية

ومن خلال متابعة مشوارها منذ أول أفلامها الروائية الطويلة "شلاط تونس"، تسعى المخرجة التونسية كوثر بن هنية لنقل المشاكل التي يواجهها مجتمعها، ففي الفيلم الذي عرض عام 2013 تتعرض بن هنية لواقعة شائكة وهي جرح النساء بآلات حادة من قبل الجماعات المتطرفة، واستندت في الفيلم إلى واقعة حقيقية حدثت في تونس بعد ثورة 2011 حيث تعرضت الكثير من النساء للأمر، وتطرح بن هنية في الفيلم العديد من التساؤلات عن حرية المرأة وحقوقها وسط الصراعات السياسية والمجتمعية.

وعادت من جديد لتنقل قصة حقيقية من خلال فيلمها "على كف عفريت" في عام 2017، فالفيلم مستوحى من واقعة اغتصاب فتاة من قبل الأمن بمنطقة عين زغوان بتونس، وتنقل بن هنية المعاناة التي عاشتها المغتصبة وهي في المستشفى بين الآلام النفسية والجسدية، ومحاولاتها لانتزاع حقها ممن اغتصبوها وهم أنفسهم الجهة التي تقوم بالتحقيق في الأمر.

وخرجت من عباءة مجتمعها التونسي، لتقدم تجربة عالمية مهتمة بقضية إنسانية في الأساس، من خلال فيلم "الرجل الذي باع ظهره" في عام 2020 لتقدم تجربة عالمية عن معاناة الإنسان بشكل عام، من خلال اللاجئ السوري الذي يوافق على تحويل ظهره إلى لوحة لكي يتمكن من السفر وتحقيق أحلامه.

الانحياز للسينما المستقلة

المخرجة المصرية هالة لطفي اختارت السير عكس تيار السينما التجارية، ليس فقط من خلال فيلمها "الخروج للنهار" الذي قدمت خلاله تجربة لعائلة فقيرة ومهمشة في المجتمع المصري، لكن أيضا من خلال مؤسسة "حصالة" التي كونتها مع مجموعة من السينمائيين المستقلين، للمساهمة في إنتاج العديد من الأفلام المستقلة.

وكانت هالة لطفي بدأت مشوارها عام 2004 بإخراج 7 أفلام وثائقية ضمن سلسلة "غرب أميركا اللاتينية" مع شبكة الجزيرة.

المصدر : الجزيرة