مهرجان دُهوك السينمائي الدولي.. تَعرّف على السينما الكردية

حفظ

ندى الأزهري

في مدينة جميلة هادئة تُحيط بها الجبال في قلب كردستان العراق، وعلى بُعد كيلومترات قليلة من الحدود السورية والتركية، يُقام مهرجان سينمائي دولي، هناك سجادة حمراء وكاميرات كثيرة وضيوف من جميع أنحاء العالم، وبالطبع أفلام.

ما يميز مهرجان "دُهوك السينمائي الدولي" أمران؛ أولهما تخصيص عدة أقسام للسينما الكردية يُعرض فيها أكثر من أربعين فيلما بكل أنواعها الروائية الطويلة والقصيرة والوثائقية، وثانيهما اختيار السينما العربية للمرة الأولى منذ تأسيس المهرجان (أي منذ سبع سنين) لتكون تحت دائرة الضوء، وذلك عبر أكثر من عشرين فيلما من أغلب الدول العربية، حيث يسترجع من خلال بعضها العديد من كلاسيكيات السينما العربية التي لها مكانتها في تاريخ السينما، فضلا عن عدة أفلام عربية حديثة الإنتاج.

في النسخة السابعة لمهرجان دهوك التي عقدت في الفترة من 9 وحتى 16 سبتمبر/أيلول الجاري تحت شعار "التعايش والفهم الحقيقي للمساواة والتنوع والترابط"؛ شارك 112 فيلما من مختلف الأنواع، تنافس بعضها في ست مسابقات رسمية، ثلاث منها لقسم الأفلام العالمية الطويلة والقصيرة والوثائقية، وثلاث آخرين للفيلم الكردي الوثائقي والروائي الطويل والقصير.

شملت مسابقة الفيلم الكردي "الآتية من أنحاء كردستان الأربع" 25 فيلما موزعا على الطويل (7) والقصير (12) والوثائقي (6)، وخُصصت لها ثماني جوائز. واختيرت الأفلام "لتضيء على المواهب الأكثر تعبيرا لمخرجين كُرد جدد، ولتظهر مختلف الأساليب في السينما الكردية، وتبين عدة جوانب من الأفكار والثقافة التي تشكل حياة الكرد" بحسب المنظمين.

هناك أيضا عدة تظاهرات للفيلم الكردي خارج التنافس مثل بانوراما السينما الكردية للفيلم والقصير والوثائقي والتي تضمنت 16 فيلما من سوريا والعراق وتركيا وإيران. فمهرجان دهوك إذاً متميز في مجاله من حيث هذا التركيز على السينما الكردية، لكن كيف هي هذه السينما، وما أدواتها، وما مدى اختلاف أفلامها مثلا عن أفلام المنطقة؟ وهل يمكن سبر بضعة خصائص محددة من خلال عدة أفلام طويلة وقصيرة ووثائقية؟

فيلم
فيلم "خلق" لافت باعتنائه بالصورة، لتأتي معبرة عن جمال قرية وعن فقرها وعزلتها أيضا

الفيلم الكردي.. هوية خاصة

إعلان

أول من يُذكر عند الحديث عن السينما الكردية اسمان التصقت بهما، وهما المخرج الإيراني المعروف "بهمن قبادي" الذي اهتم بمناطق كردية في إيران وجعلها منطلقا لأفلام عكست أسلوب عيش وتفكير وثقافة شعب، وذلك باعتماده على اللغة الكردية وممثلين كرد، وثانيهما المخرج الكردي العراقي "هِنَر سليم" الذي وإن كانت معظم أفلامه -إن لم يكن كلها- بالفرنسية لأنه يقيم في فرنسا فإنها هذه الأفلام عكست التقاليد الكردية.

وإلى وقت قريب لم يكن هذا الوصف يُطلق على أفلام صنعها أكراد، حتى لم يكن يُقال فيلم كردي لمجرد أن صانعه كردي، وكانت أفلام هذه السينما ذائبة في سينما بلد الأصل سواء أكان العراق أم سوريا أم إيران أم تركيا. أما اليوم فيُكشف عن هذه السينما وعن خصوصيتها وعن تميزها من حيث إنها تُعبّر عن شعب له هويته الخاصة ولغته وثقافته.

وهناك عوامل اشتركت بها هذه الأفلام جعلتها تُصنّف ضمن قائمة الفيلم "الكردي"، أولها المكان وما يفرضه مع ناسه من مواضيع تعكس عادات وتقاليد ونمط حياة يومي، ومن ثمّ يأتي انتماء صانع العمل ولغة الفيلم.

اللغة السائدة في الأفلام هي الكردية بلهجاتها الثلاث، مع لغة البلد الرسمية أحيانا أي التركية والفارسية والعربية.

أما بالنسبة للمكان فغالبا ما اختيرت القرية كأفضل ما يمكن أن يعبّر عن مفاهيم وعادات معينة في السلوك واللباس مثلا، والتي قد تختلف عن عادات أمكنة أخرى في المنطقة.

أما المواضيع فطَرحت بعض الأفلام ما لحق القرى الكردية من ظلم وتهجير، كما انتقدت أفلام كردية قصيرة مثلا "القومية" سواء أكانت العربية أم التركية، كما تناولت عدة أفلام طويلة تأثير الحروب الأخيرة في المنطقة عليهم لا سيما مع وجود داعش، وبالتالي اضطرارهم للهجرة واللجوء وتشتتهم في الجوار.

كان هناك على سبيل المثال فيلمان عن اليزيديين، منهما فيلم "الشاحنة" للإيرني كامبوزيا بارتوفي الذي فاز بجائزة اتحاد النقاد الدوليين "فيبرسي"، والذي يروي معاناة شابة يزيدية مع صغيرها بعد هروبها من قريتها التي هاجمتها داعش، وانتقالها إلى طهران مع سائق شاحنة.

لكن إن كانت الهجرة عامل أساسي في حياة الكرد فإنها ليست دائما بسبب الحروب، بل أيضا لطلب الرزق في أماكن أخرى، وهذا ما يتناوله العمل الفائز بجائزة أفضل فيلم في مسابقة الفيلم الكردي الطويل.

"خَلْقُ".. قرية بلا رجال

يدهشنا هذا الفيلم الوثائقي القادم من تركيا "خَلْقُ" لسامي مرمر وهند بن شكرون بأسلوبه المبتكر في تناوله لقضية الهجرة، وبمعرفته العميقة بالواقع والشخصيات، وبهذه النظرة غير العادية على الهجرة من وجهة نظر أولئك الذين يبقون.

يعود المخرج إلى قريته "خلق" زائرا بعد غياب في المهجر، وهي إحدى القرى الكردية القليلة الواقعة في قلب الأناضول بتركيا اليوم، حيث غادرها شبابها متجهين صوب أوروبا وكندا أو أمريكا.

ولحسن الحظ فإن القرية ما زالت موجودة تحيا وتعكس رغبة قوية بالعيش ومقاومة الفناء، وذلك بفضل إصرار نسائها من أمهات وزوجات، فهن يعشن رغم مرارة الانتظار وشظف الحياة أملا بعودة أزواج قد يعودون أحيانا في الصيف لأسابيع قليلة، أو لا يعودون منذ غيابهم، وربما استحلَوا طعم الحياة مع نساء من "هناك".

إعلان

تبدو القرية في البدء وكأنها مكان مهجور، وذلك قبل أن تظهر واحدة من نسائها عند الفجر وهي تحلب بقراتها.

ينطلق المخرج من خالته ليسرد كيف تُمضي يومها، حيث لا تكفّ عن العمل وتأمين متطلبات الأسرة مع زوج غائب منذ أكثر من أربعين سنة، وحين يعود في الإجازة يبدو مهتما بمظهره وراحته، بل ويريد التدخل بشؤون البيت والعمل، كأنه يفرض على زوجته مثلا رعاية الأغنام بدلا من الأبقار. فالزوجة شخصية قوية استمدت قوتها من ضرورة التأقلم مع ظروف قاسية وطبيعة صعبة، ومن ضرورة السعي لتأمين متطلبات العيش.

تبدو حياة القرية الكردية "خلق" بقوة نسائها وعزمهن على الاستمرار، وهذا بروح حلوة لا تخلو من طرافة ومرح، رغم تذمرهن الدائم من غياب الرجال وعدم تحمل هؤلاء لمسؤولياتهم المعنوية والمادية تجاه الزوجة والأطفال.

لقد يئسن من الرجل لدرجة أن إحدى الشابات لا تريد الزواج، وأخرى تتمنى لو تموت قبل زوجها حتى لا تضطر للقيام بتحضير الجنازة وواجبات العزاء له.

الفيلم وثائقي ولافت باعتنائه بالصورة، لتأتي معبرة عن جمال قرية وعن فقرها وعزلتها أيضا، وهو لا يهتم فقط بشخصياته الإنسانية، بل يقترب من بقرات القرية وخرافها حيث تصبح تلك إحدى شخصيات الفيلم المهمة.

وقد صور المخرج سامي مرمر 120 ساعة من حياة عائلته في هذه القرية، ولم يكن ذلك سهلا، إذ إنه هو أيضا أحد مشاكلها بعد أن هاجر وغادرها.

لقد استحق المخرج الجائزة الذهبية في قسم مسابقة الأفلام الكردية، بهذا العمل القائم على تقديم الجانب الآخر للهجرة، وعبر اقترابه من حياة أولئك النسوة، فقد قدّم لنا صورة مؤثرة عن نساء يعشن من دون رجال، يرغبن بالحفاظ على حياة القرية متحليات بالعزيمة ومثيرات للاهتمام بإحساسهن العالي وكرامتهن وتحليهن بروح الدعابة على الرغم من حياتهن الشاقة والمرارة التي يشعرن بها.

"مَرَّ على الرقابة".. حارس يتطفل على حياة سجنائه

فيلم آخر من تركيا بعيد عن الحروب فاز بجائزتي الإخراج والسيناريو وهو "مرّ على الرقابة" لسرحات كار أصلان، ويبين الفيلم الانغماس في حياة الآخرين والتطفّل عليها عبر قصة حارسَ سجن مهمته مراقبة مراسَلات المساجين، وذلك للتأكد من خُلوّها من معلومات أو تحريض، أو على العكس للبحث عن معلومات فيها وحجبها حين الضرورة.

في دروس للكتابة الأدبية يتابعها في أوقات فراغه، حيث يطلب منهم المُدرّس تحليل صورة ما والكتابة عنها والاستيحاء منها، يقع يوما بسبب عمله على صورة زوجين في إحدى الرسائل، هنا تبدأ مغامراته حين يتعلق بالزوجة الجميلة (الممثلة التركية المعروفة سعادت أكوسي)، ويرى فيها بطلة للقصة التي يكتبها.

السيناريو مشغول بعناية لإظهار تطوّر شخصية البطل من مجرد حارس للسجن عادي ولطيف، إلى إنسان مهووس بشخصية امرأة. أما الإخراج فاعتمد أدوات سرد بصرية ذكية ومثيرة للفضول، وأداء تمثيلي مكثف لإبراز تحوّل هذه الشخصية الهادئة في مظهرها والتي تُخفي هوسا في أعماقها.

كما فاز الفيلم الوثائقي "كل بيت هو مدرسة" للمخرج إردان ديرين من كردستان العراق بجائزة أفضل فيلم وثائقي كردي، وهو فيلم يتناول قضية اللغة الأمّ من خلال قصة أناس حاولوا في بيوتهم إحياء لغة كانت ممنوعة لسنوات في المدارس.

فيلم
فيلم "مرّ على الرقابة" لسرحات كار أصلان فاز بجائزتي الإخراج والسيناريو

أفلام وجوائز

في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة فاز بالجائزة الكبرى -وهي على اسم المخرج والكاتب الكردي التركي "يلماظ غوني" (1937-1984)- فيلم "ثم رقصنا" للمخرج الجورجي ليفان أكين، وهو عن عالم الرقص الكلاسيكي من خلال قصة راقصَيْن.

كما فاز بجائزة أفضل عمل أول أو ثان فيلم "حمّال الذهب" للمخرج الإيراني تورغ أصلان، وينغمس الفيلم في عالم العمال البسطاء في محلات المصوغات الذهبية ومعاملها الصغيرة، ويبرز التحديات اليومية في وضع اقتصادي صعب يقود الأشخاص نحو تدابير يائسة وخطرة.

إعلان

أما في مسابقة الوثائقي ففاز فيلم "سولو" (عزف منفرد) للمخرج الفرنسي "أرتيميو بنكي" بالجائزة الذهبية، ويتابع الفيلم الشاب مارتين عازف البيانو الأرجنتيني وكفاحه من خلال العزف للتغلب على مرضه النفسي. كما وزعت عدة جوائز على الأفلام القصيرة العالمية والكردية.

المصدر: الجزيرة الوثائقية

إعلان